الإيمان, التوحيد
الألوهية, خصال الإيمان
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
من أنواع المحبة: طبيعية مشتركة - رأفة وإشفاق - إلف وأنس , وطبيعة هذه الأنواع
وهذه لا تتعارض مع التوحيد - محبة العبودية والتذلل والخضوع , ولا تكون إلا لله - آثار
محبة العبودية الصادقة إيثار محبة الله على غيرها , وعلامة هذا الإيثار: فعل ما يحبه الله
وترك ما يكرهه - الأسباب المعينة على إيثار محبة الله - تفاوت الناس في مقام المحبة
أثر مقام الحب الإيماني , والفوائد في قصة أيوب عليه السلام
أما بعد: فإن المحبة ثلاثة أنواع:
1-محبة طبيعية مشتركة: كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء.
2-ومحبة رأفة وإشفاق: كمحبة الوالد لولده الطفل والوالدة لولدها الرضيع ونحو ذلك.
3-ومحبة إلف وأنس: كمحبة المشتركين في شيء واحد، كمحبة المشتركين في صناعةٍ أو في علمٍ أو تجارة أو مرافقة أو نحو ذلك.
فهذه الأنواع لا تعظيم فيها للمحبوب بل لا يصلح حال الخلق إلا بها فوجودها فيهم لا يكون شركًا في محبة الله تعالى.
فهذا خليل الرحمن وحبيب رحمن العالمين سيدنا محمد هو أشد الخلق وأعظمهم محبة لله تعالى ومع ذلك كان يحب الحلواء [1] والعسل من الأطعمة ويحب [2] الحلو البارد من الأشربة ويحب الطيب [3] والنساء وأحب نسائه [4] إليه عائشة رضي الله عنها حتى سماها الصحابة حبيبة رسول الله وكانوا يتحرون يومها [5] فيهدون فيه للرسول ، وكان يحب أصحابه الكرام وأحبهم إليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
فهذه محبة طبيعية لا تنقص المحبة الواجبة لله تعالى لأن المحبة التي لا يجوز فيها الشرك هي محبة العبودية والتذلل والخضوع والتعظيم، وهذه المحبة لا تكون إلا لله الواحد القهار سبحانه وتعالى ولا يجوز فيها الشرك أبدًا، وهذه هي المحبة التي أشرك فيها أهل الخسران المبين حتى إذا جاء الحق واجتمعوا مع آلهتهم التي أحبوها مع الله، اجتمعوا في جهنم قال المشركون: تا الله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين [الشعراء:97-98] .
فالمؤمن الموحد المحسن محبته لله تعالى، محبة عبودية وتذلل وخضوع وتعظيم، وهذه المحبة الصادقة تنتج وتوجب الإيثار والموافقة التامة فإن المحب لا يؤثر على محبوبه شيئًا أبدًا بل يؤثر محبوبه على كل شيء، وكذلك المؤمن الموحد المحسن لا يؤثر على رضا الله شيئًا أبدًا بل يؤثر رضا الله تعالى على رضا غيره، وحبه على حب غيره، ويؤثر رجاءه على رجاء غيره، ويؤثر خوفه على خوف غيره، ويؤثر التذلل له والخضوع والاستكانة على بذل ذلك لغيره، ويؤثر الطلب منه والسؤال وإنزال الفاقات به يؤثر ذلك على تعلقه بغيره مهما كان ذلك الغير.
وعلامة هذا الإيثار أمران:
أولهما: فعل ما يحبه الله تعالى وإن كان هذا الفعل مما تكرهه النفس وتهرب منه.
وثانيهما: ترك ما يكرهه الله تعالى وإن كان هذا المكروه مما تحبه النفس وتهواه هاتان علامة هذا الإيثار الذي توجبه المحبة الصادقة.
ومما يعين المؤمن الموحد على هذا الإيثار، فإن في هذا الإيثار امتحانًا عظيمًا للمؤمن مما يعين المؤمن الموحد على ذلك ثلاثة أمور:
أولها: أن تكون طبيعته لينة سلسة ليست بجافية ولا قاسية.
وثانيها: أن يكون إيمانه قويًا ويقينه راسخًا.
وثالثها: قوة صبره وثباته.
فهذه الأمور الثلاثة مما تعين المؤمن على الإيثار.
فالمحبة الصادقة تعني هذا الإيثار وتعني الموافقة التامة فكل ما يحبه المحبوب محبوب وكل ما يكرهه المحبوب مكروه، وهذا مقام عظيم يتفاوت فيه الخلق ،وأعلاه في هذا المقام هم الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وأعلى الأنبياء مقامًا في ذلك إمامهم وخاتمهم سيدنا محمد ثم يأتي بعد الأنبياء في ذلك أصحاب محمد فقد كملّهم الله بنور الإسلام وآتاهم إيمانًا راسخًا ويقينًا قويًا فأقام في قلوبهم من الإيمان الراسخ وحب الله تعالى وإيثار رضاه على رضا غيره شيئًا عظيمًا، لم يكن في قلب أحد من الأمة مثله من بعدهم أبدًا.
فالصحابة رضي الله عنهم هم بعد الأنبياء في هذا المقام العظيم.
والمؤمن الموحد إذا بلغ هذا المقام إذا كان بهذه المكانة فليحمد الله عز وجل فقد بلغ مقام الحب الإيماني وحينئذ فليرتق في سماوات الإحسان كما يشاء فإنه قد بلغ الدرجة التي يحبه فيها الله، وإذا أحبه الله كان سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها ولئن استعاذه ليعيذنه ولئن سأله ليعطينه، وحينئذ فلتطبق الدنيا ولتجتمع الشياطين ولتفعل المحن ما تفعل لن يضر كل ذلك لن يضر شيئًا ذلك المؤمن الموحد المحب فإنه مشغول بحب الله تعالى لن يلتفت إلى الدنيا ولن يعبأ بما فيها غير ذكر الله تعالى.
والناس كما ذكرنا يتفاوتون في هذا المقام فأعلاهم الأنبياء وأعلى الأنبياء مقامًا إمامهم محمد ثم يأتي من بعد ذلك أصحاب رسول الله هذه هي المحبة الصادقة التي تنتج الإيثار والموافقة التامة ومن أعظم الأمثلة لذلك عبد الله الصالح ونبيه الكريم أيوب عليه السلام.
فقد كان أيوب أكمل أهل الأرض إيمانًا في زمنه وأفضلهم وأحسنهم أنعم الله عز وجل عليه فآتاه من الأموال والأولاد والأهل الشيء العظيم وأغدق عليه من جوده وكرمه سبحانه وتعالى، ومع ذلك كان أيوب عليه السلام شاكرًا لربه قائمًا بواجبات العبودية لله تعالى، لم تفتنه نعمة المال عن عبادة ربه ولم تشغل قلبه عن حب ربه ولم يفتر لسانه عن ذكر ربه سبحانه وتعالى.
ثم امتحنه الله وابتلاه وسلب كل ذلك منه وسلط على جسده الأمراض فانتشرت في جسده القروح حتى أكلته، ومع ذلك ظل عليه السلام صابرًا محتسبًا، لم يفتر حبه لله ولم يضعف إيمانه بالله، ولم يفتر لسانه عن ذكر الله وشكره.
بل شغله ذلك كله حتى من الطلب والسؤال والدعاء إلى الله أن يكشف عما به من ضُر شغله شكر الله وذكره عن ذلك. كان لسان حاله عليه السلام ولسان مقاله: إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بمقدار.
وكما صح في بعض الروايات [6] بلغ به الحال عليه السلام بعد ما أكلت القروح جسده أن تفرق عنه الناس وعافوه وكرهوه إلا رجلين من إخوانه.
فتغمده الله سبحانه وتعالى برحمته وكشف ما به من ضر وبلاء بعد ما استمر فيه ثلاث عشرة سنة صابرًا محتسبًا ما اشتكى أبدًا إلا الأنين. فكان عدو الله إبليس يقول:ما أشد ما غاظني أيوب عليه السلام، أصابه كل هذا البلاء ومع ذلك شاكر صابر وإني لأفرح حتى لأنينه لما أسمعه أعلم أنه يعاني من البلاء.
جاءت في الروايات الصحيحة أنه لما كشف الله ما به من ضر خرج يومًا لحاجته تقوده امرأته ممسكة إياه من يده، فلما فرغ أبطأت امرأته في العودة إليه فأوحى الله تعالى إليه أن اركض برجلك فضرب عليه السلام الأرض فنبعت عين فاغتسل منها فرجع صحيحًا معافى. ثم كساه الله حلة من حلل الجنة وكان له أندران أحدهما للقمح والآخر للشعير فملأهما الله تعالى له ذهبًا وفضة وعادت امرأته فلم تعرفه، فقالت: يا صاحب الحلة أما رأيت الرجل المبتلى فإني أخاف أن يكون قد ضاع أو أكلته الذئاب، قال:عمن تسألين؛عن أيوب؟. قال: أنا هو أيوب.
وفي صحيح البخاري [7] أنه عليه السلام بينما كان يغتسل عريانًا إذ خرّ عليه رجل جراد من ذهب فجعل يحثي في ثوبه يجمع الذهب في ثوبه فناداه ربه عز وجل: يا أيوب ألم أغنك عما ترى قال عليه السلام: بلى أي رب ولكن لا غنى لي عن بركتك.
فهذا أيوب عليه السلام العبد الصالح النبي الكريم كان وهو في أشد حالات محنته قد أكلت القروح جسده وعافه الناس وتفرقوا عنه وأنزل به هذا البلاء الشديد ثلاث عشرة سنة ومع ذلك ما فتر حبه لله تعالى ولا ضعف إيمانه لله تعالى بل ولم ينشغل لسانه عن ذكر الله تعالى وشكره أبدًا.
فهذه هي المحبة الصادقة، هذا من أروع الأمثلة على المحبة الصادقة التي تنتج الإيثار والموافقة التامة للمحبوب سبحانه وتعالى.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حُبًّا لله [البقرة:165] .
فهنا بين الله تعالى أن هؤلاء الذين يشركون في محبة الله تعالى فيتخذون أندادًا يحبونهم محبة عبودية وانقياد وخضوع وتعظيم، المؤمنون الموحدون أشد حبًا لله وعبودية وتعظيمًا وخضوعًا له، من خضوع هؤلاء المشركين لآلهتهم وأندادهم الذين أحبوها من دون الله عز وجل.
هذا الحب الإيماني العظيم هذا اليقين الذي يكون في النفس هو من أعظم الأمور المعتبرة في هذا المقام الإيماني الرفيع، فشتان بين رجلين، رجل امتلأ قلبه بحب الله فلو وُزن إيمانه بالجبال رجح عليها، وبين رجل آتاه الله ماله فهو وإن كان ينفق منه ويتصدق إلا أن قلبه مشغول عن حب الله تعالى.
فالأول وإن كان إنفاقه قليلًا وأعماله قليلة بقلة ذات يده، فإنه لما قام في قلبه أعظم مقامًا من الآخر.
حكى ابن القيم رحمه الله تعالى أن أحد الصالحين مر بمسجد فرأى الشيطان واقفًا على بابه فنظر داخل المسجد، رأى رجلين رجلًا قائم يصلي ورجل نائم.
فقال للشيطان: أمنعك ذلك المصلي من دخول المسجد، قال: كلا، إنما منعني ذلك الأسد الرابض ولولا مكانه لدخلت.
فذلك النائم كان أعظم مقامًا من ذلك القائم، لأن ذلك النائم كان قلبه أعظم حبًا لله تعالى، وكان الإيمان القائم في قلبه أقوى وأرسخ من إيمان ذلك القائم.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه البخاري في صحيحه في الأطعمة باب الحلواء والعسل (5/2071) .
[2] أخرجه الترمذي برقم (1896) وأحمد (1/338) .
[3] أخرجه أحمد (3/128و199و285) والنسائي (7/61) والحاكم (2/160) .
[4] أخرجه البخاري في صحيحه في فضائل الصحابة (3/1339) .
[5] أخرجه البخاري في صحيحه في فضائل الصحابة باب فضل عائشة رضي الله عنها (3/1376) .
[6] أخرجه ابن حبان في صحيحه (7/157-159) والطبري في تفسيره (23/167) وابو نعيم في الحلية (3/374-375) وغيرهم.
[7] أخرجه البخاري في صحيحه في الغسل (1/107-108) (279) .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ولا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئًا.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [آل عمران:102]
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا [الأحزاب:70-71] .
وصلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب:56] .
وقال: (( من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًاْ ) ) [1] .
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
[1] أخرجه مسلم في صحيحه في الصلاة باب الصلاة على النبي في التشهد (1/306) (408) .