سيرة وتاريخ
السيرة النبوية
محمد بن صالح العثيمين
عنيزة
الجامع الكبير
1-المسلمون الأوائل. 2- دعوة النبي أهله وقومه. 3- إيذاء قريش للنبي. 4- موت خديجة
وأبو طالب. 5- إيذاء أهل الطائف له. 6- إسلام الأنصار وانتشار الدعوة.
أما بعد:
فإن رسول الله لما أنزل عليه قوله تعالى: يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ، قام ممتثلا لأمر ربه متوكلا عليه واثقا به فدعا الناس إلى عبادة الله وكان بدء الدعوة سرا فآمن به رجال من قريش وكان أولهم إسلاما أبا بكر الصديق وأسلم على يديه خمسة من المبشرين بالجنة عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وهؤلاء الخمسة مع أبي بكر وعلى بن أبي طالب وزيد بن حارث هم الثمانية الموصوفون بالسبق إلى الإسلام. وأسلم غيرهم فكان رسول الله يجتمع بهم سرا ويرشدهم إلى ما أرشده الله إليه من الإسلام في دار الأرقم بن أبي الأرقم لمدة ثلاث سنين حتى أنزل الله عليه قوله: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين فصعد على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر يا بني عدي يا بطون قريش فاجتمع الناس إليه حتى كان الرجل إذا لم يستطع أن يأتي أرسل رسولا لينظر الخبر فلما اجتمعوا قال لهم: (( إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة ) )فقال له عمه أبو لهب: تبا لك ألهذا جمعتنا وسخر به وبما قال فأنزل الله فيه سورة تبت يدا أبي لهب وتب ثم أنزل الله على رسوله وأنذر عشيرتك الأقربين فجمعهم وقال: والله لو كذبت الناس كلهم ما كذبتكم والله إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة والله لتموتن ولتبعثن ولتحاسبن ولتجزون وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا فتكلم القوم كلاما لينا لكن أبا لهب قال: خذوا على يديه قبل أن تجتمع العرب عليه فإن سلمتموه ذللتم وإن منعتموه قتلتم فمانعه أبو طالب وقال: والله لنمنعنه ما بقينا. ثم انصرف الجمع بدون طائل ولكن رسول الله ظل يدعو إلى الله تعالى علنا وجهرا وكان الناس يسخرون به يقولون: هذا غلام عبد المطلب يكلم من السماء هذا ابن أبي كبشة. ثم إنه جعل يسفه عقول المشركين ويبين بطلان عبادتهم للأصنام فكلمت قريش أبا طالب أكثر من مرة ليمنع رسول الله من ذلك وهددوه فأشار أبو طالب على رسول الله أن يبقي عليه وعلى نفسه فظن رسول الله أن عمه سيخذله فشق ذلك عليه وقال: يا عم والله لو وضعوا الشمس على يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ثم بكى وانصرف فناداه عمه وقال: يا ابن أخي قل ما أحببت فوالله لا أسلمك إليهم أبدا. فاستمر رسول الله في الدعوة وازداد أذى قومه له بالقول والفعل فكان أبو جهل إذا رآه يصلي نهاه وأغلظ عليه القول وقال: ألم أنهك. وكان يوما يصلي وحوله ملأ من قريش فقال بعضهم لبعض: أيكم يعمد إلى جزور آل فلان فيأتي بدمها وسلاها فيضعه بين كتفيه إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأتى به فلما سجد رسول الله وضعه بين كتفيه فثبت رسول الله ساجدا والقوم يضحكون ويسخرون حتى جاءت ابنته فاطمة وهي جويرية صغيرة فألقته عنه وكانوا يرمون القذر على بابه فيخرج رسول الله فيطرحه يقول: أي جوار هذا. واشتد أذى قريش لمن آمن برسول الله فكانوا يعذبونهم بالطعن والضرب والنار فكان رسول الله يقوي أصحابه ويشجعهم على الصبر قال: لعمار بن ياسر وأهله وهم يعذبون صبرا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة ولما رأى اشتداد الأمر بأصحابه أذن لهم بالهجرة وقال: تفرقوا في الأرض فإن الله سيجمعكم وأشار إلى الحبشة فهاجر إليها في السنة الخامسة من البعثة عشرة رجال وخمس نساء ثم رجعوا بعد ثلاثة أشهر ولكن المشركين ما زال أذاهم يستمر وشرهم يستفحل فأذن رسول الله لأصحابه بالهجرة مرة ثانية إلى الحبشة في السنة السابعة من البعثة فهاجر إليها فوق الثمانين من الرجال ودون العشرين من النساء فأكرمهم النجاشي وجعل لهم الحرية في دينهم.
أما رسول الله فبقي في مكة يلاقي الشدائد والبلايا من أذية كفار قريش له وهو صابر محتسب منفذ لأمر الله وقد مات عمه أبو طالب وزوجته خديجة في السنة العاشرة من البعثة فاشتد الأمر عليه ثم خرج إلى الطائف يدعو قبائل ثقيف إلى الإسلام فلم يجد منهم إلا السخرية والأذى ورموه بالحجارة حتى أدموا عقبيه فرجع النبي إلى مكة ودخلها في جوار المطعم بن عدي وصار يعرض نفسه على القبائل في المواسم كل عام يتتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا فعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن فلما رجعوا إلى قومهم بالمدينة أخبروهم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلما كان العام المقبل قدم على رسول الله اثنا عشر رجلا منهم فبايعوه وبعث معهم مصعب بن عمير يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام فكثر الإسلام في المدينة فلما كان العام المقبل قدم من الأنصار إلى رسول الله نحو سبعين رجلا وامرأتان فبايعوا رسول الله على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم إذا هاجر إليهم فكان في ذلك فاتحة خير للإسلام والمسلمين وفخر عظيم للأنصار رضي الله عنهم.
عباد الله إن فيما جرى على رسول الله في تبليغ دعوة الإسلام من الأذى والتعب والمشقة لعبرة لأولي الأبصار.
فاتقوا الله أيها المسلمون واعتبروا واصبروا على ما يصيبكم في الدعوة إلى دين الله وانتظروا فإن العاقبة للمتقين وإن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير.
لم ترد.