فهرس الكتاب

الصفحة 1568 من 5777

مفهوم الاستقامة على الدين

الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

أعمال القلوب, العلم الشرعي

مرزوق بن سالم الغامدي

مكة المكرمة

الرحمة

1-معنى الاستقامة. 2- النصوص تحث على الاستقامة. 3- استقامة القلب واستقامة الجوارح.

4-أهمية المكتبة للبيت المسلم. 5- من العلم ما لا يعذر أحد لجهله. 6- من العلوم الكفائية ما

يجب تعلمه على من احتاجه.

جاء في صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل أحدًا عنه غيرك، قال: (( قل آمنت بالله ثم أستقم ) ).

وفي رواية أخرى عند الإمام أحمد والنسائي أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله مُرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: (( قل آمنت بالله ثم أستقم ) )قلت: فما أتقي؟ (( فأومأ إلى لسانه ) ).

وهذا موافق لقوله الله تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون وقوله عز وجل: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاءً بما كانوا يعملون.

والاستقامة كما ذكر أهل العلم هي أداء الفرائض واجتناب النواهي، وقال المفسرون في تفسير قوله تعالى: ثم استقاموا لم يشركوا بالله شيئًا ولم يلتفتوا إلى إله غيره أي التوحيد، توحيد الله في عبادته، التوحيد الكامل الذي يحرم صاحبه على النار، ولأن المعاصي قادحة في التوحيد فهي إجابة للهوى والشيطان، افرأيت من اتخذ إلهه هواه ، فالذي لا يهوى شيئًا إلا فعله فإنه بذلك ينافي الاستقامة على التوحيد.

فأمر النبي صلى الله عليه وسلم للسائل بالإيمان حينما قال: (( قل آمنت بالله ثم أستقم ) )موافق لقوله تعالى: فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير وقوله تعالى: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه ، ولأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية أتبع الأمر بالإيمان. الأمر بالاستقامة، ولكن لابد من التقصير، فجاءت الآية السابقة تأمرنا بعدم الطغيان لأن الله مطلع علينا، وجاءت الآية الثانية بالاستغفار والتوبة والأوبة إلى الله وإلى الصراط المستقيم كما جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ) )وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( سددوا وقاربوا ) )فالسداد هو حقيقة الاستقامة، وهو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال والمقاصد كالذي يرمي إلى هدف، إلى غرض، فيصيب.

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليًا رضي الله عنه أن يسأل الله عز وجل السداد والهدى وقال له: (( أذكر بالسداد تسديدك السهم وبالهدى هدايتك الطريق ) ).

والمقاربة أن يصيب الشخص ما قرب من الهدف أو الغرض إذا لم تصب الهدف نفسه ولكن بشرط أن يكون مصممًا على قصد السداد وإصابة الغرض فتكون مقاربته من غير عمد (( سددوا وقاربوا ) )، وجاء في رواية: (( سددوا وأبشروا ) )أي اقصدوا التسديد والإصابة والاستقامة فمن سدد في أعماله كلها قد فعل ما أمر به، ومن قارب بعد اجتهاد قد فعل ما أمر به، ومن أخطأ وجانب الطريق فعليه الإسراع بالعودة إلى الاستقامة.

فأصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد، فمن استقام قلبه على معرفة الله وعلى خشيته في السر والعلن ومهابته ومحبته وإرادته ورجائه ودعائه والتوكل عليه والإعراض عما سواه، استقامت جوارحه كلها على طاعته، فإن القلب هو ملك الأعضاء وهي جنوده، فإذا استقام الملك استقامت جنوده ورعاياه، وإذا وقع القلب في غير طاعة الله رتعت جنوده ورعاياه.

أيها الإخوة: أعظم ما يراعى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسان، فإنه ترجمان القلب والمعبر عنه، ولهذا لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل بالاستقامة وصاه بحفظ اللسان، جاء في السنن عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ) )وجاء عند الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وموقوفًا: (( إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر - أي تعلن الخضوع له والانقياد له - اللسان فتقول: اتقِ الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا ) ).

أيها الإخوة: ومما يعين على الاستقامة تكوين مكتبة منزلية صغيرة تحوي أهم ما يحتاج إليه المسلم. مثل تفسير ابن كثير للقرآن العظيم وتفسير الأشقر المعروف باسم زبدة التفسير أو ما سيصدر من تفسير من مجمع الملك فهد بالمدينة النبوية، بالإضافة إلى أحد كتب السنن مثل سنن أبي داود، وكتب السيرة وأهمها زاد المعاد لابن القيم، بالإضافة إلى رياض الصالحين، وفتاوى هيئة كبار العلماء، وأحد كتب التوحيد التي تدرس في معاهدنا العلمية منها كتاب فتح المجيد، وبعض الكتيبات الصغيرة التي توضح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وكيفية حجه وصومه. كذلك بعض الأشرطة للمشايخ المعتبرين الربانيين.

والحذر الحذر من كتب أهل البدع ومؤلفاتهم لأن فيها أخطاء عقدية جسيمة. ومع هذا يجب إزالة المنكرات والمجسمات لذات الأرواح حتى تعم السكينة داخل المنزل، ويستعين ساكنوه على استقامتهم.

أسأل الله العلي العظيم أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه وأن يجعلنا ممن استقاموا على الطريقة إنه ولي ذلك والقادر عليه.

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فإن الفقه في الدين هو الطريق إلى الاستقامة عليه من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ، إن طلب العلم هو مطلب كل مسلم حتى يعبد الله على بصيرة، والعلم نور وهدى، والجهل ظلمة وضلال وشقاء، العلم هو إرث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهم لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا إنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر من ميراثهم، والعلم رفعة في الدنيا والآخرة يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات.

قال تعالى: أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها.

وكلما تعلم المسلم العلم ازداد يقينه واستقام على أمر الله، وهناك حد أدنى لا يعذر المسلم بتركه أو جهله، حد أدنى من العلم، لابد لكل مسلم صغيرًا كان أو كبيرًا رئيسًا أو مرؤوسًا ذكرًا أو أنثى أن يتعلمه ويعمل به، وهو معرفة الله ومعرفة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ومعرفة الإسلام وشرائعه، فالعلم قبل القول والعمل كما قال تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك. ومعرفة الله بأسمائه وصفاته، وتحقيق توحيده، واجتناب كل ما يناقض التوحيد، وكل ما يبغضه الله من القول والعمل، هو تحقيق لكلمة لا إله إلا الله، ومعرفة النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة سيرته واتباع سنته وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه، وزجر، وعبادة الله بما شرع وقرر، وهو تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله، ومعرفة الحلال والحرام وإقامة أركان الإسلام من صلاة وزكاة وصيام وحج على وفق ما يريده الله منا متأسين بسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو مراد كل مسلم وهو الطريق الذي يجب أن يسلكه العبد على هدى من ربه وبهذا يعرف المسلم دينه، ولا يعذر المسلم بتجاهل هذا الحد الأدنى من ما ينبغي له العلم به ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ). وقد جاءت السنة بشرح كيفية الطهور، والصلاة بأركانها وواجباتها وسننها، كيف يصلي المسافر والمريض؟ ومتى يكون القصر ومتى يكون الجمع ومتى يكون وقت الصلاة ومتى يخرج وقتها إلى غير ذلك من الأمور التي يجب على المسلم معرفتها عن الصلاة المفروضة والتي هي الركن الثاني من أركان الإسلام والتي أجمع أهل العلم أن من تركها فقد كفر. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( خذوا عني مناسككم ) ).

فالحاج والمعتمر يجب عليه أن يتعلم قبل البدء في النسك صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم وكيفية أداء النسك وكيفية الطواف والذكر وكل الأعمال المتعلقة بالحج والعمرة حتى يؤدي هذه العبادة على نور من ربه وعلى صراط مستقيم.

وعلى المسلم أن يعرف كيفية أداء زكاة الفطر وكميتها ووقتها، وإذا كان من أهل الأموال وجب عليه معرفة كيفية أداء زكاة أمواله ومتى تخرج وكميتها ولمن تعطى.

هذا هو الحد الأدنى الواجب على المسلم أن يتعلمه، وكل ما هو وسيلة لأداء هذه الواجبات ومعرفتها فهو واجب فحفظ شيء من القرآن وخاصة سورة الفاتحة واجب على كل مسلم حتى يؤدي الصلاة، وهكذا فالوسائل تأخذ أحكام المقاصد. ثم تأتي الواجبات الأخرى من شرائع الإسلام كل بحسبه، فمن أراد السفر عليه أن يتعرف على أحكام السفر وآدابه وما يشرع في حق المسافر وما هي الرخص التي رخص للمسافر فيها من قصر وجمع بين الصلاتين وإفطار للصائم وغير ذلك من أحكام السفر.

ومن أراد الزواج عليه أن يتعلم بعض الأحكام في معاشرة النساء وما يتعلق بالحياة الزوجية وكيفية التعامل مع الزوجة ومع الأولاد وكيفية تربيتهم والتعامل معهم منذ الولادة حتى سن البلوغ. وأيضًا يتعلم أحكام الطلاق والعدة وكل ما يحتاجه في هذه الحياة الزوجية.

ومن تولى رئاسة أو إدارة أو قضاء فعليه أن يعرف أحكام الشرع فيما يختص بعمله، وخاصة العدل، وكيفية التعامل مع الناس وإعطاء كل ذي حق حقه وأن يبتعد عن الظلم.

وبالمناسبة أيها الإخوة فإن من الأخطاء اللغوية أن يقال إن دين الإسلام دين مساواة، بل الصحيح إن يقال دين عدل، وقد ورد الأمر بالعدل في القرآن قال تعالى: إن الله يأمر بالعدل ، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل والجندي في الجيش أو الشرطة يجب أن يتعلم ما يلزمه من كيفية الطاعة وأنه ليس هناك طاعة عمياء، كما يقال بل الطاعة في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ويتعلم كيف يتعامل مع المسلمين بالرحمة والمودة والشفقة، وكيف يتعامل مع الكفار والمنافقين؟. ويتعلم كل الأمور الشرعية التي تلزمه في عمله وتعامله. وكذا الموظف والمدرس والطبيب والعامل، كل إنسان لابد أن يعرف ما يحتاج إليه من العلم الشرعي في مجال عمله واختصاصه، ويجمع ذلك كله من تولى أمر المسلمين فعليه أن يتفقه قبل ذلك ويتعلم ما يلزمه من شرائع الإسلام في قيادته للأمة الإسلامية والدفاع عن حقوقها ورد المظالم عنها، يتعلم كيفية الولاء والبراء، ويتعلم كيفية التعامل مع اليهود والنصارى وأنه لا يجوز موالاتهم، ولا مشاركتهم في أعياد ولا مناسبات يفرحون بها ولا يهنئهم ولا يعزيهم، يتعلم كيف يخطب الجمعة ليصلي بالناس وكيف يخطب العيدين وكيفية إقامة الصلوات الأخرى مثل صلاة الاستسقاء والكسوف وكل ما يلزمه للإمامة والخلافة ويستعين بالعلماء الأبرار، العلماء الربانيين الذين يذكرونه إذا نسي ويعينوه على أداء واجباته.

لقد ذكر أهل السير أن هارون الرشيد رحمه الله كان يقسم الأسبوع كالتالي: يوم لقادة الجيش حتى يسير المجاهدين ويطلع على أحوالهم في الجبهات وما يحتاجونه، ويوم للقضاة، ويوم للوزراء، ويومًا لمقابلة الناس وقضاء حوائجهم، ويوم للعلماء للمدارسة والمذاكرة والحديث، ويوم لأهله وأقاربه، ويوم لنفسه يخلو فيه ويستعد للعبادة والصلاة وهو يوم الجمعة.

أيها الإخوة: إن كلًا منا مسؤول عما ولاه الله، فلذلك على كل منا أن يتعلم شرع الله في كل أمر يتولاه، فلن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت