فهرس الكتاب

الصفحة 1545 من 5777

أنواع من الشرك

التوحيد, الرقاق والأخلاق والآداب

أعمال القلوب, الشرك ووسائله

مرزوق بن سالم الغامدي

مكة المكرمة

الرحمة

1-توحيد الله حقه على العبيد. 2- أعمال القلوب ودخولها في مسمى العبودية. 3- بيان ذلك

بالشرح والتمثيل. 4- تحليل الحرام وتحريم الحلال من الشرك بالله. 5- طاعة النبي صلى الله

عليه وسلم مقدمة على طاعة من سواه.

أيها الإخوة: لقد أنزل الله القرآن وبعث نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن العبودية لغير الله إلى عبادة الله وحده، فالله خلق الخلق ليعبدوه وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين فحق الله على العبيد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا. كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وتحقيق العبودية لله تكون بتوحيده وبطاعته سبحانه وتعالى في كل ما أمر، واجتناب ما نهى عته وزجر وأن لا يعبد إلا بما شرع في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وطاعة النبي واتباعه هي من طاعة الله وتحقيق عبوديته من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظًا. وقال تعالى: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين.

والعبادة ليست فقط في الركوع والسجود وغيرها من الأعمال الظاهرة بل هناك من الأمور القلبية التي لو أخطأ العبد فيها وصرف شيئًا منها لغير الله لوقع في الشرك، منها الخوف والرجاء والتوكل والاستعانة والاستغاثة والطاعة والمحبة والرغبة والرهبة وغيرها من العبادات القلبية.

فالمحبة التي فيها تعظيم للمحبوب لا تكون إلا لله، وهي التي تستلزم الخضوع وكمال الطاعة فتخرج المحبة الطبيعية بين الناس كحب الأولاد أو الزوجة أو الوالدين وغير ذلك من أنواع المحبة التي لا يؤاخذ الناس عليها.

قال تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب.

وقال تعالى: قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين.

وكذلك التوكل على الله عبادة قلبية، قال تعالى: ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرًا.

وقال تعالى: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل.

فالتوكل على الله هو اعتماد القلب عليه سبحانه وتعالى بكفايته لعبده، فمن توكل على مخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله فهذا شرك أكبر، ومن توكل على مخلوق في أمر يقدر عليه مع تعلق القلب به في جلب المنفعة ودفع المضرّة فهذا شرك أصغر، أما من توكل على مخلوق في عمل يقدر عليه دون تعلق القلب به في جلب منفعة أو دفع مضرة فهذا جائز مثل الاعتماد على شخص في البيع والشراء ونحو ذلك.

أيها الإخوة: وإن من الشرك أن يستغيث المرء بغير الله أو يدعو غيره سبحانه وتعالى قال تعالى: ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذًا من الظالمين وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم.

وقال سبحانه: ومن أضل عمن يدعو ممن دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين. وقال تعالى: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير.

فهذه الآيات وغيرها كثير تبين أن دعاء غير الله والاستغاثة بغير الله شرك أكبر فلا يجوز الاستغاثة بنبي ولا بملك ولا بالصالحين ولا بغيرهم، فالاستغاثة هي من الدعاء، والدعاء هو العبادة. فالاستغاثة لا تكون إلا بالله، فمن صرف شيئًا منها لغير الله فقد أشرك.

وقد يثير أهل البدع شبهًا حول مسألة الاستغاثة كقولهم: إذا ما أصيب أحد الناس بمرض أو حريق فإنه ينادي الطبيب أو رجل المطافي أو شخصًا مارًا أو جارًا أو صديقًا ليسعفه فهل هذا شرك؟ وبالطبع هناك فرق بين هذه المسألة ومسألة دعاء الأموات، أو الاستغاثة بمخلوق أو بالنبي صلى الله عليه وسلم في أمر لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، أما الاستعانة بشخص في أمر يقدر عليه كإطفاء حريق أو إعطاء علاج لمريض يختلف اختلافًا شاسعًا وكبيرًا عمن يطلب من ميت أو من أي مخلوق الولد أو الرزق أو النجاح أو الشفاعة أو غير ذلك، فتلك طلب المساعدة في أمر من شخص يقدر على فعلها، وأما الثانية فهي عبادة لا تطلب إلا من الخالق سبحانه وتعالى، فمن طلبها من غيره فقد أشرك.

وقد ذكر أهل العلم شروطًا لطلب الاستعانة من أحد من المخلوقين:

1-أن يكون المستعان أو المستغاث به حاضرًا.

2-وأن يكون حيًا.

3-وأن يكون قادرًا.

إنما تعبدون من دون الله أوثانًا وتخلقون إفكًا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقًا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون [العنكبوت:30] .

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

فإن من الشرك طاعة الحكام، أو طاعة العلماء، في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يؤقنون.

وهذا أيها الإخوة: من الإفساد في الأرض.قال تعالى: ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفًا وطمعًا إن رحمة الله قريب من المحسنين.

لقد جاء عدي بن حاتم رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم وكان نصرانيًا، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله. فقال عدي للنبي صلى الله عليه وسلم إنا لسنا نعبدهم، قال: (( أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ ) )قال عدي: بلى، قال: (( فتلك عبادتهم ) ).

لقد ظن عدي أن العبادة هي ركوع وسجود، لذلك حينما سمع الآية قال: (إنا لسنا نعبدهم) ، أي لا نركع لهم ولا نسجد، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن المسألة غير ذلك وهي طاعتهم فيما أحلوا مما حرم الله، أو حرموا مما أحله الله، فجعلوا أنفسهم مشرعين مع الله، فمن أطاعهم فقد جعل هؤلاء أندادًا لله وشركاء واتخذهم أربابًا، والعياذ بالله.وهذا هو الطاغوت الذي أمرنا بالكفر به بعد الإيمان بالله. قال تعالى: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدا.

أيها الإخوة: إن الطاعة نوع من العبادة لا تصح لأحد من الخلق استقلالًا إلا إذا كانت متمشية مع طاعة الله ورسوله، فالحكم لله وحده والتشريع له وحده سبحانه وتعالى، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم من طاعة الله: (( ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ).

وقال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا. وقال تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ، قال الإمام أحمد رحمه الله: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قول النبي صلى الله عليه وسلم أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.

أيها الإخوة: قال ابن عباس رضي الله عنهما: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر) . هذا القول قاله ابن عباس رضي الله عنهما حينما جاء أناس يستفتون في مسألة التمتع في الحج لأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما أمرا الناس بالإفراد اجتهادًا منهما لأنهما تأولا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: (( لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة وما سقت الهدي ) )وأمر الصحابة الذين لم يسوقوا الهدي أن يجعلوها عمرة متمتعين بها للحج... فظنا أن ذلك خاص بتلك السنة فقط، وكانا يأمران الناس بالإفراد بالحج وعلى من يريد العمرة أن ينشئ لها سفرًا جديدًا إذا عاد لأهله.

ولاحظوا أيها الإخوة: أن هناك أمر باتباع أبى بكر وعمر، فهما من الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمرنا بالاقتداء بهم. وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (( اقتدوا بالذين من بعدي: أبي بكر وعمر ) ).ولكن لأن النص ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بلغ ابن عباس، وقد حج مع النبي صلى الله عليه وسلم وفهم مقصوده رأى أن من أخذ برأي شخص آخر مخالف للنص أنه ذنب عظيم قد يستحق صاحبه العقاب في الدنيا قبل الآخرة بأن ينزل الله عليه حجارة من السماء، حتى ولو كان القائل هو أبو بكر وعمر، وهما من هما رضي الله عنهما، وقد أعلن ابن عباس رضي الله عنهما التمتع بالعمرة إلى الحج مخالفًا بذلك رأي الشيخين رضي الله عنهما.

من هذا الموقف العظيم للصحابة رضي الله عنهم يتضح أن العالم إذا أفتى بفتوى بعد اجتهاد وأخطأ فلا يلزم أن يلتزم بها غيره، وخاصة من ظهر له دليل من آية أو حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيجب عليه العمل بالدليل وترك قول العالم.

كذلك إن العالم إذا اجتهد وأخطأ فله أجر، وإذا أصاب فله أجران وأما المقلد فإن قلد دون علم ودون أن يطلع على سنة ودليل تخالف اجتهاد العالم فلا بأس به، أما من قلد العالم وقد اطلع على سنة نبوية مخالفة للفتوى فهو على خطر عظيم قال الإمام أحمد رحمه الله: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان. أي كيف من عرف الحديث الصحيح ويتركه لفتوى أو اجتهاد أحد العلماء ؟!أي مخالفة الفتوى إذا كانت مخالفة لسنة نبوية أو مخالفة للدليل الشرعي أمر يجب على من علمه أن يظهره للناس ويبين الحق دون محاباة ولا مجاملة، ولا يعتبر إظهار الحق من الأمور التي ينزعج منها أصحاب النفوذ والسلطان من العلماء، فهذا ابن عباس رضي الله عنهما أعلن عن تمسكه بقول النبي صلى الله عليه وسلم وترك قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهم بالرغم من أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان هو الخليفة فلا عمر أسكت ابن عباس ومنعه من الفتوى ولا ابن عباس جامل الخليفة وسكت عن أمر يرى الصواب في غيره، وهو عنده من الله فيه برهان ودليل من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

أيها الإخوة: احذروا من الوقوع في الشرك، واحذروا من مخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته حتى تفوزوا في الدارين، والله الهادي إلى سواء السبيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت