فهرس الكتاب

الصفحة 5643 من 5777

الغلو في الدين والتطرف

أديان وفرق ومذاهب, الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة

الكبائر والمعاصي, جرائم وحوادث, فرق منتسبة, محاسن الشريعة

سعد بن عبد الله العجمة الغامدي

الطائف

سعيد الجندول

1-الإسلام دين الوسطية والاعتدال. 2- النهي عن الغلو في الدين. 3- تاريخ الغلاة في الإسلام. 4- مفاسد الغلو. 5- تعظيم قتل الأنفس المعصومة. 6- استغلال العلمانيين والمنافقين للأحداث في الإفساد.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

إنَّ الْغُلُوَّ والتَّطَرُّفَ والشُّذُوذَ موجود في المنتسبين لجميع الأديان، وليس ذلك منحصرًا ولا محصورًا في أهل الإسلام والمنتسبين له، ولا غرابةَ أن يُوجَدَ هذا الغلوُّ فيمن يتمسك بالإسلام على مَرِّ العصور إلى أنْ يَرِثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها، ولكن هل هذا من منهج الإسلام وتعاليمه في شيء؟!

لقد جاء الأمر بالتزام الوسطية والاعتدال في الأمور كلها في الدين الإسلامي الحنيف، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: 143] ، وجاء في آخر آيتين من سورة الحج معظم تعاليم الإسلام في صيغة الأمر للمسلمين في قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الحج: 77، 78] . روى الإمام البخاري رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال: (( إنَّ هذا الدينَ يُسْرٌ، ولنْ يُشَادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه ـ وفي رواية: إلا هَزَمَهُ ـ، فَسَدِّدُوا، وقَارِبُوا، وأبشروا، واستعينوا بالْغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ وشيءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ ) )رواه البخاري رحمه الله في كتاب الإيمان.

ومعلوم حديث النفر الثلاثة الذين سألوا عن عبادة رسول الله وكَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فقال أحدهم بأنه سوف يصوم الدهر ولا يفطر أبدًا، وقال الآخر: سوف يقوم كل ليلة ولا ينام أبدًا، وقال الثالث بأنه لن يتزوج أبدًا، فأرشدهم رسول الله إلى المسلك القويم والمنهج الرشيد والذي هو من سنته وهديه السديد، ومن رغب عن ذلك فليس منه ، فقال عليه الصلاة والسلام: (( إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ).

ولذلك نهانا الله جل جلاله ورسوله محمد عن الغلو في الدين؛ لئلا نهلك كما هلك أهل الغلوّ ممن كان قبلنا، قال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة: 77] .

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (( إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوُّ ) )رواه الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي رحمهم الله، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( هلك المتنطعون، هلك المتنطعون ) )رواه الإمام مسلم رحمه الله. قال الإمام النووي رحمه الله في بيان معنى الحديث:"أي: الْمُتَعَمِّقُونَ الْمُغَالُونَ الْمُتَجَاوِزُونَ الحدودَ في أقوالهم وأفعالهم".

لذلك يجب أن يتنبه من هو واقع في ذم المتمسكين بتعاليم الإسلام قولًا وعملًا واعتقادًا ويفرِّقوا بين هذه الفئة المتمسكة بالكتاب والسنة وبين المغالين المتعدين الحدود، فالفرق شاسع، ولستُ هنا بصدد التوسُّعِ في هذا الجانب ولكنه التنبيه لبني جلدتنا وخاصة أولئك الذين وجدوا في هذه الأحداث وفي غيرها على مَرِّ السنين مَرْتَعًا خصْبًا للطعن في المتمسكين بالكتاب والسنة.

أعود للقول بأن الخارجين عن منهج الإسلام موجودون من عهد رسول الله إلى قيام الساعة، فأشكالهم وأشباههم وأمثالهم موجودون عبر العصور، فأوَّلُهم ذو الْخُوَيْصِرَةِ الذي قال لرسول الله عند قَسْمِ غنائم حُنَيْن: اعْدِلْ يا محمد، فقال رسول الله: (( وَيْحَكَ! مَنْ يَعْدِل إذا لم يعدل رسولُ اللهِ؟! ) )ثم قال قولته الشهيرة التي تصف تلك الطائفة التي يتكرر خروجُها في كل عَصْرٍ ومِصْرٍ، قال: (( يخرجُ مِنْ ضِئْضِئِ هذا أقوامٌ يَحْقِرُ أحدُكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ من الإسلام كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أَجْرًا لمن قتلهم يوم القيامة ) )رواه البخاري، وورد في وصفهم أيضًا: (( يقتلون أهل الإسلام، ويَدَعُونَ أهلَ الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميّة ) ).

لذلك فإن الغلوَّ والتنطعَ والتشدّدَ في الدين الذي يورد المهالك ويوقع في الرَّدَى ويُلْحِقُ بالمسلمين أضرارًا عظيمة ومفاسد كبيرة ناتجٌ عن قلة العلم واتباع الهوى وعدم التلقي للعلم الشرعي من أهله العلماء الربانيين الذين يستنبطون ما أشكل على أولئك الجهال ومن لم يعلم ابتداءً كما قال تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا [النساء: 83] ، وقال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء: 7] .

فعندما رَكِبَ أولئك رُؤُوسَهُمْ واتبعوا أهواءَهم واتخذوا رؤوسًا جهالًا واقتنعوا بما يقولون وبما يفتونهم به ضلَّ السائلُ والمسؤولُ؛ لأنهم اتخذوا ظلامَ الليل وغفلةَ الناس ونَوْمَ الأعين وسيلةً لهم مع البعد عن العلماء والطعن فيهم وفي قيادات الأمة وطلبة العلم والقضاة وغيرهم، بل وصل الأمر إلى التكفير لمن ذُكر ولغيرهم من أهل القبلة، وعندها حملوا السلاح على المسلمين والكفار سواء المحاربين أو المسالمين أو المعاهدين وأهل الذمة لا يفرقون بين أحد، بل أَرْدَوْا أنفسَهم وأهلكوها وأَوْبَقُوها، ولم يعلموا لماذا ضَحِكَ عليهم المجرمون الآثِمُون الذين أوقعوهم في هذه المآزق التي أَلْبَسَتِ الإسلامَ وأهلَه لباسًا لا يليق به وطعنوا أهله طعنة لن يفيقوا منها ومن آثارها إلا بعد حين، لقد أساؤوا من حيث أرادوا الإحسان على حسب تأويلات شياطين الإنس والجن لهم، فلو أن لأحد المفجّرين لأنفسهم أدنى علم وعقل وبصيرة لمصيره وشناعة جريمته في الدنيا والآخرة لما أقدم على ذلك، ولكنَّ الْمُنَظِّرِينَ لهم وَعَدُوهُمْ بالجنة وسَاقُوا لهم الأحاديث في باب الجهاد في سبيل الله ولم يخبروهم عن الآيات والأحاديث في قتل الأنفسِ الْمُحَرَّمِ قَتْلُهَا وحتى حُرْمة قتل الإنسان لنفسه، وغَرَّرُوا بهم من أجل التخلص منهم بالموت لئلا تُمْسِكَ بأحدهم السلطاتُ الأمنيةُ فيدلُّوا على أولئك المجرمين المنحرفين عن تعاليم الإسلام وسماحته، وهذه نقطة مهمة يجب أن يعرفها الشباب المتهورون الذين يريدون الزَّجَّ بأنفسهم في مثل هذه العمليات الانتحارية الجهنّمية التي توردهم نار جهنم.

وإليهم وإلى المتعاطفين مع كل فكر منحرف، وإلى الذين يوردون الأمة المهالك، إليهم وإلى جميع المسلمين أسوق هذه الآيات والأحاديث؛ لعلها تجد آذانًا صاغية وقلوبًا واعيةً سليمةً مُتَحَرِّرَةً مُتَخَلِّصَةً من أسباب الدَّخَنِ والفساد أيًا كان في هذا الأمر والفعل الشنيع لأنفسهم أولًا قبل غيرهم، علمًا بأنني سوف أتعرض لها إن شاء الله بمزيد إيضاح وبيان عند ذكر الأسباب والدوافع والعلاج لظاهرة هذا الفكر التكفيري الذي أساء للإسلام والمسلمين في كل مكان:

قال الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء: 29-31] ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يَجَأُ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بسمّ فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه فهو متردٍّ في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ) )رواه البخاري ومسلم وغيرهما بألفاظ متقاربة، وقال رسول الله: (( من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة ) )رواه الجماعة.

