الأسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد
الأبناء, التربية والتزكية, المسلمون في العالم, قضايا الأسرة
حمزة بن فايع الفتحي
محايل
جامع الملك فهد
1-حال بيوتات المسلمين. 2- الوصية بتربية الأبناء على الاهتمام والشعور بقضايا أمتهم. 3- وسائل حفظ البيت والأسرة.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران: 102] .
معاشر المسلمين، تأمل متأملٌ بيوتات المسلمين فإذا الغفلة فيها ظاهرة، والوعي بها ضعيف، والتربية لها هشّة ركيكة. بيت لا يزال تديُّنه ضعيفا، وبيت غصّ بالشهوة والعبث، وبيت لا يعيش مشاعرَ المسلمين ويسكن بمعزل عن أخبارهم وقضاياهم!
فمع هيمنة الخير وانتشاره يرى شبابًا في الأحياء لا يصلون في المساجد! ومع التعليم لا يزال وعي المسلم ضيقا محدودًا! ومع وهَج الأحداث وخطورة الأيام القادمة لا يزال عند بعض الناس ساعات للشهوة والعبث والمترفات!
هل أُغلقت القلوب عن استطعام حلاوة الإيمان وسعادة الإسلام؟! وهل عميت أبصارنا عن رؤية الهلاك ومشاهد التعاسة؟! وهل صُمّت آذاننا عن مآسي أمتنا وجراحات إخواننا في كل مكان؟! أين يقظة البيت المسلم ليتدارك نفسه وليُصلح منهجه وليزيد من تدينه؟! قال: (( كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته ) )، فهل حفظ الرعاية من ترك أبناءه بلا رعاية؛ يسعون ويمرحون كما يشاؤون؟! وهل أدى الصيانة من لا يعرف بيته إلا عند المنام والطعام؟! وهل يرعى الأمانة من أضعف دين البيت وأطفأ أنواره بفضائيات تعيسة وثقافة متدنية تتمثل في برامج ساقطة ومجلات خليعة؟! أين البيت المسلم المتنامي دينيًّا والواعي حضاريًا والمهتم إسلاميًا؟!
إننا نشاهد بيوتنا تغصّ بالفضائيات، ولا تمتلئ بالإيمانيات، وتسمع الأخبار وليس هناك أدنى تأمل واعتبار. إننا في عصر إما أن ينفتح البيت على خير أو على شر، وإما أن يعيش في غفلة دامسة عاقبتها شر خطير وفساد عريض.
فما أنتم صانعون ـ يا معاشر الآباء والأولياء والمربين ـ في العصر الروماني الجديد الذي يحكم بالقهر والعسف والاستبداد، ولا يعطي أدنى حرمة ولا حق للشعوب المسلمة المنكوبة؟!
لقد آن الأوان لتكفّ الأمة عن اللهو قليلا، ولقد حان الوقت لتستيقظ بعد النوم الطويل وبعد التغافل المديد. مسلم غافل يعيش لبطنه، إذا نابته النوائب في نفسه تحرك وانخلع، وإذا احترقت تجارته هبَّ من نومه كالأسد وانطلق للدفاع والمكافحة كالشجاع.
سبحان الله! أين ذا الشعور تجاه أمّة تُعامَل بالتعسف والقوة وتراق دماؤها في كل ساعة من ليل أو نهار؟! وأين ذا الإحساس لدين يُراد تغييبه وإماتته؟! أليس لهذه الأحداث العصيبة التي تشق كبد الأمة أن توقظ الضمائر وأن تشعل الإيمان وأن تحيي البيت المسلم ليؤدي وظيفته في التربية والوعي، أم أننا نقتِّل القتلى بمقالاتنا القاتلة، ونتهم الشهداء في شهادتهم، ونعيب البطولات والتضحيات ونبقى في غينا ولهونا؟!
اسمعي نوحَ الحزانى واطرَبي وانظري دمعَ اليتامى وابسمي
قاتل الله من خذل مسلمًا في وقت النصرة، وقاتل الله من أعان عليهم وفتَّ في عضدهم وطعنهم من خلفهم ساعةَ الكرب والبلاء. إن لم تكن ناصرًا ساعة النصر فلا تكن خاذلا مخذلا وجبانا مثبطًا.
ارفعوا أقلامكم عنها قليلا واملؤوا أفواهكم صمتًا طويلا
لا تجيبوا دعوة القدس ولو بالْهمس كي لا تسلبوا أطفالها الموت النبيلا
يا مسلمون، إن نارًا في بيت أحدنا توقظ النائمين وتنبه الغافلين، فمتى نستيقظ لأمتنا ونأسى لأحوالها؟!
إن البيت المسلم ليس كأي بيت في العالم، فلا بد أن يدرك عظمة المسؤولية، ولا بد أن يدرك أنه سيحترق ما لم يعمل ويجتهد ويتحرك. إن البيت المسلم بأبويه وأبنائه يستطيع تعميق الدين وتأسيس الجد وصياغة المشاعر والأحاسيس من خلال ما ينتمي إليه ويأوي إليه، فهو حين تجلجل القرآن منه وتشع منه مكارم الأخلاق يُنتج أهل الخير والصلاح ويثمر أهل المروءة والفلاح، وهو حين يتواجد لسماع الأغنية ويتلفظ السفاهات يخرج جيلًا مغنيا عابثا يُرثى لحاله. لم يكن البيت المسلم وهو يشعّ بالإيمان ويستضيء بالقرآن أن يغيب عن مسالك الخير ويعرض عن سبيل الجد والبطولة.
يا مسلمون، إن ثقافة الأبناء دينًا وخلُقًا وجِدًا وبطولة هي إفراز ما زرعه الأبوان في المنزل، فإن كان ما زرعاه خيرًا خرج نباتًا طيبًا مباركًا، وإن كان ما زرعاه شرًا خرج نباتًا ضارًا موحشا يؤذي ولا ينتفع به. فتأملوا بيوتكم، وراجعوا ما فيها من وسائل الإصلاح والبناء والتأثير، واحرصوا على تأسيس بيت مسلم حي بالإيمان، يعظم القرآن ويهتدي به في كل شؤونه.
الشاب لا يراهن على دينه ويعتز بنشر معانيه، والفتاة تشمخ بإسلامها وتفتخر بحجابها وعفتها، والصغار يهتمون بدينهم وبإخوانهم. ليس عجيبًا أن تجعل الابن الصغير هو الذي يؤدّي الصدقة عنك للإخوة في فلسطين أو في الشيشان وغيرها، المهم أن تحسن صناعة الشعور الشامل الصادق في قلبه منذ صغره، وقل له: إن هذه الريالات تنصر بها مسلمًا وتقتل بها يهوديًا أو نصرانيا أو بوذيًا.
وفي الطعام والشراب تؤسس أن الرازق هو الله تعالى، وأنه المنعم المتفضل، وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [النحل: 53] . وإذا استغلق الرزق وشحّت الوظائف فالرزق بيد الله، وليس بشركات ومؤسسات، وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا [هود: 6] .
والبيت المسلم لا يتجاهل الانفجار المعلوماتي والفضائي الذي يخترق كل شيء، فيسعى ليكون مسابقا في بناء قاعدته، فيثبت الدين، وينشر الأخلاق، ويحيي معاني الرجولة والبطولة، فما بعث نبينا إلا ليتمم مكارم الأخلاق. وهل من مكارم الأخلاق ترك الأبناء بلا أخلاق وآداب؟! وهل من مكارم الأخلاق أن يُترك الابن يختار ما يشاء من الأخلاق؟! وهل من مكارم الأخلاق أن يخرج البيت المسلم مغنيًا أو مغنية يتنكر للقيم والمثل والمبادئ؟! قال: (( ما من راعٍ استرعاه رعيته يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرّم الله عليه الجنة ) ).
اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات...
الحمد الله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة الكرام، هل سمع أهل الإيمان نداء الله لهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: 6] ؟!
لقد عمّت الفتن وطمَت، وصار المسلم يخاف على دينه ويخشى على أخلاقه ومبادئه. هناك من يميّع عداوتنا للكافرين ويدعو للسماح والسلام والمعايشة، وهناك من يجعل الغناء وخلع الحجاب فضيلة وشرفًا، وهناك من يتأسف على أبطال الجهاد والمقاومة في فلسطين وغيرها بأنهم قتلوا أنفسهم وحرموها من الراحة والسعادة!
انتكاس في الفطر، وتقليب للمبادئ والمفاهيم، وهم كما قال رسولنا: (( دعاة على أبواب جهنم، من أطاعهم قذفوه فيها ) )، وقال: (( هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ) ).
يا من تركتم بيوتكم للفضائيات وللفكر المسموم، إن في موادها ما يشوّه الدين، ويحلّي الشهوة، ويسفّه المجاهدين، ويدعو للذلة والمهانة. فأين أنتم ـ يا رعاة البيوت ـ عن أبنائكم وفتياتكم؟! يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ.
إن ما نعايشه من أحداث جسيمة ما ينبغي أن تجعلنا نخاف ونهون، وإنما نحاول أن نحسن استغلالها في تربية الجيل، فنبث فيهم معاني الإيمان والصدق والبطولة، ونجعل مقتل الشيوخ والنساء والأطفال مشاعل للتضحية والفداء، ونعمِّق فيهم هذا الدين، ونعرفهم بالأصدقاء والأعداء.
فما خدِّدت فيك الأخاديد إنَّما تُشَقّ لُحود للعِدا وضرائحُ
ويا داميَ العينين مهما تراكمت سدوفُ الدجى فالنور لليل فاضحُ
وكلُ دمٍ يَجري سينبت ثورةً كما تُنبت العشبَ الغيوثُ السوافحُ
فهبوا ـ يا مسلمون ـ لنجده بيوتكم وإنقاذها من عصرٍ دفّاق بكل الشرور، زاخرٍ بكل الفتن والمغريات، والسعيد من وُعظ بغيره وانتفع بهدى ربه وشرعه.
فاملؤوا البيوت بالشريط الإسلامي، وأسسوا مكتبةً في المنزل، وبثوا فيه المواد النافعة، وجنبوه كل فاسدٍ ولاهٍ، فإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92، 93] .