قضايا في الاعتقاد
الاتباع
مصطفى ابن سعدة
مليانة
السلام
1-رسول الله رحمة للعالمين. 2- محبة المسلمين للنبي وفرحهم بمولده ووجوده. 3- دليل
المحبة اتباعه صلى الله عليه وسلم. 4- الفلاح لمن آمن به واتبعه. 5- من منكرات الموالد.
وبعد:
أيها المسلمون، من نعم الله العظيمة علينا أن جعلنا مؤمنين, ومن أمة أفضل وخاتم الأنبياء والمرسلين, الذي أرسله الله عز وجل رحمة للعالمين قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَـ?كَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـ?لَمِينَ [الأنبياء:107] . وأخبر صلى الله عليه وسلم عن نفسه الطيبة المباركة الشريفة فقال: (( إنما أنا رحمة مهداة ) ) [1] ، فلك الحمد ربنا، ولك الثناء والشكر والمجد أن بعثت فينا نبيًا كريمًا ومن أنفسنا رسولًا رحيمًا قال تعالى: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِ?لْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة:128] .
أيها المسلمون، إن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم والفرح ببعثته والسرور بمولده من الإيمان, ومن حقوقه أن يكون الله ورسوله أحب إلينا من كل شيء، أخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعدما أنقده الله منه كما يكره أن يقذف في النار ) ) [2] .
وثمرة المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تكون بصدق اتباعه ظاهرًا وباطنًا, والمسلم الحق المحب والمعظم لسيدنا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الذي يذكره في كل يوم وليلة، ويحيي أقواله وأعماله ويجتهد في التأسي والاقتداء به قال تعالى: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ?للَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو ?للَّهَ وَ?لْيَوْمَ ?لآخِرَ وَذَكَرَ ?للَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21] .
المسلم الصادق في حبه والمخلص في اتباعه لا ينساه أبدًا ولا يغفل عن ذكره في كل يوم وليلة, وكيف يغفل عن ذكره والصلاة والسلام عليه وقد أحيا الله ذكره ورفع شأنه فحيثما ذكر اسمه جل وعلا يذكر اسم رسوله صلى الله عليه وسلم، في كل أذان ونداء للصلاة, وفي كل إقامة وفي كل صلاة، فرضًا كانت أو نفلًا، ففي التشهد يصلي ويسلم عليه المسلم مما يزيد على الثلاثين مرة جهرًا وسرًا، جهرًا يملأ بها الكون والأفق، وينبه العباد الغافلين والعصاة المنحرفين لاتباع سيرة وهدي سيد المرسلين، وسرًا يملأ بها قلوب وحس المؤمنين ليكون قدوة لهم وللعالمين، قال تعالى معددًا نعمه على نبيه الأمين أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ?لَّذِى أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ فَإِنَّ مَعَ ?لْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ ?لْعُسْرِ يُسْرًا فَإِذَا فَرَغْتَ فَ?نصَبْ وَإِلَى? رَبّكَ فَ?رْغَبْ [سورة الشرح] .
أيها المسلمون والمسلمات، اتقوا الله تعالى وتمسكوا بهدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمن تمام وصدق محبتكم له إحياء سنته, وإظهار شريعته ونصر دعوته, دعوة التوحيد والتزكية وتحقيق الوحدة والحذر من الخلاف والاختلاف، فاصدقوا في نبيكم صلى الله عليه وسلم بالأعمال، وليس بالدعاوى والأقوال، والدعاوى إذا لم تقم عليها بينات فأهلها أدعياء, فالخير والسعادة والتوفيق والهدى والأمن في السير على نهجه والاعتصام بسنته، فهو من نعم الله علينا، وقد منّ الله علينا بنبوته ورسالته ليخرجنا من الظلمات إلى النور قال تعالى: لَقَدْ مَنَّ ?للَّهُ عَلَى ?لْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءايَـ?تِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ ?لْكِتَـ?بَ وَ?لْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـ?لٍ مُّبِينٍ [آل عمران:164] .
أيها المسلمون، ويا أيها الحاضرون، لنسأل أنفسنا: هل نحب فعلًا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وهل هو أسوتنا وقدوتنا؟ ما صدق محبتنا له؟ وما دليلها؟ ما درجتها؟ وما آثارها ؟ وهل مجتمعنا صادق في هذه المحبة؟ إننا نؤمن به ونشهد أنه رسول الله ونؤمن بما جاء به من عند ربه عز وجل, لكن أضعنا كثيرًا من أوامره وأعرضنا عن تحكيم شريعته وهجرنا شمائله وأخلاقه, وشباب الأمة ونساؤها تركوا هديه واتباعه وتقليده إلى تقليد واتباع الكفار أعداء الله وأعداء رسله صلى الله عليهم وسلم، فالفلاح لمن آمن به واتبعه قال تعالى: فَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَ?تَّبَعُواْ ?لنُّورَ ?لَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ ?لْمُفْلِحُونَ [الأعراف:157] .
فينبغي علينا الاعتراف بتقصيرنا في حسن اتباع رسولنا صلى الله عليه وسلم، ومن ثم نصلح هذا الخطأ, وإن كذبنا على أنفسنا فمظاهر الحرام الكثيرة والفساد المنتشرة في كل مكان شاهدة على ذلك، من ارتكاب الكبائر وغشيان المحرمات, وشيوع المعاصي والفواحش والمنكرات، وتضييع الواجبات وانتشار الدعارة والزنا والربا, والغش والرشوة والظلم والبغي وقطيعة الرحم, والتخلي عن الآداب ونزع الحجاب، ولبس الألبسة الفاتنة الضيقة كالسروال وغيره حيث تظهر المفاتن وتحجم العورات وتشتعل بذلك نار الغرائز وتوقد الشهوات, ضف إلى ذلك ضعف الرابطة الأخوية الإيمانية من الوحدة والمودة وهضم الحقوق الشرعية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية كحقوق الوالدين وحقوق الأقارب وحقوق الإخوان وحقوق الجيران قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى? يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] .
[1] هذا الحديث اختلف في وصله وإرساله ، فأخرجه الطبراني في الأوسط [2981] ، والقضاعي في مسند الشهاب (2/189) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا ، وصححه الحاكم (1/91) ، وعزاه الهيثمي في المجمع (8/257) للبزار وقال:"رجاله رجال الصحيح"، وأخرجه ابن سعد في الطبقات (1/192) ، وابن أبي شيبة في المصنف (6/325) ، والدارمي (1/21) عن أبي صالح مرسلًا. ورجع الألباني الوصل. انظر: السلسلة الصحيحة [490] .
[2] أخرجه البخاري في كتاب الإيمان [16] ، ومسلم في الإيمان [43] .
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين وقيوم السموات والأرضين ومالك يوم الدين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا المصطفى ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى، سيد البشر والشافع المشفع في أرض المحشر ,صاحب الحوض المورود والمقام المحمود، فاللهم صل وسلم على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين وأزواجه وذرياته الطاهرين، وارض اللهم عن أصحابه الراشدين وأئمته المهديين وعن صحابته أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
أيها المسلمون, يا من تحبون النبي صلى الله عليه وسلم، اعلموا أن سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه والاقتداء به قال تعالى: يَـ?أَيُّهَا ?لنَّبِىُّ حَسْبُكَ ?للَّهُ وَمَنِ ?تَّبَعَكَ مِنَ ?لْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64] . أي الله وحده كافيك وكافي أتباعك، فلا تحتاجون معه إلى أحد فاجتهدوا رحمكم الله في اتباعه ومعرفة سنته، فذلك هو الدليل على صدق محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمه.
أما أن يكون الدليل هذه الشموع والمفرقعات, والمأكولات والسهرات والأغاني والحفلات بمناسبة مولد سيد الكائنات وأشرف وأعظم المخلوقات, في حين نجد أنفسنا أننا تركنا ما أمرنا به وتعدينا وفرطنا فيما نهانا عنه, فهذا وهم وخداع.
فالله تعالى لم يأمرنا بمثل هذه الأشياء التي لا تزيد في الإيمان ولا تعبر عن محبة النبي المصطفى العدنان, بل أمرنا الله سبحانه بطاعته وطاعة رسوله قال تعالى: وَأَطِيعُواْ ?للَّهَ وَأَطِيعُواْ ?لرَّسُولَ وَ?حْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَ?عْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى? رَسُولِنَا ?لْبَلَـ?غُ ?لْمُبِينُ [المائدة:92] .
وأمرنا سبحانه بفعل ما أمرنا به وترك ما نهانا عنه قال تعالى: وَمَا ءاتَـ?كُمُ ?لرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـ?كُمْ عَنْهُ فَ?نتَهُواْ وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ شَدِيدُ ?لْعِقَابِ [الحشر:7] .
وبهذه المناسبة التي لم تكن في عهده صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه رضي الله عنهم ولا التابعين ولا أهل القرون المفضلة الثلاثة نقول: راجعوا أنفسكم، وحددوا قربكم أو بعدكم عما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به, ويعمل على نهج سلفه وأصحابه ويدخل به في عداد أتباعه وأنصاره، والناس في هذا بين مقل ومعدوم ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
اللهم إنا نسألك صدق المحبة وآثارها وارزقنا حب السنة وإحياءها، ونعوذ بك من الفرقة والخلاف والابتداع, والخصومة والبغضاء والنزاع.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم, اللهم نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم. اللهم تب علينا وأصلح حالنا...