فهرس الكتاب

الصفحة 5237 من 5777

قيمة الشباب

الأسرة والمجتمع, سيرة وتاريخ

الأبناء, القصص

حمزة بن فايع الفتحي

محايل

جامع الملك فهد

1-الشباب عماد الأمة. 2- قصة مصعب بن عمير رضي الله عنه وما فيها من عبرة وتذكير.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر: 18] .

ليسمح لي الشيوخ الفضلاء أن أقف مع شباب الإسلام وقفة، وأهديهم هذه العظة، وأخصهم بمزيد الخطاب هذا الأسبوع.

لم يكن شباب الإسلام العقلاء في يوم من الأيام ذاك المتواجد في الملاعب، ولا في الملاهي بصنوف المتع واللذائذ، ولم يكن شباب الإسلام شباب المنام والطعام وإضاعة الوقت والغرام، ليس شبابنا حاوي الأغاني والمخازي وجامع التوافه، ليس شبابنا من تخطفه الأغنية الماجنة وتلعب به المجلة الخليعة وتستهويه الكراتين الفارغة.

إنك لتبكي على عقل حازم رزين تستعمره مستنقعات اللهو والتيه والرذيلة، وتلهو به أعلام السفه والتلف والغواية. سافر الأباة المتقدمون للطلب والجد والشهادة، وسافر المتأخرون للسكر والجنس والبلادة.

أيها المسلمون، الشباب هم عماد الأمة وعزها وحضارتها، وهم بناتها ومشاعلها وذخائرها، بهم تتسامى أمجاد الأمم وتعلو راياتها وتتواجد مفاخرها.

إن مرحلة الشباب أخصب مراحل العمر وأجدرها بحسن الإفادة وعظم الإجادة؛ لذا كان له محاسبة وتحقيق مخصوص من الله جل وعلا، روى الترمذي وغيره بسند حسن عن ابن مسعود أن النبي قال: (( لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين أكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وماذا عَمِل فيما علِم؟ ) ). وقالت حفصة بنت سيرين رحمها الله تعالى:"يا معشر الشباب، اعملوا فإني رأيت العمل في الشباب".

أيها الإخوة الكرام، من الأخطاء تصوّر الشباب فترة جسد وفناء غريزة، إن الشباب توثّب روح واستنارة فكر وطفرة أمل وصلابة عزيمة، ونجاح الأمم يرجع إلى مقدار علو همم شبابها وإلى مقدار آمالهم وأعمالهم.

ولله در فتيه من شباب الإسلام في ميادين البطولة، صلوا حرها، وحملوا عبأها، واندفعوا بحماستهم الملتهبة وإقدامهم الرائع، يخطون مصارع الأعداء، ويرسمون لأمتهم صور التضحية والفداء.

بنينا حقبة فِي الأرض ملكا يدعمه شباب طامِحونا

شباب ذللوا سبل الْمعالي وما عرفوا سوى الإسلام دينا

تعهدهم فأنبتهم نباتا كريمًا طاب في الدنيا غصونا

إذا شَهِدوا الوغى كانوا كماةً يدكون المعاقل والْحصونا

شباب لم تحطمه الليالِي ولم يسلم إلَى الخصم العرينا

وإن جنَّ الْمساء فلا تراهم من الإشفاق إلا ساجدينا

إخوتي الشباب، اغتنموا شبابكم، واعرفوا طاعة ربكم، واحفظوا مجدَ أمتكم، كيف تسير عقولكم وراء سفاسف الأمور؟! وكيف يُهدى النبوغ لبراثن الخنا والفجور؟! وكيف تغدو الطموحات ذيول الشهوات الرخيصات؟! إنكم المجد لو حركتم عزائمه، وأنتم البذل لو سرحتم قواه، وأنتم التضحيات لو رشدت الطاقات، أنتم الظفر والقمم لو حيَت الهمم.

هذا مصعب بن عمير ، نبراس الدعوة وإمام الفاتحين، الشابّ المدلّل والفتى المنعم، الذي صاغه الإسلام على يديه، تقدّم حين نادت المغارم، وذهب على لقاء ربه قبل مجيء الغنائم، اختاره الله شهيدًا بين يدي رسول الله ، بعد أن أسلم على يديه أسيد بن حضير الذي نزلت الملائكة لتلاوته القرآن، وسعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن. إنه مصعب غرة فتيان قريش وأوفاهم بهاء وجمالا وشبابا، أعطر أهل مكة، حديث حِسان مكّة ولؤلؤة ندواتها ومجالسها، وبعد الإسلام صار أعجوبة من أعاجيب الإيمان والفداء.

قصة حياته شرف لبني الإنسان جميعا، لاقى من أمة وقد كان فتاها المدلّل، هاجر إلى الحبشة، مصعب الذي كانت ثيابه كزهور الحديقة نضرةً وأبهاها عطرا، يرتدى بعد ذلك المرقع البالي، خرج من النعمة الوافرة إلى شظف العيش والفاقة، وأصبح الفتى المتأنّق المعطر لا يُرَى إلا مرتديا أخشن الثياب، يأكل يومًا ويجوع أياما، ولكن روحه المتأنقة بسموّ العقيدة والمتألقة بنور الله جعلت منه إنسانا يملأ العين إجلالا والأنفس روعة.

هل تدرون ـ يا شباب ـ أن مصعب هذا كان سفير الدولة إلى المدينة؛ فتحها بالقرآن وهيأها ليوم الهجرة العظيم؟! إنها مسؤولية خطيرة، حملها مصعب فأداها خير أداء، ونجح فيها أتم نجاح. فأين شبابنا الخريجون الذين ضعفوا واستكانوا عن إبلاغ الدعوة ونشرها؟! فرار دائم عن إمامة المساجد، وتخلّفٌ شهير عن الخطب والمواعظ، والله المستعان.

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها...

الحمد لله حمدًا كثيرا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة الكرام، في مثل هدوء البحر وقوته وتهلل ضوء الفجر ووداعته انساب نور الإيمان على يد مصعب إلى سادات الأنصار. لله دره من شاب يقود ويسير جبال الإيمان، ويكون في ميزان حسناته الأنصار من الأوس والخزرج.

ويشهد مصعب غزوة بدر لينال شرف البدرية، وفي يوم أحد كان حامل اللواء، قال ابن سعد:"حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد، فلما جال به المسلمون ثبت به مصعب، فأقبل ابن قمئة وهو فارس، فضربه على يده اليمنى فقطعها، ومصعب يقول: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: 144] ، وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنى عليه، فضرب يده اليسرى فقطعها، فحنى على اللواء وضمّه بعضديه إلى صدره وهو يقول: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ، ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه واندقّ الرمح ووقع مصعب وسقط اللّواء، ووقع مصعب قتيلًا شهيدًا".

قال أبو وائل: عدنا خبابا فقال: هاجرنا مع النبي نريد وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد، ترك بردة فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه شيئا من إذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يَهدبُها، أي: يجتنيها.

وفي صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن عوف أنه أتِيَ بطعام وكان صائما، فقال: قُتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كُفّن في بردة إن غُطّي رأسه بدت رجلاه، وإن غطّي رجلاه بدا رأسه. وأُراه قال: وقتل حمزة وهو خير مني، ثم بُسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عُجِّلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.

معشر الشباب، اعملوا وجدوا، فإن الجد والعمل والنجاح في الشباب...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت