سيرة وتاريخ
غزوات
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
غزوة بدر مكانتها وفض أهلها - مقدمات الغزوة وأهدافها - نتائج غزوة بدر
أما بعد: نعيش اليوم مع غزوة بدر وأهل بدر. أتدرون من هم أهل بدر؟ إنهم أولئك القلة المؤمنة التي بسواعدها الثابتة نشب أول صدام رئيسي بين قوى الإيمان وقوى الكفر.
ومن عظم هذه الغزوة وعلو شأنها كان شأن هؤلاء القلة. فها هو أحدهم حاطب بن أبى بلتعة رضي الله عنه وقد تورط بعد ذلك في عمل خطير، لو اقترفه غيره لقتل فورا وهو تسريب بعض المعلومات العسكرية عن تحركات النبي نحو مكة، فأرسل رضي الله عنه كتابا إلى أهل مكة ينبئهم بتحركات الرسول ، ولكن وقع الكتاب قبل أن يصل إلى هدفه في يدي الرسول، فاستدعى حاطبا ليسأله، فقال عمر بن الخطاب: دعني اضرب عنقه يا رسول الله. فقال الرسول: (( إنه من أهل بدر وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) ) [1] وفي رواية في الصحيح: (( اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة ) ) [2] .
هذه هي غزوة بدر أول معارك الإسلام الكبرى، إن هذه الغزوة توجت بالنصر المبين. فما هي أسباب هذا النصر ومقدمات هذه الغزوة وأهدافها ونتائجها.
فقد وقعت هذه الغزوة في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة النبوية، أي بعد خروج المصطفى صلى الله عليه وسلم من بلده مكة مهاجرا مطاردا من قبل مشركي مكة وقد تبعه أصحابه تاركين أموالهم وبلادهم واستولى عليها المشركون.
ثم بعد ذلك بسنتين يرحل الرسول ومعه ثلة ليست كثيرة العدد من أصحابه، أهل الإيمان، يرحل الرسول ليوجه أول ضربة لأهل الشرك، وقبل ذلك لم يمكث الرسول سنتين كاملتين ساكنا، ولكنه بدأ منذ وصوله إلى المدينة حركته، بدأ في تكوين هذه القوى الإسلامية.
وبدأ مقدمات هذه الغزوة الكبرى بإرسال السرايا من أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين يوجهون ضربات متعددة لقوى الكفر. فقد أرسل ثماني سرايا قاد بعضها بنفسه، وكان آخرها سرية عبد الله بن جحش في رجب في السنة الثانية من الهجرة أي قبل غزوة بدر بشهرين فقط. ثم جاءت بعد ذلك بادرته التي أدت إلى نشوب هذه المعركة الكبرى.
هؤلاء أصحابه المهاجرون وقد لحقهم من مشركي مكة ما لحقهم من أذى واضطهاد نكاية وخسائر مادية، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يشفي صدورهم من عدوهم وأن يقوي معنوياتهم ويثبت قلوبهم باغتنام تلك الفرصة - فقد سمع الرسول صلى الله عليه وسلم أن عيرا لقريش محملة بالأموال قادمة يقودها أبو سفيان حرب. فأمر النبي أصحابه بالخروج للاستيلاء على هذه القافلة، وقال لهم: (( هذه عير قريش فيها أموالكم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها ) ). [3]
وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينفذ هدفا من الدعوة هو تحطيم عنفوان المشركين. إن هذه الدعوة هي حركة دائبة مستمرة. إن أهل هذه الدعوة لا يجلسون في بيوتهم يجولون ويسترجعون مثل الدروايش وهم يشاهدون قوى الكفر الطاغوتية توجه ضرباتها إلى أهل هذا الدين، إن العادة في أهل هذه الدعوة الإيمانية الإسلامية أنهم دائما يأخذون بالحركة لإنهاء الصراع بين قوى الإيمان وقوى الكفر، ولولا حركتهم هذه لهدمت صوامع وبيع ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا.
تأمل فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن كذبه قومه وأخرجوه من بلده، لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم وقد وجد في المدينة الاستقرار، لو أنه ركن إلى ذلك وأخلد إلى الهدوء والسكون والراحة والصمت، لو أن الرسول ما تحرك خطوة الجهاد، هل كان الإسلام يصل إلى ما وصل إليه اليوم؟ هل كان يصل إلينا لنحظى بنعمة الهداية الكبرى؟
فهناك قريش المشركة في مكة وهي تمثل الرأس الطاغوتي في الجزيرة العربية، وهناك قبائل الأعراب المشركة التي كانت تحيط بالمدينة النبوية وكان الشغل الشاغل لهذه القبائل هي الهجوم على المسلمين بغرض السلب والنهب، وكان هناك داخل المدينة اليهود الحاقدون المتربصون وكان هناك المنافقون وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، فكان هناك المنافقون ومعهم اليهود وقد أظهروا الكراهية للرسول وأظهروا عزمهم على مناوئة الدعوة. وبعد غزوة بدر انقلب كل أولئك مغلوبين وأظهروا إسلامهم خوفا.
أما قبائل الأعراب المشركة المحيطين بالمدينة، فقد وقع في قلوبهم الرعب والهيبة بعد غزوة بدر، فقد علموا أن هذا الدين الذي أظهر هذه القوة المفاجئة في غزوة بدر، لن يستطيعوا مقاومته ، فتفرقوا بعيدا عن المدينة النبوية.
هذه النتائج العسكرية السياسية أو بعبارة أصح هذه النتائج الجهادية الحركية النبوية التي تحققت في غزوة بدر هي أهم نتائج هذه الغزوة. وتأمل وصف القرآن الكريم وما جعله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين [آل عمران:126] .
[1] أخرجه البخاري:ك:التفسير رقم (4608) .
[2] أخرجه البخاري:ك:المغازي رقم (3762) .
[3] أخرجه ابن اسحاق في السيره في غزوة بدر والطبري في تفسير (13/298) .
لم ترد.