الرقاق والأخلاق والآداب
مواعظ عامة
عبد الله بن محمد البصري
القويعية
جامع الرويضة الجنوبي
1-مقصد العبودية لله. 2- تعلق الناس بالدنيا في هذا الزمان. 3- سؤال لا بد منه. 4- الثبات على العبودية والاستقامة على العمل الصالح. 5- التحذير من النكوص والفتور بعد موسم الخيرات. 6- مدار الاستقامة.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم ـ أَيُّها النَّاسُ ـ ونفسي بِتَقوى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ في كُلِّ وَقتٍ وَحِينٍ، فَإِنها وَصِيَّةُ اللهِ لِلأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَبِها تَكُونُ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ يَومَ الدِّينِ، وَلَقَد وَصَّينَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلِكُم وَإِيَّاكُم أَنِ اتَّقُوا اللهَ ، وَإِن مِنكُم إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتمًا مَقضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالمِينَ فِيهَا جِثِيًّا. اتَّقُوا اللهَ وَاستَمِرُّوا على تَقوَاهُ، فَقَد أَمَرَكُم بِذَلِكَ فَقَال جَلَّ في عُلاه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ.
أَيُّها المُسلِمُونَ، إِنَّ اللهَ سُبحانَهُ حِينَ خَلَقَنَا وَأَوجَدَنَا على هَذِهِ الأَرضِ وَاستَخلَفَنَا فِيهَا فَإِنما أَوجَدَنَا لِتَحقِيقِ غَايَةٍ عَظِيمَةٍ وَكَلَّفَنَا بِمُهِمَّةٍ شَرِيفَةٍ، مَن سَعَى إِلَيها وَجَعَلَهَا هَمَّهُ وَغَايَةَ قَصدِهِ أَفلَحَ وَنجَحَ سَعيُهُ وَفَازَ، وَمَن تَشَعَّبَت بِهِ السُّبُلُ وَنَكَصَ عَنهَا وَضَلَّ طَرِيقَهَا لم يُبَالِ اللهُ بِأَيِّ الأَودِيَةِ كَانَ هَلاكُهُ، وَتِلكَ المُهِمَّةُ هِيَ عِبَادَتُهُ سبحانَهُ وَتَوحِيدُهُ وَالعَمَلُ بِطَاعَتِهِ وَالسَّيرُ فِيمَا يُرضِيهِ وَالحَيَاةُ لهُ وَالمَوتُ في سَبِيلِهِ، قال سُبحانَهُ: وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعبُدُونِ.
وَإِنَّ مَا أَصَابَ الأُمَّةَ اليَومَ مِن مُصِيبَاتٍ وَنَكَبَاتٍ وَمَا بُلِيَت بِهِ مِن فَسَادٍ وَقِلَّةِ بَرَكَاتٍ وَمَا انتَشَرَ فِيهَا مِن شُرُورٍ وَنَقصٍ في الأَموَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ لَمَرَدُّ كُلِّ ذَلِكَ إلى أَنَّ النَّاسَ قَصَّرُوا في عِبَادَةِ مَولاهُم، وَتَعَدَّدَت هُمُومُهُم في دُنيَاهُم، وَغَفَلُوا عَن أَمرِ أُخرَاهُم، فَوُكِلُوا إلى أَنفُسِهِم، فَتَجَهَّمَهُمُ العَدُوُّ وَهَانُوا على النَّاسِ، وَلم يَدرُوا مِن أَيِّ السُّبُلِ لَحِقَتهُمُ التَّعَاسَةُ، قال: (( مَن جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللهُ هَمَّ دُنيَاهُ، وَمَن تَشَعَّبَت بِهِ الهُمُومُ في أَحوَالِ الدُّنيَا لم يُبَالِ اللهُ في أَيِّ أَودِيَتِهَا هَلَكَ ) )، وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( تَعِسَ عَبدُ الدِّينَارِ وَعَبدُ الدِّرهَمِ وَعَبدُ الخَمِيصَةِ، إِن أُعطِيَ رَضِيَ، وَإِن لم يُعطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلا انتقشَ ) ).
يُقَالُ هَذَا الكَلامُ ـ أَيُّها المُسلِمُونَ ـ وَنحنُ قَد مَرَرْنَا بِمَوسِمٍ عَظِيمٍ وَشَهرٍ كَرِيمٍ، مَوسِمِ تَعَبُّدٍ وَتَدَرُّبٍ عَلى صَالحِ العَمَلِ، مَوسِمِ تَوبَةٍ وَأَوبَةٍ وَرُجُوعٍ، وَشَهرِ بِرٍّ وَتَقَرُّبٍ وَتَزَوُّدٍ، وَقَد ثَبَتَ لِكَثِيرٍ مِنَّا فِيهِ أَنَّهُ متى مَا أَرَادَ وَعَزَمَ وَأَصَرَّ على نَفسِهِ وَأَخَذَهَا بِالجِدِّ فَإِنُّهُ قَادِرٌ بِإِذنِ اللهِ على أَن يُقَدِّمَ لِنَفسِهِ وَلأُمتِهِ خَيرًا كَثِيرًا وَعَطَاءً وَاسِعًا، لَكِنَّ السُّؤَالَ الذي يَبرُزُ وَقَد خَرَجَ رَمَضَانُ وَوَلَّى: هَل نحنُ رَمَضَانِيُّونَ وَقتِيُّونَ، أَم رَبَّانِيُّونَ مُستَقِيمُونَ؟ لِيَنظُرْ كُلٌّ مِنَّا فِيمَا مَضَى مِن عُمُرِهِ وَأَيَّامِ دَهرِهِ، وَلْيَحكُمْ على نَفسِهِ بِنَفسِهِ، وَإِنَّنَا لَو صَدَقَنَا مَعَ أَنفُسِنَا ـ وَاللهُ المُستَعَانُ ـ لَوَجَدَنَا كَثِيرًا مِنَّا رَمَضَانِيِّينَ وَقتِيِّينَ، ننشَطُ في رَمَضَانَ وَنُنَوِّعُ الطَّاعَاتِ، فَإِذَا خَرَجَ تَكَاسَلنَا وَتَرَاجَعنَا، فَكَأَنَّنا لم نُحِسَّ لِلأَعمَالِ الصَّالحةِ بِلَذَّةٍ فَنُدِيمَهَا، وَكَأَنَّنَا لم نَجدْ لِلطَّاعَاتِ انشِرَاحًا في صُدُورِنا فَنَستَمِرَّ عَلَيهَا، وَذَلِكَ مُنذِرُ خَطَرٍ وَمُؤَشِّرُ عَدَمِ إِتقَانٍ لِلعَمَلِ، وَإِلاَّ فَإِنَّ مَن ذَاقَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ وَخَالَطَت بَشَاشَتُهُ قَلبَهُ لم يَزَلْ في ازدِيَادِ مِنَ الخَيرِ حتى يَلقَى رَبَّهُ، ولم يَزَلْ نَشَاطُهُ في تَوَسُّعٍ حتى يَأتِيَهُ اليَقِينُ، قال ابنُ القَيِّمِ رحمه اللهُ: وَسمِعتُ شَيخَ الإِسلامِ ابنَ تَيمِيَّةَ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ يَقُولُ:"إِذَا لم تَجِدْ لِلعَمَلِ حَلاوَةً في قَلبِكَ وَانشِرَاحًا فَاتَّهِمْهُ؛ فَإِنَّ الرَّبَّ تعالى شَكُورٌ، يَعني أَنَّهُ لا بُدَّ أَن يُثِيبَ العَامِلَ عَلَى عَمَلِهِ في الدُّنيَا مِن حَلاوَةٍ يَجِدُها في قَلبِهِ وَقَوَّةَ انشِرَاحٍ وَقُرَّةَ عَينٍ، فَحَيثُ لم يَجِدْ ذَلِكَ فَعَمَلُهُ مَدخُولٌ، وَالقَصدُ أَنَّ السُّرُورَ بِاللهِ وَقُربِهِ وَقُرَّةَ العَينِ بِهِ تَبعَثُ على الازدِيَادِ مِن طَاعَتِهِ وَتَحُثُّ على الجِدِّ في السَّيرِ إِلَيهِ"انتَهَى كَلامُهُ.
أَيُّها المسلمون، لَقَد أَمَرَ سُبحانَهُ نَبِيَّهُ وَصَفِيَّهُ حِينَ أَمَرَهُ بِعِبَادَتِهِ أَن يَكُونَ ذَلِكَ مِنهُ على سَبِيلِ الدَّوَامِ وَالاستِمرَارِ وَالثَّبَاتِ، قال جل وعلا: وَاعبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأتِيَكَ اليَقِينُ ، وقال سُبحانَهُ: قُلْ إِنَّ صَلاَتي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتي للهِ رَبِّ العَالمِينَ ، فَلَم يَجعَلْ لِعِبَادَتِهِ نهايَةً وَلا حَدًّا دُون المَوتِ، وَلا لِلعَمَلِ لَهُ وَقتًا دُونَ وَقتٍ وَلا طَاعَةً دُونَ أُخرَى، وَلَقَد وَعَى هذا الأَمرَ وَامتَثَلَهُ، فَكَانَت حَيَاتُهُ مِثالًا لِلعُبُودِيَّةِ الكَامِلَةِ في كُلِّ جَوَانِبِها، وَكَانَ مِن شَأنِهِ المُدَاوَمَةُ على العَمَلِ الصَّالحِ وَإِثبَاتُ مَا اعتَادَ عَلَيهِ مِنهُ، وَكَانَ يَقُولُ: (( أَحَبُّ الأَعمَالِ إِلى اللهِ أَدوَمُها وَإِنْ قَلَّ ) )، وَهَكَذَا وَصَفَت زَوجَاتُهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُنَّ عَمَلَهُ، فعن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: كَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَيهِ مَا دَاوَمَ عَلَيهِ صَاحِبُهُ، وَقَالَت رَضِيَ اللهُ عنها: وَكَانَ نبيُّ اللهِ إِذَا صَلَّى صَلاةً أَحَبَّ أَن يُدَاوِمَ عَلَيهَا، وَعَن أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ حتى كان أَكثرُ صَلاتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ، وَكَانَ أَحَبُّ العَمَلِ إِلَيهِ مَا دَاوَمَ عَلَيهِ العَبدُ وَإِن كَانَ شَيئًا يَسِيرًا.
وَلمَّا كُنَّا مُتَعَبَّدِينَ بِطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِهِ وَالتَّأسِي بِهِ وَالسَّيرِ عَلَى طَرِيقَتِهِ وَسُنَّتِهِ فَإِنَّ مِنَ الوَاجِبِ عَلَينَا أَن نَكُونَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيهِ مَا استَطَعنَا، لَقَد كَانَ لَكُم في رَسُولِ اللهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ لمن كَانَ يَرجُو اللهَ وَاليَومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا. وَمِن هُنَا ـ أَيُّها المسلمون ـ فَإِنَّ عَلَى المُسلِمِ الذي يُرِيدُ لِنَفسِهِ الفَوزَ وَالنَّجَاةَ أَن يَسلُكَ الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ وَيَثبُتَ عَلَى الدِّينِ القَيِّمِ مِن غَيرِ مَيلٍ عَنهُ يَمنَةً وَلا يَسرَةً وَلا تَذَبذُبٍ أَو تَمَلمُلٍ، فَيَفعَلَ الطَّاعَاتِ كُلَّهَا ـ ما استطاع ـ ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا، وَيَترُكَ المَنهِيَّاتِ كُلَّهَا صَغِيرَةً وَكَبِيرَةً، وَيَتَّقِيَ اللهَ قَدرَ استِطَاعَتِهِ، فَإِذَا زَلَّت بِهِ قَدَمٌ أَو حَادَ عَن طَرِيقِ الاستِقَامَةِ تَابَ وَرَجَعَ وَأَنَابَ، قال تعالى: فَاستَقِيمُوا إِلَيهِ وَاستَغفِرُوهُ ، وقال: (( اِتَّقِ اللهَ حَيثُمَا كُنتَ، وَأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسنَةَ تَمحُهَا ) ).
إِنَّّ الاستِقَامَةَ هِيَ طَرِيقُ تَحقِيقِ العُبُودِيَّةِ، وَلِهَذَا فَقَد أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ وَمَن مَعَهُ بِتَحقِيقِهَا، وَأَمَرَ بها مَن كَانَ قَبلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، فقال سُبحانَهُ: فَاستَقِمْ كَمَا أُمِرتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ ، وقال جل وعلا: فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاستَقِمْ كَمَا أُمِرتَ ، وَقَالَ في حَقِّ موسى وَأَخِيهِ عليهِمَا السلامُ: قَد أُجِيبَت دَعوَتُكُمَا فَاستَقِيمَا ، وَبِالاستِقَامَةِ أَمَرَ مَن استَوصَاهُ، لمَّا جَاءَهُ سُفيَانُ بنُ عَبدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ رَضِيَ اللهُ عنه وقال له: قُلْ لي في الإِسلامِ قَولًا لا أَسأَلُ عَنهُ أَحَدًا غَيرَكَ، قَالَ لَهُ: (( قُلْ: آمَنتُ بِاللهِ، ثم استَقِمْ ) )، فَلا إِيمَانَ إِلاَّ بِاستِقَامَةٍ وَمُدَاوَمَة على صالحِ الأَعمَالِ.
أَيُّها المسلمون، لَقَد كُنتُم في شَهرٍ كَرِيمٍ، تُبتُم فِيهِ إِلى رَبِّكُم، وَرَجَعتُم فِيهِ إلى مَولاكُم، وَصَلَّيتُم وَقُمتُم وَدَعَوتُم، وَقَدَّمتُم وَبَذَلتُم وَعَمِلتُم، فَاللهَ اللهَ بِسُلُوكِ كُلِّ مَا يُعِينُكُم عَلَى الثَّبَاتِ وَالاستِقَامَةِ، مِن إِخلاصٍ للهِ وَاستِمرَارٍ عَلَى العَهدِ وَصِدقٍ في التَّوبَةِ وَمُحَاسَبَةٍ لِلنَّفسِ صَادِقَةٍ وَمُحَافَظَةٍ عَلَى الصَّلَواتِ الخَمسِ في جماعَةٍ وَاستِكثَارٍ مِنَ النَّوَافِلِ وَتَزَوُّدٍ مِنَ السُّنَنِ وَلُزُومٍ لأَهلِ الخَيرِ وَمُصَاحَبَةٍ لِلصَّالحِينَ وَحَذَرٍ مِن أَهلِ التَّفرِيطِ وَالإِضَاعَةِ وَالبَطَّالِينَ وَمِنِ اتِّبَاعٍ لِخُطُواتِ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، قال تَعَالى: وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعبُدُوا اللهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ، وقال تعالى: وَتُوبُوا إِلى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤمِنُونَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ ، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفسٌ مَا قَدَّمَت لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بمَا تَعمَلُونَ ، وقال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنهَى عَنِ الفَحشَاء وَالمُنكَرِ ، وقال: (( استَقِيمُوا وَلَن تُحصُوا، وَاعلَمُوا أَنَّ خَيرَ أَعمَالِكُمُ الصَّلاةُ، وَلَن يُحَافِظَ عَلَى الوُضُوءِ إِلاَّ مُؤمِنٌ ) )، وقال جل وعلا في الحدِيثِ القُدسِيِّ: (( وَمَا تَقَرَّبَ إِليَّ عَبدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِليَّ ممَّا افتَرَضتُ عَلَيهِ، وَمَا يَزَالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إِليَّ بِالنَّوَافِلِ حتى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحبَبتُهُ كُنتُ سَمعَهُ الذي يَسمَعُ بِهِ، وَبَصرَهُ الذي يُبصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ التي يَبطِشُ بها، وَرِجلَهُ التي يمشِي بها، وَإِن سَأَلني لأُعطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ استَعَاذَني لأُعِيذَنَّهُ ) )، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ فَإِنَّهُ يَأمُرُ بِالفَحشَاء وَالمُنكَرِ وَلَولا فَضلُ اللهِ عَلَيكُم وَرَحمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِن أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، وقال جل وعلا: وَاصبِرْ نَفسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجهَهُ وَلا تَعْدُ عَينَاكَ عَنهُم تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغفَلْنَا قَلبَهُ عَن ذِكرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمرُهُ فُرُطًا.
أَلا مَا أَجمَلَ الاستِقَامَةَ عَلَى العَمَلِ الصَّالِحِ وَالتَّوبَة وَالإِنِابَة وَالازدِيَاد مِنَ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ! وَمَا أَعظَمَهَا حِينَ تَكُونُ بَعدَ الطَّاعَةِ! فَهَذِهِ حَالُ المُؤمِنِ الصَّادِقِ في إِيمَانِهِ، الذِي لاَ يَغتَرُّ بمَا قَدَّمَ مِن عَمَلٍ، وَلاَ يَركَنُ إِلاَّ إِلى رَحمَةِ اللهِ تَعَالى وَفَضلِهِ؛ لأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّ عَمَلَهُ في جَنبِ مَعَاصِيهِ وَغَفلَتِهِ عَنِ اللهِ تَعَالى قَلِيلٌ، وَأَنَّهُ مَهمَا عَمِلَ في جَنبِ نِعَمِ اللهِ عَلَيهِ وَفَضلِهِ وَإِحسَانِهِ وَسِترِهِ فَلَن يُوَفِّيَ ذَلِكَ بَعضَ حَقِّهِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالى إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ مِنَ المُتَّقِينَ الَّذِينَ هُم مِن خَشيَةِ رَبِّهِم مُشفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِم يُؤمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِم لا يُشرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُم وَجِلَةٌ أَنَّهُم إِلى رَبِّهِم رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ في الخَيرَاتِ وَهُم لَهَا سَابِقُونَ. رَوَى عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللهِ خَطًّا ثُمَّ قَالَ: (( هَذَا سَبِيلُ اللهِ ) )، ثمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَن يَمِينِهِ وَعَن شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: (( هَذِهِ سُبُلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنهَا شَيطَانٌ يَدعُو إِلَيهِ ) )، ثُمَّ قَرَأَ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُستَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ.
مَا أَتعَسَ المَرءَ حِينَ يَهدِمَ مَا بَنَى وَيُفسِدَ مَا أَصلَحَ! وَمَا أَقَلَّ حَظَّهُ إذْ يَرتَدَّ إِلى حَمْأَةِ المَعصِيَةِ وَظُلمَةِ الكُفرِ بَعدَ أَنْ ذَاقَ لَذَّةَ الإِيمَانِ وَحَلاَوَةَ الطَّاعَةِ! وَلَقَد كَانَ مِن دُعَاءِ المُصطَفَى في صَلاَتِهِ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ الثَّبَاتَ في الأَمرِ وَالعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشدِ ) )، بل كان أَكثَرَ دُعَائِهِ: (( يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلبِي عَلَى دِينِكَ ) ).
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ، إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ استَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحزَنُوا وَأَبشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ نَحنُ أَولِيَاؤُكُم في الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفي الآخِرَةِ وَلَكُم فِيهَا مَا تَشتَهِي أَنفُسُكُم وَلَكُم فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ وَمَن أَحسَنُ قَولًا مِمَّن دَعَا إِلى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسلِمِينَ وَلا تَستَوِي الحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَليٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزغٌ فَاستَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالى حَقَّ التَّقوَى، وَتمسَّكُوا مِنَ الإِسلامِ بِالعُروَةِ الوُثقى، وَاحذَرُوا أَسبَابَ سَخَطِ رَبِّكُم جل وعلا؛ فَإِنَّ أَجسَامَكُم على النَّارِ لا تَقوَى.
عِبَادَ اللهِ، يَا مَن ذُقتُم حَلاوَةَ الإِيمَانِ وَتَنَعَّمَت به قُلُوبُكُم في شَهرِ رَمَضَانَ، يَا مَن تَلَذَّذتم بِالسَّهَرِ فِيهِ على الصَّلاةِ وَقِرَاءَةِ القُرآنِ، يَا مَن قَهَرتم وَأَرغَمتُم عَدَوَّكُمُ الشَّيطَانُ، اِحذَرُوا الفُتُورَ عَنِ الطَّاعَةِ وَالتَّكَاسُلَ في العِبَادَةِ، حَذَارِ مِنَ الإِعرَاضِ عَنِ اللهِ بَعدَ الإِقبَالِ، وَإِيَّاكُم وَالإِدبَارَ بَعدَ الإِقدَامِ، فَواللهِ لا يَمَلُّ اللهُ حتى تَمَلُّوا. لَقَد كَانَت أَعنَاقُكُم مُشرَئِبَّةً إلى المَعَالي مُرتَفِعَةً عَنِ السَّفَاسِفِ، وَنُفُوسُكُم نَشِيطَةً في الخَيرِ مُعرِضَةً عَنِ الشَّرِّ، فلا تَستَعبِدنَّكُمُ الشَّهَواتُ وَقَد تَحَرَّرتم مِن رِقِّهَا، وَلا تَرجِعُوا إلى النَّزَوَاتِ وَقَد طَلَّقتُمُوهَا، لا تَستَبعِدُوا الغَايَةَ وَلا تَستَبطِئُوا الوُصُولَ، وَلا تَستَطِيلُوا الطَّرِيقَ وَلا تَمَلُّوا مِنَ البَذلِ، وَاستَعِيذُوا بِاللهِ مِنَ الضَّلالَةِ بَعدَ الهُدَى، وَمِنَ الحَورِ بَعدِ الكَورِ، فَإِنما هِيَ أَيَّامٌ مَعدُودَةٌ وَسَنَوَاتٌ مَحدُودَةٌ، ثم تَعُودُونَ إِلى مَولاكُمُ الحَقِّ، فَيُجَازِي كُلاًّ بِمَا عَمِلَ، فَاصبروا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاستَقِيمُوا تَفُوزُوا وَتُفلِحُوا.
واعلَمُوا أَنَّ مَدَارَ الاستِقَامَةِ عَلَى أَمرَينِ عَظِيمَينِ هُمَا: حِفظُ القَلبِ وَاللِّسَانِ، فَمَتَى استَقَامَا استَقَامَت سَائِرُ الأَعضَاءِ، وصَلَحَ السُلُوكُ والحَرَكَاتُ والسَّكَنَاتُ، ومَتَى اعوَجَّا وَفَسَدَا فَسَدَت الأَعضَاءُ كُلُّها، قَالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: (( أَلاَ وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضغَةً، إِذَا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلاَ وَهِيَ القَلبُ ) )، وقَالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: (( لاَ يَستَقِيمُ إِيمَانُ عَبدٍ حَتَّى يَستَقِيمَ قَلبُهُ، وَلاَ يَستَقِيمُ قَلبُهُ حَتَّى يَستَقِيمَ لِسَانُهُ ) )، قَالَ بَعضُ السَّلَفِ: صُمِ الدُّنيَا وَاجعَلْ فِطرَكَ المَوتَ، الدُّنيا كُلُّها شَهرُ صِيَامِ المُتَّقِينَ، يَصُومُونَ فِيهِ عَنِ الشَّهَوَاتِ المُحَرَّمَاتِ، فَإِذَا جَاءَهُمُ المَوتُ فَقَدِ انقَضَى شَهرُ صِيَامِهِم وَاستَهَلُّوا عِيدَ فِطرِهِم. مَن صَامَ اليَومَ عَن شَهَوَاتِهِ أَفطَرَ عَلَيهَا بَعدَ ممَاتِهِ، وَمَن تَعَجَّلَ مَا حُرِّمَ عَلَيهِ قَبلَ وَفَاتِهِ عُوقِبَ بِحِرمَانِهِ في الآخِرَةِ وَفَوَاتِهِ، وَشَاهِدُ ذَلِكَ قَولُهُ تعالى: أَذهَبتُم طَيِّبَاتِكُم في حَيَاتِكُمُ الدُّنيَا وَاستَمتَعتُم بِهَا.
أَنتَ فِي دَارِ شَتَاتٍ فَتَأَهَّبْ لِشَتَاتِكْ
وَاجعَلِ الدُّنيَا كَيَومٍ صُمتَهُ عَن شَهَوَاتِكْ
وَلْيَكُنْ فِطرُكَ عِندَ الله فِي يَومِ وَفَاتِكْ