ولنتأمل هذا الحديث لمن كان مع الرسول ومع المجاهدين في سبيل الله وبه يتّضحُ ويزولُ الرَّانُ والشكوكُ التي تساور بعض النفوس:

عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رجلًا من أعظم المسلمين غَنَاءً عن المسلمين في غزوة غزاها مع النبي ، فَنَظَرَ رسولُ الله فقال: (( من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا ) )، فاتّبعه رجل من القوم وهو على تلك الحال من أشدّ الناس على المشركين حتى جُرح فاستعجل الموت فجعل ذبابة ـ ذؤابة ـ سيفه بين ثدييه حتى خرج من بين كتفيه... وذكر الحديث إلى أن قال: قال رسول الله: (( إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنما الأعمال بالخواتيم ) )، وورد بعدة روايات، وفي آخر رواية أبي هريرة: (( إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله ليؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر ) )هذا اللفظ للبخاري، وروى الحديثين البخاريُّ ومسلمٌ رحمهما الله تعالى.

هذا لمن قتلوا أنفسَهم وفَجَّرُوها، أما عن قتلهم لأي شخص من المسلمين أو المعاهدين فقد قال الله عز شأنه: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: 93] ، وقال تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام: 151] ، وفي سورة الإسراء آية 33 قال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا ، وفي صفات عباد الرحمن التي وردت في سورة الفرقان قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان: 68، 69] ، وقال عن قتل المعاهد: (( من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا ) )رواه البخاري واللفظ له والنسائي إلا أنه قال: (( من قتل قتيلًا من أهل الذمة ) )، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: (( ألا من قتل نفسًا مُعَاهَدَةً له ذِمَّةُ الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفًا ) )رواه ابن ماجة والترمذي واللفظ له وقال:"حديث حسن صحيح"، وقال رسول الله: (( لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا ) )رواه البخاري والحاكم رحمهما الله تعالى.

وإن كان للمنحرفين في أفعالهم وعقائدهم كلامٌ باطلٌ حولَ الدمِ الحرامِ والقتل بحقّ وبغير حق وهو الذي أوردهم المهالكَ والرَّدَى، ذلك جزاءٌ عامٌّ لِمَنْ فَجَّرَ نفسَه وانْتَحَرَ في هذه العمليات وأمثالها وقد قَدَّمَ نفسَه إلى ما أقدمها عليه، أما مَنْ عُثِرَ عليه حَيًّا وأَمْكَنَ الْقَبْضُ عليه فَجَزَاؤُهُ قولُ الله عز وجل: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: 33، 34] .

وليتنبه المسلمون عمومًا والمنحرفون والمجرمون خصوصًا إلى عظيمِ عَفْوِ اللهِ وقَبُولِهِ توبةَ التائب مهما كان الذنب في التعقيب الإلهي بقبول التوبة بشروطها بعد هذه الآية والآيات السابق ذكرها لأي جريمة كانت، فليغتنمِ التوبةَ مَنْ تُسَوِّلُ له نفسُه أَيَّ جريمةٍ كهذه، والتوبة واجبة على عموم المسلمين من كل الذنوب، وباب التوبة مفتوح، ويتوب الله على من تاب، قال تعالى: إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: 70] .

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: ففي إحدى الليالي التي كان فيها رسول الله معتكفًا في مسجده في رمضان جاءته زوجته أم المؤمنين صفية رضي الله عنها لتجلس معه وتؤانسه وتحدثه ساعة في ليلتها، ثم خرج معها رسول الله ليعيدها إلى بيتها، فرآه رجلان من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين فأسرعا في المشي، فقال رسول الله: (( على رِسْلكما؛ إنها صَفِيَّةُ بنتُ حُيَيٍّ ) )، قالا: سبحان الله يا رسول الله! قال رسول الله: (( إني خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكما شيئًا ) )أو قال: (( شَرًّا ) ).

فيُستفاد من هذا التوجيه والتشريع النبوي أنه ينبغي للمسلم إذا كان في موضع تُهْمَةٍ أو شك أو مكان مرِيبٍ أن يدفع عن نفسه ذلك الظن الخاطئ إن كان صحيحًا ما يقوله أو موقفه الذي يسير فيه؛ لئلا تُثار حوله الشكوك ويُظن به الظنون، علمًا بأنه يجب على الطرف الآخر وجوبًا لا استحبابًا أن يجتنب كثيرًا من الظنون والأوهام، كما يجب عليه التَّبَيُّنُ والتَّثبُّتُ في جميع الأمور، خاصة إذا نُقلت عن طريق الفاسقين.

هذا في حال الظن الآثم بالفرد، فما بالنا بالجماعة أو بالأمة المسلمة عمومًا؟! فلا شَكَّ أَنَّ الأمْرَ أَهَمُّ وأعظمُ، خاصة إذا تَمَّ التعرضُ لما يمسُّ الإسلامَ وثوابتَه وقواعدَه من قريب أو بعيد، وهذا الهجومُ الشَّرِسُ موجودٌ عبر العصور على الإسلام وأهله، ويجب التَّصَدِّي له خاصة إذا تكالب عليهم الأعداء من الداخل والخارج، ولا غرابة في شَنِّ الحرب على الإسلام وأهله من قِبَلِ الكفار وخاصة اليهود والنصارى، فلن يهدأ لهم بال ولن يَقرَّ لهم قرار إلا بسعيهم لإبعاد المسلمين عن دينهم وتعاليمه السمحة إذا لم يستطيعوا إدخالهم في اليهودية والنصرانية كما قال تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة: 120] .

لذلك فَغَيْرُ مُسْتَغْرَبٍ من الكفار الحرب التي لا هَوَادَةَ فيها على الإسلام والمسلمين، ولكن الغريب في الأمر هو العدو الداخلي الذي يَنْخُرُ في جسم الأمة المسلمة طوال القرون عن طريق المنافقين والفاسقين الذين يَتَحَيَّنُونَ الْفُرصَ ويستغلُّون الأزمات لإشعال الفتن وتَأْلِيبِ الناس مؤمنهم وكافرهم على الإسلام وأهله كما هو الحال عند حصول أي حدث وفتنة وكما حصل في التفجيرات المتكررة حيث أظهروا مَكْنُونَ أنفسِهم وقليلًا مما يجول بخواطرهم وصَبُّوا جَامَ غضبِهم عبر الوسائل الإعلامية المختلفة المسموعة والمرئية والمقروءة وفَرَّغُوا بعضَ ما في صدورهم على هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأئمة والخطباء وجماعات تحفيظ القرآن الكريم والهيئات الإغاثية والمناهج والمعلمين والوهابية وعلى الدولة السعودية التي يتفيؤون تحت ظلال الأمن فيها. فوجدت هذه الفئة مرتعًا خصبًا للأحداث الراهنة وفرصة سانحة للوصول إلى أهداف يخططون لها كما تخطط تلك الفئات الآثمة، وأوصافهم كثيرة في القرآن والسنة ويكفي فيهم قول الله عز وجل: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد: 30] .

إن هذه الدولة السعودية قامت على كتاب الله وسنة رسوله محمد ، وستظل بإذن الله عز وجل، وسينصرها الله ما دامت متمسكة ومطبقة لتعاليم الإسلام رغم اتساع رقعتها وترامي أطرافها وتكالب الأمم عليها؛ لأنه لا عزة لها ولا بقاء إلا بتطبيق وتحكيم القرآن الكريم والسنة المطهرة، وحيث قد سبق العهد والاتفاق على هذا بين الإماميْن الجليليْن من آل الشيخ وآل سعود، وقد جاء ذلك عدة مرات على لسان عدد من أصحاب السمو الأمراء، ولقد سمعنا الردَّ الشافيَ الذي كَبَتَ أهل الزيغ والفساد وأثلج صدور المؤمنين، لذلك أقول بأن تلك الشبكة الإرهابية ليست ممن قال فيها الأفَّاكُونَ ما قالوا من أذناب اليهود والنصارى، ليسوا ممن أفرغوا سمومهم فيهم وصبروا على شرورهم سنين طويلة، ليسوا ممن ألصقوا بهم التُّهَمَ وألبسوهم زورًا وبهتانًا لباسًا ليس لهم، لقد تخبطوا خبط عشواء وأصبحوا كحاطب ليل وغمزوا ولمزوا وقالوا ما سوف يحاسبون عليه يوم القيامة، وسوف يندمون عليه في الدنيا قبل الآخرة إن كان لديهم أدنى عقل وبصيرة.

لذلك أقول: أَرْبِعُوا على أنفسكم، فتلك الشبكة التي وصل شَرُّهَا إلى عدد من الدول وليس السعودية فقط هي من جماعة التكفير والهجرة ومن ينسبون أنفسهم للجهاد، وليسوا مِمَّنْ عَنَيْتُمُوهُمْ واتخذتموهم سُلَّمًا للوصول لانحرافكم ومخططاتكم الشريرة.

فكلتا الفئتين غايةٌ في التطرف والانحراف الفكري البعيد عن وسطية الإسلام وتعاليمه السمحة ومنهجه القويم المعتدل، وطريقُ ومسلكُ الفريقين مذمومٌ غيرُ محمودٍ، بل يحمل الشرَّ لهم ولغيرهم وللمجتمع بأكمله وللناس جميعًا.

وفي خطبة أخرى إن شاء الله يكون الكلام حول نشأة تلك الجماعة والأسباب والدوافع والأهداف والعلاج لهذه الأفكار المنحرفة والضالة.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت