فهرس الكتاب

الصفحة 2365 من 5777

حالنا وحال السلف في صلاة الجماعة

فقه

الصلاة

زيد بن عبد الكريم الزيد

الرياض

جامع مطار الملك خالد

1-صور من اجتهاد السلف في العبادة. 2- القرآن الكريم يدعونا إلى الارتقاء في مراتب العبودية. 3- تهاون الكثيرين في إقامة الصلاة على الوجه الذي أمر به الله.

أيها المسلمون، يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى واصفًا اجتهاد السلف رحمهم الله تعالى في العبادة"لقد أدركت أقوامًا، وصحبت طوائف، فما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبلَ، ولا يحزنون على شيء منها أدبرَ، وكانت في أعينهم أهون من التراب الذي يطؤون عليه،وكانوا عاملين بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا جنّ الليل، قاموا على أقدامهم، وافترشوا وجوههم، وجرت دموعهم على خدودهم".

وقالت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان تصف زوجها أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى:"ما رأيت أحدًا أكثر صلاة ولا صيامًا منه، ولا أحدًا أشدّ فرقًا منه، كان يصلي العشاء ثم يجلس يذكر الله حتى تغلبه عيناه ثم ينتبه، ولقد يكون على الفراش فيذكر الشيء من أمور الآخرة فينتفض كما ينتفض العصفور في الماء ويجلس يبكي".

وعن وكيع قال:"كان الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى".

هذه نماذج خاطفة لأناس امتلأت قلوبهم من محبة الله ومراقبته وخشيته.

أيها المسلمون, أين موقعنا بالنسبة إلى هؤلاء؟ هل لهم آخرة تنتظرهم وليس لنا آخرة؟

هل لهم قلوب وليس لنا قلوب؟ ما بالنا يا عباد الله نرى مكانة العبادة في نفوسنا في أسفل درجات سلم اهتماماتنا اليومية، والعبادة عندهم هي همهم الأول, يحملونها معهم، إذا أذن المؤذن نسوا كل شيء إلا الصلاة، وإذا تذكروا الآخرة هانت عندهم الدنيا كلها تذكرًا لعظم الموقف الذي ينتظرهم.

لن أتحدث عن حال الرسول صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضي الله عنهم وحالهم مع عبادة ربهم، ولكن أتحدث عن أقوام مضوا, مثلنا, ليسوا برسل ولا بصحابة رسل، قرؤوا كتاب الله مثل ما نقرأه، وسمعوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما نسمعها فتأثروا بهما، قرؤوا قول الله جل شانه تَتَجَافَى? جُنُوبُهُمْ عَنِ ?لْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَـ?هُمْ يُنفِقُونَ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [السجدة:17,16] , فشَمَّرُوا للجنة وطلَبها، وقَرَؤُوا قول الله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ?لنَّاسُ وَ?لْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ?للَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] فَشَمَّرُوا وجَدُّوا خوفًا من أن تكون لهم، أو أن يكونوا من أصحابها.

ونحن نقرأ هذه النصوص مثلهم، ثم نغلق المصحف وننسى، وكأن القرآن الكريم لا يخاطبنا، وكأننا لسنا المأمورين المنهيين، كأنه يتحدث عن أناس آخرين لسنا منهم، ونرى الموت يتخطف الناس، وكأننا لسنا في الطريق ننتظر الدور، ونرقب الأجل، في غفلة عن ملك الموت الذي يرقبنا ينتظر الأمر فينا، ثم المصير المحتوم إلى الجنة أو النار، مآل لكل واحد منا.

ما أشد غفلة القلب وقسوته فَوَيْلٌ لّلْقَـ?سِيَةِ قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ ?للَّهِ [الزمر:22] , يا عباد الله أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ?للَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ?لْحَقّ وَلاَ يَكُونُواْ كَ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ?لأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـ?سِقُونَ [الحديد:16] .

عباد الله, إن المسلم ليتذكر أحوال السلف الصالح الذين يتقلبون على الفرش رجاء ما عند الله وخوفًا من هول القبر وهول الحشر وهو الموقف وهول العبور على الصراط وهول النار وكلها سنراها عيانًا كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ?لْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ ?لْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ?لْيَقِينِ [التكاثر:5-7] , هل تصورت جازمًا أنك ترى النار أمامك ولا ينجيك منها إلا عملك؟ هل نرجع إلى ربنا ونتدارك أنفسنا قُلْ ي?عِبَادِىَ ?لَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى? أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ?للَّهِ إِنَّ ?للَّهَ يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ?لْغَفُورُ ?لرَّحِيمُ [الزمر:53] .

يا عباد الله, الذي يعلم أنه سيرى النار عيانًا أمامه، أعدت للكافرين، أعدت للعصاة، ثم لا يؤدي الصلاة إلا بتثاقل وتباطؤ وقلة رغبة وملل منها، بل مجرد حركات ينقرها نقرًا ثم يقفز من مكانه فور السلام وكأنه على جمر يريد أن يخرج من المسجد. هل يُتصور أن هذه الصلاة هي وقايته من النار, وهي حجابه التي سيقف يوم القيامة يُنظر فيها, إن صلحت صلحت أعماله, وإن بطلت, بطلت أعماله, يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح, وإن فسدت فقد خاب وخسر ) )سنن الترمذي (ج3) ص (269) وصححه الألباني.

فيا أخي المسلم تدارك نفسك فما هي إلا أنفاس معدودة, كل نفس ينقص منها رقمًا حتى تبلغ الوقت المحدد، بادر إلى ربك بادر لمصلحة نفسك, لنجاتك، يا من يتهاون بصلاة الجماعة، يا من يسمع النداء ولا يجيب، اعلم أن هذه الصلاة هي أول سؤال يلقى عليك؟ يا من يسهر ليلته فإذا أقبل الفجر نام قرير العين غافلًا عن صلاة الفجر، قد تكون ليلتك ليلة طويلة لا يوقظك من نومتك فيها إلا الملكين في القبر، وكم من نائم ما استيقظ، تذكر ـ وأنت نائم عن صلاة الفجر ـ قول الرسول صلى الله عليه وسلم في صلاة العشاء والفجر (( لو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ) )متفق عليه.

إن حولك رجالًا ونساءً, أيْقَظَهُم خوفُ الآخرة, فلم تنم أعينهم, فهم يقومون قبل الفجر يتهجدون ويدعون، ويستغفرون, وأنت إلى متى سادر في الغفلة والنوم عن صلاة الفريضة.

وأختم أيها المسلمون بهذا الحديث, فاسمعوه، فهو مشهد حي لموقف يمر به من ينام عن الصلاة المفروضة، في حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قص عليهم الرؤيا التي رآها ـ ورؤيا الأنبياء حق ـ (( أنه رأى فيها رجلًا مضطجعًا, وإذا رجل آخر قائم عليه بصخرة, وإذا هو يهوي بالصخرة على رأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان, ثم يعود إليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى ) ), ثم أخبر في نهاية الحديث وهو حديث طويل (( أن الرجل الذي يثلغ بالحجر هو الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن صلاة المكتوبة ) )تذكر هذا المشهد، وأنت في فراشك تنام والناس يصلون، واحذره ثم احذره ثم احذره. حديث صحيح (صحيح الترغيب والترهيب للألباني 1/374رقم 578) .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, أقول هذا القول وأستغفر الله...

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت