التوحيد
أهمية التوحيد, شروط التوحيد
حسين بن عبد العزيز آل الشيخ
المدينة المنورة
المسجد النبوي
1-الغاية العظمى. 2- فضائل كلمة التوحيد. 3- كلمة التوحيد لا ينفع مجرد النطق بها. 4- حقيقة"لا إله إلا الله"ومدلولها. 5- صفات الموحد لله تعالى. 6- لا نجاة ولا عز إلا بالتطبيق الصحيح لكلمة التوحيد. 7- ضرورة تصحيح العقائد. 8- ثبات أهل التوحيد عند الشبهات والشهوات. 9- لا جامع إلا رابطة التوحيد. 10- مسؤولية أمة التوحيد.
معاشر المسلمين، لأجل تحقيق العبودية لله وحده خُلقت الخليقة وأُرسلت الرسل وأنزلت الكتب وشرعت الشرائع، وفيها افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء وأشقياء. فتحقيق العبودية لله وحده هو أصل الدين وأساسه ورأس أمره.
"لا إله إلا الله"موقعُها من الدين فوق ما يصفه الواصفون ويعرفه العارفون، كلمةٌ جليلة، ذات فضائل عظيمة وفواضل كريمة ومزايا جمّة، لا يمكن لمخلوق استقصاؤها ولا حصرها، لها من المكانة ما لا يخطر ببال، ولها من المزايا ما لا يدور في خيال.
هي زبدة دعوة الرسل وخلاصة رسالتهم، وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَـ?هَ إِلاَّ أَنَاْ فَ?عْبُدُونِ [الأنبياء:25] ، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ?عْبُدُواْ ?للَّهَ وَ?جْتَنِبُواْ ?لْطَّـ?غُوتَ [النحل:36] .
"لا إله إلا الله"هي العروة الوثقى التي من تمسَّك بها نجا وربح، ومن أخلّ بها هلك وخسر، فَمَنْ يَكْفُرْ بِ?لطَّـ?غُوتِ وَيُؤْمِن بِ?للَّهِ فَقَدِ ?سْتَمْسَكَ بِ?لْعُرْوَةِ ?لْوُثْقَى? [البقرة:256] .
كلمة التوحيد هي منتهى الصواب وغايتُه، وأفضل الكلم وأجلُّه، قال جل وعلا: يَوْمَ يَقُومُ ?لرُّوحُ وَ?لْمَلَـ?ئِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ?لرَّحْمَـ?نُ وَقَالَ صَوَابًا [النبأ:38] . قال ابن عباس رضي الله عنه: (الصواب: لا إله إلا الله) [1] .
"لا إله إلا الله"هي أفضل الحسنات وأجلُّ القربات، قال جل وعلا: مَن جَاء بِ?لْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا [النمل:89] ، ثبت في المسند أن أبا ذر رضي الله عنه قال للنبي: أفمنَ الحسنات"لا إله إلا الله"؟! قال: (( نعم، هي أحسن الحسنات ) ) [2] .
"لا إله إلا الله"أفضلُ الأعمال وأكثرها تضعيفًا، في الصحيحين عن النبي أنه قال: (( من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومُحي عنه مائة سيئة، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك ) ) [3] .
هذه الكلمة لو وُزنت بالسماوات والأرض لرجحت بهن عند الله جل وعلا، في المسند بسند حسن عن النبي أنه قال: (( إن نوحًا قال لابنه: آمرُك بـ"لا إله إلا الله"فإن السماوات السبع والأرضين لو وضعت في كفة ووضعت"لا إله إلا الله"في كفة لرجحت بهن"لا إله إلا الله"، ولو أن السماوات السبع [كنَّ] حلقة مبهمة لقصمتهنَّ"لا إله إلا الله") ) [4] .
من فضائلها أنها ليس لها دون الله حجاب، بل تخرق الحجبَ حتى تصل إلى الله جل وعلا، ففي الترمذي بإسناد حسن عن النبي أنه قال: (( ما قال عبد: لا إله إلا الله مخلصًا إلا فتحت له أبواب السماء، حتى تفضيَ إلى العرش ما اجتُنبت الكبائر ) ) [5] .
"لا إله إلا الله"نجاة لقائلها من النار، ففي صحيح مسلم أن النبي سمع مؤذنًا يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول: (( على الفطرة ) )، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله: (( خرج من النار ) ) [6] .
وفي الصحيحين من حديث عتبان أن النبي قال: (( إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) ) [7] .
"لا إله إلا الله"هي أفضل الذكر وأعظمه، جاء في الترمذي بسند حسن أن رسول الله قال: (( أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله ) ) [8] .
من قالها خالصًا من قلبه كان من أسعد الناس بشفاعة رسولنا ، في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله: (( لقد ظننتُ ـ يا أبا هريرة ـ أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أوَّل منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعدُ الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه ) ) [9] .
إخوة الإسلام، ومع هذه الأجور الكريمة والفضائل العظيمة والثمار النافعة في الدنيا والآخرة فلا بدّ أن يعلم المسلم أن"لا إله إلا الله"لا تُقبل من قائلها بمجرّد نطقه لها باللسان فقط، بل لا بد من أداء حقها وفرضها، واستيفاء شروطها الواردة في الكتاب والسنة، جاء عن الحسن البصري رحمه الله أنه قيل له: إن ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة!! قال:"من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة" [10] ، وقال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته:"ما أعددت لهذا اليوم؟"قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة، فقال الحسن: "نِعم العدّة، لكن لـ"لا إله إلا الله"شروط، فإياك وقذف المحصنات" [11] ، وقال وهب بن منبِّه لمن سأله: أليس مفتاح الجنة"لا إله إلا الله"؟! قال:"بلى، لكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن أتيتَ بمفتاح له أسنان فُتح لك، وإلا لم يفتح" [12] .
معاشر المؤمنين، إن كلمة التوحيد"لا إله إلا الله"لا تكون مقبولة دون قيام من العبد بحقيقة مدلولها، وتطبيقٍ لأساس مقصودها، من نفي الشرك ومن إثبات الوحدانية لله، مع الاعتقاد الجازم بما تضمنته من ذلك والعمل به، فبذلك يكون العبد مسلمًا حقًا، وبذلك يكون من أهل هذه الكلمة.
إن هذه الكلمة العظيمة تضمَّنت أن ما سوى الله ليس بإله، وإن إلهية ما سواه أبطل الباطل، وإثباتها أظلم الظلم ومنتهى الضلال، ذ?لِكَ بِأَنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ ?لْبَـ?طِلُ وَأَنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لْعَلِىُّ ?لْكَبِيرُ [الحج:62] .
إن لـ"لا إله إلا الله"مدلولًا لا بد من فهمه، ومعنىً لا بد من ضبطه، إذ غير نافعٍ بإجماع أهل العلم النطقُ بهذه الكلمة من غير فهم لمعناها ولا عمل بمقتضاها، كما قال جل وعلا: وَلاَ يَمْلِكُ ?لَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ?لشَّفَـ?عَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِ?لْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، قال أهل التفسير:"أي: إلا من شهد بلا إله إلا الله، وهو يعلم بقلبه ما نطق به لسانه".
"لا إله إلا الله"لا تنفع إلا من عرف مدلولَها نفيًا وإثباتًا، واعتقد ذلك وعمل به، فمن قالها وهو يصرف أنواعًا من العبادة لغير الله كالدعاء والذبح والنذر والاستغاثة والتوكل والإنابة والرجاء والخوف والمحبة ونحو ذلك مما لا يصلح إلا لله من العبادات فهو مشرك بالله العظيم ولو نطق بـ"لا إله إلا الله".
"لا إله إلا الله"معناها الحقّ الذي جاء به محمد: لا معبود بحق إلا إله واحد، وهو الله وحده لا شريك له.
إن كلمة"لا إله إلا الله"ليست اسمًا لا معنى له، أو قولًا لا حقيقة له، أو لفظًا لا مضمون له، كما قد يظنُّه بعض الظانين الذين يعتقدون أن غايةَ التحقيق هو النطق بهذه الكلمة من غير إقامةٍ لشيء من الأصول والمباني، أو أن معناها هو إثبات الربوبية فقط، بل هي اسم لمعنى عظيم، وقولٌ له معنى جليل، هو أجلُّ من جميع المعاني في هذه الدنيا، وحاصله البراءة من عبادة كل ما سوى الله، والإقبال على الله وحده طمعًا ورغبًا، إنابة وتوكلا، هيبة له وإجلالًا، محبة وخوفًا، رجاءً وتوكلا، دعاءً وطلبًا، فصاحب"لا إله إلا الله"عند محمد رسول الله لا يسأل إلا الله، صاحب"لا إله إلا الله"لا يستغيث إلا بالله، لا يتوكَّل إلا على الله، لا يرجو غير الله جل وعلا، لا يذبح إلا لله، لا يصرف شيئًا من العبادة والخضوع والتذلل إلا لله وحده، مع الكفر بجميع ما يُعبد من دون الله، فالله جل وعلا يقول لسيد الموحدين وأفضل العالمين نبينا محمد: قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ?للَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ?لدّينَ