فهرس الكتاب

الصفحة 2307 من 5777

الثبات حتى الممات

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

الفتن, خصال الإيمان

أسامة بن عبد الله خياط

مكة المكرمة

المسجد الحرام

1-الثبات على الصراط المستقيم دليل رشد العبد. 2- دعاء النبي ربه بتثبيت قلبه على دينه. 3- ضرورة أهل هذا العصر إلى سؤال الله الثبات. 4- أسباب الثبات والسلامة من الزيغ.

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله فتقوى الله خير زاد يصحب المرءَ في سيره إلى الله والدار الآخرة.

أيها المسلمون، إن الثبات على الطريق ولزومَ الجادَّة واتباعَ الصراط والحذرَ من اتباع السبل آيةُ رشد المرء، وبرهانُ نضجه، ودليلُ سداد رأيه. وإن أرفعَ مراتب الثبات وأعلى درجاته ثباتُ القلب على الحق، واستقامته على الدين، وسلامته من التقلب. ولذا كانت الخشية من الزيغ، شأنَ أولي الألباب ونهجَ أولي النهى وسبيل الراسخين في العلم، الذين يبتغون إلى ربهم الوسيلة، ويزدلفون إليه، يرجون رحمته ويخافون عذابه. وقد ذكر سبحانه تضرّعَهم وسؤالهم إياه التثبيتَ على الحق والسلامةَ من الزيغ في قوله عز اسمه: هُوَ ?لَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ?لْكِتَـ?بَ مِنْهُ آيَـ?تٌ مُّحْكَمَـ?تٌ هُنَّ أُمُّ ?لْكِتَـ?بِ وَأُخَرُ مُتَشَـ?بِهَـ?تٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـ?بَهَ مِنْهُ ?بْتِغَاء ?لْفِتْنَةِ وَ?بْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ?للَّهُ وَ?لراسِخُونَ فِي ?لْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ?لأَلْبَـ?بِ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ?لْوَهَّابُ [آل عمران:7، 8] .

وإنه ـ يا عباد الله ـ لحسٌّ مرهَف وضراعة مخبتة، ألفت في هدي خير الورى ما يبعث على كمال العبرة، وتمام القدوة، وحسن التأسي، وصدق الاتباع. فهذه أمُّ سلمة رضي الله عنها تحدِّث أن رسول الله كان يكثر في دعائه أن يقول: (( اللهم مقلبَ القلوب، ثبت قلبي على دينك ) )، قالت: قلت: يا رسول الله، وإنَّ القلوب لتتقلب؟! قال: (( نعم، ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا إن قلبه بين إصبعين من أصابع الله، فإن شاء الله عز وجل أقامه، وإن شاء الله أزاغه ) )أخرجه أحمد في مسنده الترمذي في جامعه بإسناد صحيح [1] . وهذا أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: كان رسول الله يكثر أن يقول: (( يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك ) )، قال: فقلت: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، هل تخاف علينا؟ قال: (( نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله، يقلّبها كيف يشاء ) )أخرجه الترمذي في جامعه وابن ماجه في سننه بإسناد صحيح [2] . وإذا كان صلوات الله وسلامه عليه قد خشي على هذه الثلة المؤمنة والطليعة الراشدة مع ما بلغت من رسوخ الإيمان وقوة اليقين وصدق العبودية، ومع أن قرنها خير القرون، كما جاء في الحديث المتفق على صحته [3] ، فكيف بمن جاء بعدهم من أهل العصور؟! لا سيما من أهل هذا العصر، الذي أطلت فيه الفتن، وتتابعت على المسلمين، فأقبلت رايات الباطل، وخفقت ألوية الضلال مبهرَجة لامعة، وعصفت بالقلوب ريح الشبهات والشهوات، وفُتح على الناس من أبوابهما ما لا منتهى له، وانبعث سيل من المغريات المغوية فيما يُقرأ ويسمع ويُرى، وتوطَّدت سبلُ الغواية واستحكمت، واتخذت من فتنة الكاسيات العاريات المائلات المميلات وسائرِ الشهوات المحرمات عمادًا ومحورًا، ودأب فريق من الناس على الاستهانة بالثوابت، والاستخفاف بالمحكمات، وكان من أقبح ذلك وأشده نكرًا الطعن في القرآن وكماله، أو في بعض أحكامه، أو في الرسالة وختمها وعمومها وصلاحها للعالمين في كل حين، أو في الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وفي نجاح دعوته، أو في سنته وسيرته، إلى غير ذلك من اجْتراء يعزُّ نظيره ويندر مثيله، وراجت بين كثير من المسلمين بدع محدثة أُدخلت على الدين وليست منه، وأضحت في أعرافهم دينًا يُتعبَّد الله به، وقربى يزدلفون بها إليه، وجامعًا يجتمعون عليه، وذكت نار الفرقة والاختلاف واستعرت، حتى أوشك أن يذهب ضحيتَها الإخاء الإسلامي، وبلغ السيل الزبى باستباحة الدماء المحرمة، وقتل الأنفس المعصومة، اتباعا للظن والهوى، وإعراضًا عن وصية نبي الرحمة والهدى لأمته في حجة الوداع بقوله: (( فإن دماءَكم وأموالكم ـ وفي رواية: وأعراضكم ـ عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ ) )قالوا: نعم، قال: (( اللهم، اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فربَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ) )، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فوالذي نفسي بيده، إنها لوصيته إلى أمته (( لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ) )أخرجه البخاري في صحيحه [4] .

فقرت بهذا الحال البئيس أعينُ أعداء الأمة، وطابت به نفوسهم, وبسطوا بالسوء ألسنتَهم.

وكل أولئك ـ يا عباد الله ـ مما تعظم به الخشية من الزيغ، وتتأكد معه الحاجة إلى تثبيت القلوب، ويستبين به عظم مقام هذا الدعاء النبوي الكريم، وشرفُ موضعه، وشدة الافتقار إلى اللهج به في كل حين.

ألا وإن للسلامة من الزيغ أسبابًا تُرجى بفضل الله وبرحمته، منها صدق الإيمان وقوة اليقين، وإخلاص التوحيد لله، إذ لا سعادة ولا فوز ولا نجاة إلا بتحقيق التوحيد، والحذر من كل ما يضادّه ويناقضه.

ومن ذلك الاعتصام بالسنة، والحذر من البدعة، فإن كل بدعة ضلالة، كما بيَّن ذلك رسول الله في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه بقوله فيه: (( وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ) )أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي وابن ماجه في سننهم بإسناد صحيح [5] .

ومنها مبادرة الفتن بالأعمال، والإخلاصُ لله فيها، والاستدامة عليها، عملًا بالتوجيه النبوي الكريم بقوله: (( بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا ) )أخرجه مسلم في الصحيح [6] .

فاتقوا الله عباد الله، وخذوا من هذا النهج القويم خير العدة وأفضل الزاد، وسلوا الله أن يثبت القلوب على الدين وأن يجنبها الزيغ، فاللهم مقلبَ القلوب ثبت قلوبنا على دينك.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ?لَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـ?كَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لأَذَقْنَـ?كَ ضِعْفَ ?لْحَيَو?ةِ وَضِعْفَ ?لْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا [الإسراء:73-75] .

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه أحمد (26036) ، والترمذي في (3522) وقال:"هذا حديث حسن"، وصححه الألباني في صحيح السنن (2792) .

[2] أخرجه الترمذي في القدر (2140) ، وابن ماجه في الدعاء (3834) ، وحسنه الترمذي، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (3092) .

[3] حديث: (( خير الناس قرني... ) )أخرجه البخاري في الشهادات (2652) ، ومسلم في الفضائل (2533) من حديث ابن مسعودرضي الله عنه.

[4] أخرجه البخاري في الحج (1739) .

[5] أخرجه أحمد (4/126-127) ، وأبو داود في السنة (4607) ، والترمذي في العلم (2676) ، وابن ماجه في المقدمة (46) ، والدارمي في مقدمة سننه (95) وغيرهم من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان (1/179) ، والحاكم (1/95-96) ، ووافقه الذهبي، ونقل ابن رجب في جامع العلوم والحكم (2/109) عن أبي نعيم أنه قال:"هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (37) .

[6] أخرجه مسلم في الإيمان (118) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

الحمد لله ولي الصالحين، أحمده سبحانه يقلِّب قلوب الخلق أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين، وخاتم النبيين، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله، إن حفظَ العبد ربَّه بالعمل بما يرضيه هو من أظهر أسباب الثبات، ومن أقوى عوامل السلامة من الزيغ، كما جاء في وصية النبي لابن عمه عبد الله بن العباس رضي الله عنهما بقوله: (( يا غلام، إني أعلمك كلمة: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام ورُفعت الصحف ) )أخرجه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه بإسناد صحيح [1] .

فعاقبه حفظ العبد ربَّه أن يحفظه الله من المضلات والشبهات، حتى يتوفاه على الإيمان، وحتى يدخله الجنة دار السلام.

ألا فاتقوا الله عباد الله، واحرصوا على كل أسباب الثبات، وحذار من كل أسباب الزيغ، تكونوا من المفلحين.

وصلوا وسلموا على خير الورى، فقد أمركم بذلك المولى جل وعلا، فقال سبحانه: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة...

[1] أخرجه أحمد (4/409-410) [2669] ، والترمذي في صفة القيامة (2516) ، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/460-461) :"روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة.. وأصح الطرق الطريق التي خرجها الترمذي"، وصححه الألباني في صحيح السنن (2043) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت