العلم والدعوة والجهاد
المسلمون في العالم
سعود بن إبراهيم الشريم
مكة المكرمة
المسجد الحرام
1-البون الشائع بين حال المسلمين اليوم وبين حالهم في الصدر الأول. 2- أسباب هذا الهوان. 3- سبيل النصر والتمكين. 4- خطورة الأوضاع الراهنة. 5- الواجب على أمة الإسلام تجاه قوى الكفر الطاغية. 6- وجوب الحذر من الحملات العدائية المحمومة. 7- وجوب الحذر من الطابور الخامس. 8- حاجة الأمة إلى الاجتماع والائتلاف والتآزر. 9- ضرورة تصفية التراث وردّ شبهات أعداء الإسلام.
أما بعد: فيا أيّها الناس، أوصيكم ونفسي بتقوى الله سبحانه والاعتصام به واللجوء إليه، فلا يجيب دعوةَ المضطرّ إذا دعاه ويكشف السّوء ويجعلكم خلفاءَ الأرض إلا هو سبحانه، وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ?للَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ?لضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ [النحل:53] .
أيّها المسلمون، إنَّ مقارنةً سريعةً يقوم بها أيّ امرئ عاقلٍ بين واقع الفرد المسلم اليوم وبين واقع مثيله في صدرِ الإسلام الأوّل لتوضح لنا بونًا شاسعًا بين الواقعين دون بذل حدْس أو كبير تأمّل.
نعم أيّها المسلمون، قد نرى المسلمَ اليومَ أفخَر ملبسًا وأدسَم مطعمًا أو أرفَه مركبًا، ولكنّه من حيث الخصائصُ الروحية أقلُّ فؤادًا وأضعف وازعًا.
وقولوا مثل ذلك ـ عباد الله ـ في مقارنةٍ مثيلة بين المجتمعات المسلمة في القديم والحديث؛ إذ أمّتنا في الصدر الأول كانت قائدةً لا منقادة، متبوعَة لا تَابعة، دافعةً لا مدفوعة، يدُها هي اليد العليا وليست السفلى، بل كانت أمةَ العدلِ والقسط والخيار، لها ألقابُ مملكةٍ ودولة قد وُضعت موضعَها، ولم تكن يومًا ما كمثلِ سنّورٍ يحكي انتفاخًا صولةَ أسدٍ هصور، أو كمثلِ جمل قد استنوَق، أو صُرَد قد استنسَر، كلا فلَم يصلْ بها الحدّ إلى ضربٍ من ضروب قلبِ المعايير أو الخلط واللَّبس وعدم وضوح الهدَف وإنزال الأمور منازلها كما هو مُصاب أمّة الإسلام في هذا الزمن الذي تحكي بعضُ مآسيه بأنَّ الرويبضةَ يجب أن يُلقَّب بالعالم، وسائق السيّارة بالمهندس، والحلاق بالطبيب، والذي من أجله كثُرت آلام أمتنا المعاصِرة، ونُكِئت جراحُها، حتى استُبيحت حرماتُها، فتجرّعت مجتمعاتها جراحَها في صياصِيها، وقُذف في قلوب بنيها الرعب، وهي لا تكاد تسيغ ذلك، ويأتيها الموتُ من كلّ مكان، بل إنها تُدَعَّى إلى الاستكانة والاستجداء دعًّا، وتُؤَزّ من قِبَل أعداء الإسلام أزًّا، إلى أن تعترِفَ مكرهةً حينًا ومستسلمةً حينًا آخر بأنَّ حقَّها باطل وأنَّ باطلَ غيرها حقّ على تخوّف ومضَض.
والحقيقة أنَّ هذا كلَّه لم يكن بدْعًا من الأمر، ولا كان طفرةً بلا مقدّمات، وإنما هو ثمرة خللٍ وفتوق، وضرامُ وميضٍ قد كان باديًا خِلَل الرماد وسطَ ميدانِ الأمة الإسلامية بعد أن بُحَّت فيهم أصواتُ الناصحين والمنذرين العُريانيِّين، غيرَ أن أمّة الإسلام لم تستبِن النصحَ إلا في ضحَى الغد، وهذا كلّه ـ عباد الله ـ ليس غريبًا، وإنّما الغريبُ كلَّ الغرابة أن تضعَ الأمة كلَّ أنواعِ الاستفهامِ في مسامعها حينًا بعدَ آخر، ثمّ هي لا تهتَدي إلى السبب الرئيس لكلّ هذه البلايا، فصارت كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماءُ محمولٌ خلفَ ظهورها، وهذا السبب الرئيسُ هو الذي ذكرَه الله جل وعلا في خمسِ كلماتٍ لا سادسة لهنّ، لم ينسِب الباري ولا في كلمةٍ واحدة سببَ الهوان إلى جيشٍ أو معسكر، ولا إلى تحرّفٍ في قتال، وإنّما قال سبحانه: قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] .
ألا وإنَّ من المعلوم يقينًا أنَّ الله كتبَ على نفسه النصرَ لرسله وأوليائه، فقال سبحانه: كَتَبَ ?للَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى إِنَّ ?للَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:21] ، وقال جل وعلا: وَلَن يَجْعَلَ ?للَّهُ لِلْكَـ?فِرِينَ عَلَى ?لْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141] ، غيرَ أنَّ هذا الوعدَ والعهد لا يمكن أن يأتي هكذا جُزافًا دونما قيدٍ أو شرط، بل قد علّق الله هذا النصرَ بالإيمان واستيفاء مقتضياتِه في كلّ مناحي الحياة، تشريعًا وسياسة واقتصادًا وإعلامًا وتعليمًا دون فصلِ بعضِها عن بعض، وهذه هي سنَّة الله في النصرِ، وسنتُه سبحانه لا تحابي أحدًا ولا تصانعُه، وحين تقصّر الأمة وتفرّط وتتخاذَل أو تأخُذ من الإسلام ما تشاء وتهمِّش ما تشاء كيفَما اتَّفق فإنما هي تدقّ نواميسَ الخطر على أعتابها، وتكشِف أسقيَتَها لكلّ ناهبٍ والغ، ثمّ هي الهزيمةُ ما منها بدّ، ومن ثمَّ فإنَّ على الأمّة أن تتجرّع النتيجة المرّة على شرق، وهي وإن كانت أمةً مسلمة في الأصل إلا أنَّ ذلك لا يقتضي خرقَ السُّنَن وإبطالَ النواميس الإلهية، وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ?للَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر:43] .
أيّها المسلمون، إنَّنا في هذه الأيام العصيبة نعيش وسط زوابعَ يموج بعضُها في بعض، وفي ثنايا نوازِل تتلاطمُ آحادها كموج بحرٍ لُجِّيٍّ يغشاه موجٌ من فوقه موجٌ من فوقه سحاب، نعم أيّها المسلمون، فإنَّ النسيمَ قد لا يهبّ عليلا داخلَ المجتمعات المسلمَة على الدّوام، فقد يعلو القتَر، ويطغى الكدَر، أو تُرمَق سماء المجتمعاتِ المسلمة غياياتُ فوّهاتِ البراكين المضطرمة، غيرَ أنَّ من العقل والحكمة توطينَ النّفس على مواجهة بعضِ النوازل على أمّة الإسلام، والتي تمثَّلت في تضييقِ الخناق على الإسلام والمسلمين من قبَل أعدائهم، بل والاستعداد النفسي والحسّيّ لمجابهة أصابعِ الاتهام وعبارات اللّوم لديار المسلمين بعدَ كلّ حدثٍ سانح.
إنَّ علينا جميعًا أن نقفَ أمَامها بشجاعةٍ وإقدام وقناعةٍ واعتزاز بهذا الدين القويم، كما أنَّ علينا أيضًا تركَ إضاعة الأوقات في مجرّد التعليق المريرِ عليها دونَ عمل جادٍّ في رفعِها أو دفعها بحزمٍ وعزم؛ لأنَّ مجردَ التعليق لا يفقأ عينًا ولا يقتل صيدًا، فلا يصحّ أن تكونَ أمّة الإسلام أمام الغارة الكاسحة من اتّهامات أهلِ الكفر كالريشةِ في مهبِّ الريح، تتهادَى بها في كلّ اتّجاه، حتى تكون لقمةً سائغة لتمرير قناعاتِ التنازل عن بعض أمور الدين، أو التّخلي عن بعضِ ثوابتِه، أو التشكيك فيها، أو الاقتناع بإعادة النظر في هيكلة التربية والتنشئة والتعليم التي أثمَرَت صحوةً مرْضيَّة ومعرفةً سويّة لدى الجمهور من الناس.
إنّه لا ينبغي أن يكونَ ذلك لمجرّدِ تهويشٍ وتشويش يذكيهما الخوفُ والقلق من المصير، فيصدق فينا حينئذ قولُ ربّنا: وَمِنَ ?لنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ?للَّهَ عَلَى? حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ?طْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ?نْقَلَبَ عَلَى? وَجْهِهِ خَسِرَ ?لدُّنْيَا وَ?لآخِرَةَ ذ?لِكَ هُوَ ?لْخُسْر?نُ ?لْمُبِينُ [الحج:11] ، وقوله سبحانه: وَمِنَ ?لنَّاسِ مَن يِقُولُ ءامَنَّا بِ?للَّهِ فَإِذَا أُوذِىَ فِى ?للَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ?لنَّاسِ كَعَذَابِ ?للَّهِ [العنكبوت:10] ، ولأجل هذا ـ عبادَ الله ـ كان لِزامًا علينا أن نحذَر أمريْن مهمَّين خطيرين:
أوَّلهما: الحذر من الحملة المسعورَة الشَّعواء على أمَّتنا وحياضِها من خلال تشكيك الأعداء بسموّ رسالتنا الإسلامية، أو الاستجابة لشيءٍ من المساوَمَة مع غير المسلمين في عقيدتنا ومناهجنا؛ لأنَّ ذلك خيانةٌ عظمى، وجنون لا عقل معه، وجُرم ما بعده جرم، فضلًا عن كونِه نقضًا بعدَ غزل وحَورًا بعد كَور، يستحقّ صاحبُه وصفَ الباري جلَّ شأنه لمثل هذا بقوله: إِنَّ ?لَّذِينَ ?رْتَدُّواْ عَلَى? أَدْبَـ?رِهِمْ مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ?لْهُدَى ?لشَّيْطَـ?نُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى? لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ?للَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ ?لأَمْرِ وَ?للَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ?لْمَلَـ?ئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـ?رَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ ?تَّبَعُواْ مَا أَسْخَطَ ?للَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَـ?لَهُمْ [محمد:25-28] ، جاء عند أحمدَ وابنِ أبي شيبة من حديث جابر رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى النبيَّ بكتاب أصابَه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه فغضِب وقال: (( لقد جئتُكم بها بيضاءَ نقيّة ) )الحديث، إلى أن قال: (( والذي نفسي بيده، لو أنَّ موسى كان حيًّا ما وسِعه إلا أن يتَّبعني ) ) [1] .
فحِذار حِذار ـ عبادَ الله ـ من خطورة الرّكون إلى غير الإسلام، أو ميل العاطفة والقلب مع غير دينِ الله، أو التسلّل لواذا عن شعارِ الإسلام ولُبّه مهما كانت الظروف التي تحيط بالواقع، ومهما كانت زوابعُ الرغبة أو الرهبة مائلةً إلى مثل هذا، فإنَّ ذلك لا يُعدّ مسوِّغًا للميل عن دين الله أو التنازل عن بعض ثوابتِه وعمادِه، فقد صحَّ عن النبيّ أنَّ من كان قبلَنا يُؤتى له بالمناشير، ويُقطع نصفين، ما يصدّه ذلك عن دينه [2] ، وفي حادث أصحابِ الأخدود قال كبيرُهم: من رجع عن دينه فدَعوه، وإلا فأقحِموه في النّار، فجاءت امرأةٌ بابن لها تُرضعه، فكأنها تقاعَست أن تقعَ في النار، فقال الصبي: اصبري يا أمَّاه؛ فإنّك على الحق [3] .
أمَّا الأمر الثاني عباد الله: فهو أن نحذرَ اختراقَ صفوفِ المسلمين أو هزّ كيانِهم من قبَل جبهاتٍ داخليّة ممَّن هم من بني الجلدَة ويتكلَّمون بذاتِ اللغة، والذين يعرفُهم أولو الألباب في لحنِ القول: وَ?للَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ [محمد:26] ، ترونَهم كالقطعان يهرِفون بما لا يعرِفون، وَ?للَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ [الانشقاق:24] ، هم في الحقيقةِ لصوصُ حروبٍ ونشّالون وسطَ الأزماتِ، يجعلون من النوازل والتداعيات فرَصًا سانحَة لفتِّ العضُد من داخل المجتمع، وقلبِ الحقائق، وإشعال فتيل تغيير الواقعِ المسلمِ ليخرج عن إطاره المشروع، يُعدّ أمثالُهم في دولٍ كبرَى طابورًا خامِسًا حسَب قواميسِهم، فهم يتَّقونهم في مجتمعاتِهم بكلّ ما يملكون من سبُل، وهؤلاء هُم أشدّ خطرًا من العدو الخارجي، بل إنَّهم يقومون بما يُسمَّى الحربَ بالوكالة، فهم أعرفُ بلغتنا وعلمِنا وواقعِنا من الأجنبيّ عنّا، فبالتالي يكون أثرُهم أشدَّ بلاءً وأوقع فتكًا.
وإن تعجَبوا ـ عبادَ الله ـ فعجبٌ أفهام مثل هؤلاء، كيفَ يحمِلون اسمَ الإسلام وما تخطّه أيديهم وتلوكه ألسنتُهم غريبٌ كلَّ الغرابة عنه، فهم يشكِّكون في بعض ثوابتِ الدين تشكيكًا مزوَّقًا، يلمِزون مناهجَه التعليميّة الشرعيّة، ويهمِزون صحوَتَنا المعتدلة المبارَكة، ويمشُون على أهلِ الإصلاح بنمِيم، عقولُهم في أقلامِهم وألسنتِهم، لا في أفهامِهم وحجاهُم، فهم في الواقعِ كمثَل السوسِ أو كطبْع السّوس، يأكل منسأةَ المجتمَع حتى يخرَّ صريعًا على وجهه، ?لَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ ?للَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَـ?فِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ ?لْمُؤْمِنِينَ [النساء:141] . وقد حذَّر الله نبيَّه ٌ من أمثال هؤلاء بقوله: لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ?لْمُنَـ?فِقُونَ وَ?لَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَ?لْمُرْجِفُونَ فِى ?لْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلًا مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلًا سُنَّةَ ?للَّهِ فِى ?لَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ?للَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب:60-62] ، يقول ابن كثير رحمه الله:"أي: هذه سنّة الله في المنافقين، إذا تمرّدوا على نفاقهم وكفرِهم، ولم يرجِعوا عمَّا هم فيه، أنَّ أهلَ الإيمان يسّّلَطون عليهم ويقهرونهم" [4] .
ولأمثال هؤلاء نقول: إنَّ الشرعة شرعةُ الله والمنهاج منهاجه، فهي شريعةٌ خالدة لا نرى فيها عوَجًا ولا أمتًا، ولكنَّ الذين في قلوبهم زيغٌ يتَّبعون ما تشابَه منه ابتغاءَ الفتنة وابتغاءَ تأويلِه، ونحن نقول: آمنَّا به كلٌّ من عند ربّنا.
وَلَمَّا رَأَى ?لْمُؤْمِنُونَ ?لأحْزَابَ قَالُواْ هَـ?ذَا مَا وَعَدَنَا ?للَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ?للَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا مّنَ ?لْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـ?هَدُواْ ?للَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى? نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا لّيَجْزِىَ ?للَّهُ ?لصَّـ?دِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذّبَ ?لْمُنَـ?فِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ?للَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب:22-24] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صوابًا فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله، إنه كان غفارًا.
[1] هو عند أحمد في مسنده (3/387) ، وابن أبي شيبة في مصنفه (5/312) ، وأخرجه أيضًا ابن أبي عاصم في السنة (50) ، والبزار في مسنده (124- الكشف) ، والدارمي في السنن (435) من طريق مجالد بن سعيد عن الشعبي عن جابر، قال الهيثمي في المجمع (1/174) :"فيه مجالد بن سعيد ، ضعفه أحمد ويحيى بن سعيد وغيرهما"، وقال الحافظ في الفتح (13/334) :"رجاله موثقون إلا أن في مجالد ضعفا"، لكن للحديث شواهد يتقوى بها، ولذا حسنه الألباني في الإرواء (1789) .
[2] أخرج ذلك البخاري في المناقب (3612) من حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه.
[3] أخرج قصة أصحاب الأخدود بكاملها مسلم في الزهد (3005) من حديث صهيب رضي الله عنه.
[4] تفسير القرآن العظيم (3/520) .
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد محمدًا عبد الله ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه.
أما بعد: فيا أيها الناس، ما أحوجَنا وسطَ هذه المستجدّات والمتغيّرَات الملتهِبة إلى كلمةٍ سواء بيننا، تجمَع قلوبَنا، وتشدّ من أزرِنا، وتلمّ شعثَنا، ولا يمكِن أن تكون هذه الكلمة إلا في كلمةِ التوحيد الجامعة:"لا إله إلا الله، محمّد رسول الله"، بكلّ ما تحمِله من مدلولاتٍ ولوازم ومطابقات، والتي من لوازمِها الإلفةُ والتآخي والتضامن والتآزر بين المسلمين أفرادًا وجماعات، إذ كيف نجتَمع وبعضنا يبغض بعضًا؟! وكيف نأتلف وبعضنا ينكِر بعضًا؟! بل كيف نتمازَج في مقترحاتٍ ومصالحَ أو في وسائلَ وغاياتٍ على دعاوَى وهميّة، ومتعلّقات عِبِّيّة ليسَت من الإسلامِ ولا هي من بابته؟!
ثمَّ إنّ تراجعَ المسلمين وتخاذلَهم إنّما يجيء بالدرجة الأولى من داخلِ أنفسِهم قبلَ أن يجيء من ضغوط من سواهم، ولسنا في الحقيقةِ أوَّلَ أمّة تعالج الرزايا والبلايا ثمّ تؤمَر بأن تثبتَ على دينها وتكافحَ من أجل إعلاء كلمة الله عزيزةً شمّاء، كما أنَّ علينا جميعًا أن ننخلَ مصادرَ ثقافتِنا ووعيِنا المشبوهَة؛ لنستبعدَ الغثّ والسّمّ وكلّ ذي ورم، ونستبقيَ النافع الرافِع الذي يكون مبنيًا على التقريب لا التغريب، والتصحيح لا الإفساد، والرتق لا الفتق، وعلى دعمِ القيمِ الدينيَة والمثُل الاجتماعية والقضايا التربويّة السويّة، وردّ الشّبهات التي تُثار حول الإسلام ومناهجِه الحقَّة، وعلى أن تكونَ دعوتُنا لإحياءِ وحدةِ المسلمين مرهونةً بإماتة صيحاتِ الجاهليّة والأطروحات اللامِِلِّيَّة، وأن نُبرِز العنوانَ الإسلاميّ الصحيح كمصدرٍ وحيد لا مجرّدَ مصدرٍ رئيس من عدّة مصادر كما هو الحال في كثيرٍ من ديار الإسلام.
إنّه بمثل هذا تكون النّصرة، وتحصل الرّفعة، ويسمو الفكر السّويّ.
هذه هي شرعةُ ربّنا الحقّ، وماذا بعد الحقّ إلا الضلال؟! أَمْ نَجْعَلُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ كَ?لْمُفْسِدِينَ فِى ?لأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ?لْمُتَّقِينَ كَ?لْفُجَّارِ كِتَـ?بٌ أَنزَلْنَـ?هُ إِلَيْكَ مُبَـ?رَكٌ لّيَدَّبَّرُواْ ءايَـ?تِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو ?لألْبَـ?بِ [ص:28، 29] .
اللهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد...