الأسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد
الأبناء, التربية والتزكية, قضايا دعوية
حمزة بن فايع الفتحي
محايل
جامع الملك فهد
1-صور لبعض همم فتيان الصحابة. 2- التربية بالقدوة الحسنة. 3- قدوات الشباب في هذا الزمان. 4- الأسوة الحسنة. 5- القدوات المضيئة التي يجب أن تعرض للأبناء.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران: 102] .
أيها الناس، هل سمعتم بصبيان صغار يخوضون غمار البطولات ويطمحون للفدائية والتضحيات، في حين تسابق أبناؤنا للملاهي، وصرفتهم لمهين الأماني؟! تنصرف همم أولئك لرفارف المجد، وتأنف عقولهم عن منازل السفه والطياشة، ويسجلون مواقف يعجز عنها أصحاب الهمم في هذا الزمان.
في غزوة أحد يتسابق الصغار للميدان، وتتلهف نفوسهم للجهاد والتضحية، طمعًا في الشهادة والجنة، فيرد النبي من دون خمسَ عشرةَ سنة؛ شفقةً عليهم، فيأبى غلام صغير يدعَى رافع بن خديج رضي الله عنه، فيقول: يا رسول الله، رددتني وإنني رامٍ أرمي كما يرمي الشيوخ، فأجازه النبي لهذه الموهبة. فجاء غلام آخر يعترض اسمُه سمرة بن جندب رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله، أجزتَ رافعًا ولم تجزني، ولو صارعتُ رافعًا لصرعته، فقال النبي: (( تصارعا ) )، فتصارعا فصرع سمرة رافعًا، فأجاز النبي كلا الغلامين.
هذه صورة ـ يا مسلمون ـ نستطيع من خلالها صناعة المثل لأبنائنا وإعداد القدوات لهم وتأسيس العقول والثقافات التي يحملونها. إننا بحاجة إلى أن نعرض هذه المثل العليا لأبنائنا، نبثها في حياتهم، نرسمها في مستقبلهم، نزرعها في مشاعرهم وعواطفهم.
إن من أساسيات التربية في هذه الأزمنة تقريب المثُل والقدوات التي يتعلق بها أبناؤنا ويقلدونها، ويعيشون حلوها ومحاسنها.
لقد آلمنا انصراف كثير من الشباب والأبناء إلى ميدان السخف والتعاسة، يتقلّدون بأناس تعساء، ويحفظون ثقافة رديئة، ويسعون لأهداف وضيعة. لقد أفلح آباء هؤلاء ومربوهم في عرض المثل والقدوات لأبنائهم، لكن ماذا عرضوا؟! وماذا نشروا؟! لقد جعلوا المثل العليا التي يستمسك بها أبناؤهم رياضيًا تائهًا أو مغنيًا ساقطًا، فشبَّ الأبناء على حبّ أولئك وتعظيم مواهبهم، وغابت عنهم أحاديث الأبطال وأرباب العزائم والكمال، وما عرفوا سيرة رسول الله ، ولا تطلعوا إلى إيمان أبي بكر وشجاعة عمر وخلُق عثمان وإقدام علي رضي الله عنهم أجمعين.
وصنفٌ من الآباء تركوا الأبناء يتلقّفون الغناء المنتشر، فحملوا وتحمّلوا تفاهة الأهداف ومهانة الأفكار وهوان النفوس، والله المستعان. وبعد ذلك يحزن هؤلاء الآباء ويتشكون من رداءة فكر أبنائهم وتشوّش آمالهم وضعف عزائمهم، فنجد المتفوّق يتعلق بسخافات فنيّة، والمبدع ينشر إبداعه في الرياضة معتقدًا سموَّها ومجدها، والجادّ سينزل في غير ميدان الجد والعمل.
أيها الإخوة الكرام، لم يعد غريبًا ولا عجيبًا أن ترى بعض أبنائنا يقتفي منهج ممثل مشهور، وآخر يتعلق بنجومية لاعب رياضي، يستحلي هوايته وحياته وأمانيه، ويكدح لكي يكون مثله لاعبًا أو ممثلًا مشهورًا مرموقًا. وإني لأسائلكم: هل هذا هو عين الفلاح لأبنائنا؟! وهل هو طريق المجد المطلوب؟! وهل هو درب السلامة المنشود؟!
إن العاقل من بني آدم ليدرك ما تخلّفه الأهداف التافهة على صاحبها ومبتغيها، ويعلم ما تعود به الثقافات الهشة على مستوى وعي الجيل. وإن العاقل بحق لا تخفى عليه طرق المجد الصحيح، ولا تفوته المثل المنيرة، ولا القدوات المضيئة التي يجب أن تعرض للأبناء، ويحيوها ليلًا ونهارًا صغارًا وكبارًا، وإنه ليستيقن مدى تأثير المثل والقدوات على عقول الناشئة ونفوسهم وآمالهم وطموحاتهم.
لقد أبهجنا ذلك الصبي الذي كان في الصف الرابع الابتدائي، وكان مغتمًا حزينًا للمسلمين في البلاد المنكوبة، وذاك الشبل الصغير الذي كان يدّخر من مصروفه اليومي الذي يعطيه أبوه، يدخر منه شيئًا يبذله لإخوانه المسلمين عندما عاش قضيتهم وسمع ما يذكّره بهم، وفي هذه الأيام يتفاعل بعض الصغار مع آبائهم، فيأبى شراء المنتجات الأمريكية غضبًا لدينه وأمته. وإنه ليفرحنا ذاك الذي يسمع قصة مصعب بن عمير رضي الله عنه، الشاب المنعّم المدلَّل الذي تجرد من لذائذ النعم ليفوز بلذة الإيمان والشهادة، يسمعها أحد الناشئة فيتأثر بها، ويهوى حياة مصعب وشجاعته وإقدامه.
أيها الآباء والمربون، إن العقول الزكية لتتناغم مع الحياة الجادة والصفات الحسنة والمثل السامية، فاجعلوا من عقولكم الواعية طريقًا لرفعة أبنائكم والسمو بهممهم والرقي بأخلاقهم ومطامحهم. وإنَّ العقل الزكي لنعمة تأبى التلطخ بنقمة أو الانحراف إلى مهاوي الضياع والخسارة، فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ [الحشر: 2] .
قال وهب بن منبّه رحمه الله:"كما تتفاضل الشجر بالأثمار كذلك تتفاضل الناس بالعقل"، وقال سفيان بن عيينة رحمه الله:"ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، ولكنَّ العاقل الذي يعرف الخير فيتبعه، ويعرف الشر فيجتنبه"، وقال ابن جُريج رحمه الله:"قوام الرجل عقله، ولا دين لمن لا عقل له".
أيها الآباء والمربون، اجعلوا من عقولكم المستضيئة بنور الوحيين برنامجًا لحماية الأبناء وتقويم مواهبهم وحركاتهم، وحفظًا لنفوسهم من التوافه والبهارج التي تعمي الأبصار وتصدّ عن سواء السبيل، فليس لأبنائنا مفاخر إلا ميادين البطولة التي تبني الرجولة، وتفيض الإيمان، وتعلم الصبر، وتدفع للعلم والبصيرة.
فانظروا ـ يا مسلمون ـ أهدى السبل للأبناء وأسلمها لعقولهم ونفوسهم، وخذوا بأيديهم لمعالي الأمور، وجنبوهم سفسافها ورذائلها.
اللهم وفقنا للخيرات، وجنبنا الغفلة والحسرات.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين...
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة الكرام، إن أعظم المثل التي يجب أن يتربى عليها أبناؤنا ويقلدونها شخص رسول الله ، فلا بد من تقفّي منهاجه وتأمّل سيرته والتأسي بأخلاقه وتعظيم شأنه وأمره، فليس ثمة رجل أعظم منه، ولا أتقى منه، ولا أحسن منه، يذوب الكبراء والعظماء عند فضله ومجده وأدبه عليه الصلاة والسلام، فمن يضاهي علمه؟! ومن يداني كرمه؟! ومن يساوي حسنه وبطولته؟!
تذوبُ شخوص الناس في كل لحظة وفي كل يوم أنت في القلب تكبرُ
أتَسأل عن أعمارنا أنت عمرنا وأنت لنا التاريخ أنت المحرِّرُ
ومن المثل العلية في الإسلام إيمان أبي بكر وصدقه وخضوعه، الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام: (( لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخي وصاحبي ) ). ومنها عمر رضي الله وإقدامه وشدته في الحق، الذي قال فيه: (( إيهًا يا ابن الخطاب، والله ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا قط إلا سلك فجًا غير فجك ) ). ومنها سيرة عثمان العطرة، وفيه يقول: (( ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟! ) ). ومنها سيرة علي رضي الله عنه القائد المقدام، الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام: (( لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق ) ). إن هذه المثل والقدوات هي التي يجب أن يحبها أبناؤنا ويعتصمون بها دينًا وقدوة ومنهجًا. وإنه لمن المؤسف أن يحيا الأبناء على التعلق بحياة لاعب أو فنان، مغيَّبين عن حياة الأبطال وأمجاد الأفذاذ.
إخوة الإسلام، استمعوا إلى بعض المواقف الجليلة لأفذاذ قضوا وماتوا، ولكن لم تمت مواقفهم، ولم تختفِ بطولاتهم وتضحياتهم، وإنها لهي المثل التي يجب إحياؤها وتربية الجيل عليها:
يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: ردَّ رسول الله عمير بن أبي وقاص عن بدر واستصغره، فبكى عمير، فأجازه، فعقدت عليه حمالة سيفه، ولقد شهدت بدرًا وما في وجهي شعرة واحدة أمسحها بيدي.
وفي الصحيحين قصة مقتل فرعون هذه الأمة أبي جهل على يد غلامين من الأنصار هما معاذ ومعوّذ، قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: إني لفي الصف يوم بدر، إذ التفت عن يميني وعن يساري فإذا فَتَيان حديثَا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرًا من صاحبه: يا عم، أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي، ما تصنع به؟! قال: عاهدتُ الله إن رأيته أن أقتله أو أموتَ دونه، وقال لي الآخر سرًا من صاحبه مثله، قال: فما سرني أنني بين رجلين مكانهما، فأشرت إليه، فشدّا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء، أي: معاذ ومعوذ.
وأخرج ابن هشام والذهبي في السير عن معاذ بن عمرو قال: جعلت أبا جهل يوم بدر من شأني، فلما أمكنني حملت عليه فضربته، فقطعت قدمه بنصف ساقه، وضربني ابنه عكرمة بن أبي جهل على عاتقي، فطرح يدي، وبقيت معلقة بجلدة بجنبي، وأجهضني عنها القتال، فقاتلت عامة يومي، وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت قدمي عليها، ثم تمطأت عليها حتى طرحتها. قال الذهبي معلقًا:"هذه ـ والله ـ الشجاعة، لا كآخَر مَن خدش بسهم ينقطع قلبه وتخور قواه".
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدِما
تأخرت أستبقي الْحياة فلم أجدْ لنفسي حياةً مثل أن أتقدَّما
نفلّق هامًا من أناس أعزّةٍ علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما
يا سادة، بمثل هذه المثل الحيّة يحيا أبناؤنا، وتعلو هممهم، وتصح عقولهم، وتكبر نفوسهم، وتسمو أخلاقهم وطموحاتهم، وبغيرها من الغثاء الشائع تموت نفوسهم، وتسقط هممهم، وتهون طموحاتهم وآمالهم.
أصلَحَ الله لنا أبناءنا وشبابنا، وهداهم لمعالي الأمور، وجنَّبهم رديئها ومهينها.
اللهم أصلح أبناء المسلمين، واهدهم لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنهم سيّئها، لا يصرف عنهم سيئها إلا أنت، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات...