الإيمان
فضائل الإيمان
عبد المحسن بن محمد القاسم
المدينة المنورة
المسجد النبوي
1-سنة الله في خلقه. 2- دعاء الملائكة والأنبياء للمسلمين الموحدين. 3- حب الله تعالى للمؤمنين وتأييده نصرته لهم. 4- فضل القرب من المؤمن. 5- أحوال المؤمن كلها خير. 6- حرمة المؤمن حيا وميتا. 7- التحذير من أذية المسلم والتعدي على ماله ودمه. 8- أحوال المسلمين في هذا الزمان. 9- الاستعداد للآخرة.
أمّا بعد: فاتَّقوا الله ـ عبادَ الله ـ حقَّ التقوى، فالتقوى في اتباعِ الهدى، والعمَى في اتِّباع الهوى.
أيّها المسلمون، خلقَ الله آدمَ بيديه وأمر الملائكة بالسجود له، فسجدوا إلاّ إبليسَ أبى واستكبرَ ولم يكن من الساجدين، فاستحقَّ الإبعادَ من رحمة الله، فكانت سنّةُ الله في خلقه أن من أطاعَ ربَّه واتَّبع رسلَه فاز بالسعادة في الدارَين، ومن عصى واستكبرَ ولم يتَّبع المرسلين كان من الأشقِياء الهالكين، قَالَ سبحانه: لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ [الحشر: 20] .
وقد أعلى الله مكانَةَ المسلمين الموحِّدين، فأمر الملائكةَ بالدعاء لهم ولِذُرّيَّاتهم وزَوجَاتهم، قال عزّ وجلّ: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [غافر: 7، 8] .
ودَعا الأنبياءُ لِكلِّ مؤمِنٍ ومؤمنةٍ بالمغفرةِ، فقال نوح عليه السلام: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [نوح: 28] ، وقال الله لنبِيِّنا محمّدٍ: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد: 19] .
وأحبَّ الله المؤمنَ وقرَّبه إليه، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة: 4] ، وأيَّدَه ونصره، وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: 47] . وهو سبحانه مع المؤمنين بالتّأيِيد والتّثبيت، إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال: 12] ، وأنزل جنودًا من السَّماء لنصرتهم، إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال: 9] ، وقَلَب نعمًا في الأرض نِقمًا على أعداء المسلمين، فجعل نسيمَ الرياح ريحًا صَرصَرًا على من عاداهم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا [الأحزاب: 9] . والله يرمِي سَهمَهم ويسدِّد نبلَهم، وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال: 17] ، وهو الذي يكشِف كُربهم ويهدِيهم في الشدائد، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: 69] ، وهو الذي ينتصِر لهم على عدوِّهم، قال عليه الصلاة والسلام: (( قال الله عز وجل: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحربِ ) )رواه البخاري.
وجعَلَ لهم المودَّةَ والمحبّة والقبول في قلوب العباد، قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم: 96] ، ويثبِّت أقدامهم ويسدِّد أقوالهم ويربِط على قلوبهم، يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم: 27] .
والله يتولَّى حِفظ ذرّيّة المسلم ونسلِه ولو بعد قرون بِبَركة عملِه الصالح، وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الكهف: 82] .
وقد وَعَدَه الله بالحياةِ الطيبة: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: 97] . وجعل سبحانَه أعمالَ المسلم في حياته وبعد مماته مُباركة، قال عليه الصلاة والسلام: (( لا يغرِسُ المسلم غرسًا ولا يزرَع زرعًا فيأكُلُ منه إنسانٌ ولا دابّة ولا شيء إلاّ كانت له صَدقةً إلى يوم القيامة ) )رواه مسلم.
والقُرب من المؤمنِ خير، وزيارته من أجلِّ العبادات، قال المصطفى: (( إذا زَارَ المسلِم أخاه في الله أو عادَه قال الله عزّ وجلّ: طِبتَ وتبوَّأتَ من الجنّة منزلًا ) )رواه أحمد.
وبياضُ لحيته ورأسِه ضياء، فنهى النبي عن نَتفِ الشيب وقال: (( إنه نورُ المسلم ) )رواه الترمذي.
وجميعُ أحواله وتقلُّباته في الدنيا من الأحزانِ والأفراحِ خَيرٌ له، قال المصطفى: (( عَجبًا لأمرِ المؤمِن، إنَّ أمرَه كلَّه خير، وليس ذلك إلا للمؤمن؛ إن أصابَته سراء شكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابَته ضرّاء صَبر فكان خيرًا له ) )رواه مسلم. وأعمالُه الصالحة مُضاعَفةٌ، ومصائبه مكفِّرةٌ لسيئاته، قال عليه الصلاة والسلام: (( ما من مصيبةٍ تصيب المسلمَ إلا كفَّر الله بها عنها، حتى الشوكة يُشاكها ) )متفق عليه. ومرضُه ذُخرٌ له عند ربِّه، يقول النبيُّ: (( مَرضُ المسلم يذهب الله به خطاياه كما تُذهِب النار خبَثَ الذهب والفضّة ) )رواه أبو داود.
وعينَاه فادِيَةٌ له من النار إن فَقَدَهما، قال النبيُّ: (( قال الله عزّ وجلّ: مَن أذهبتُ حَبِيبَتَيه فصَبرَ واحتسَب لم أرضَ له ثوابًا دونَ الجنّة ) )رواه الترمذي. وجَسدُه طاهرٌ حيًّا وميِّتًا، قال النبيُّ: (( إنَّ المسلمَ لا ينجس ) )متفق عليه.
ولا يُغسَّل أحدٌ من ذرّيّة آدم بعد وفاتِه سِوى المسلِم، ومن تبِع جنازَتَه وكان معه حتى يصلَّى عليها ويفرَغَ من دفنِها رجع من الأجر بقيراطين. وكَسرُ عظمِه بعد موته ككسرِه وهو حيٌّ، ودِيتُه على الضِّعف من ديةِ غيره.
ولفضلِ الله عليه أنَّ أعماله الصالحة تجرِي أجورُها له وهو في قبره، (( إذا مات الإنسان انقَطَع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو عِلم يُنتَفَع به، أو ولدٍ صالح يدعو له ) )رواه مسلم. وجنّات النعيم أعِدَّت له، وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ [الشعراء: 90] . والملائكةُ على أبوابِ الجِنان تسلِّم عليهم، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: 24] .
وجماعُ الشّرِّ في احتقارِ المسلم وازدِرائِه، قال النبيُّ: (( بحسبِ امرِئٍ من الشرِّ أن يحقرَ أخاه المسلم ) )رواه مسلم. ولحرمتِه عِندَ الله أمَرَ أن تَكونَ نفسُ المسلم مُطمئنِّةً في الحياةِ، فلا تُراعُ ولا تؤذى، بل كلُّ أمرٍ يخشى أن يناله أذى منه نهى الله عنه، قال النبيّ: (( من مرَّ في شيءٍ من مساجدنا أو أسواقِنا ومعه نبلٌ فليمسِكْه أو ليقبِضْ على نِصالها بكفِّه أن يصيبَ أحدًا من المسلمين منها بشيءٍ ) )متّفق عليه.
والملائكةُ تَلعَن من أشار على مسلمٍ بحديدة، قال الرسول: (( من أشارَ إلى أخيهِ بحديدةٍ فإنَّ الملائكةَ تلعنه حتى ينزع وإن كان أخاه لأبيه وأمِّه ) )رواه مسلم. قال النوويّ رحمه الله:"ترويع المسلم حرام بكلِّ حالٍ".
ونهى النبيُّ عن كلِّ فعلٍ يحزنه فقال: (( إذا كنتُم ثلاثةً فلا يتناجَ اثنان دونَ الآخر حتى تختَلِطوا بالناس من أجلِ أنَّ ذلك يحزِنُه ) )متّفق عليه.
وإن وَقَعَت منه هنّةٌ أو هَفوة فالسِّترُ عليه سِترٌ يومَ القيامة، قال المصطفى: (( ومَن سَتَر مسلمًا سَتَره الله يومَ القيامة ) )متفق عليه. وإذا تكالَبَت عليه النوائِبُ فأزِيلَت عنه كُربةٌ انفَرَجَت على من أَعانَه كربةٌ يومَ القيامة، قال النبيُّ: (( ومن فرَّج عن مسلمٍ كربةً فرَّج الله عنه كربةً من كرَب يوم القيامة ) )متفق عليه.
وأذِيَّتُه باللسانِ محرَّمة، قال عليه الصلاة والسلام: (( قتالُ المسلم كُفر وسِبابه فسوقٌ ) )متفق عليه. ولَعنُه كقتلِه، قال النبيُّ: (( لَعنُ المؤمن كقَتلِه ) )متفق عليه. ومَن قَذَفَه بغير بيِّنةٍ جُلِد ثمانين جلدة، وتوعَّد الله من آذاه بالنكال والعذاب فقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا أي: عذبوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج: 10] .
ومالُ المسلم مصانٌ لا يُسلب ولا يُنهَب ولا يغتصب، (( كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمُه وماله وعرضه ) )رواه مسلم. ومن حَلَفَ يمينًا بغيرِ حقٍّ ليأخُذَ مالَ أخيه المسلم أكبَّه الله في النارِ، قال عليه الصلاة والسلام: (( من اقتطَع حقَّ امرئ مسلم بيمينِه فقد أوجب الله له النارَ وحرَّم عليه الجنّة ) )، فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: (( وإن قَضِيبًا من أراك ) )رواه مسلم. ومالُه محترَمٌ بعد مماته، فلا يحِلّ ماله لأحدٍ إلا لورثته ممن كان على الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام: (( لا يرِث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم ) )متفق عليه.
وأمّا دِماء المسلمين فشأنها عندَ الله عظيمٌ، هي أوّلُ ما يفصَل فيها في الخصومات؛ لعظيم أمرِها وكثير خطَرِها، قال عليه الصلاة والسلام: (( أوَّلُ ما يقضى بين الناس يوم القيامةِ في الدماء ) )متفق عليه. ودمُ المسلم أعزّ الدماء عند الله، قال عليه الصلاة والسلام: (( لَزوالُ الدنيا أهون على الله من قتلِ رجلٍ مسلم ) )رواه الترمذي. قال الطيبيّ رحمه الله:"مَن حاول قتلَ من خُلقت الدنيا لأجلِه فقد حاول زَوالَ الدنيا". والتعدِّي على النفس المسلمة الواحدة تعدٍّ على الخلقِ كلِّهم، قال عزّ وجلّ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة: 32] .
ودمُ المسلِمِ لا يُستباح إلا بإحدَى ثلاثٍ، قال عليه الصلاة والسلام: (( لا يحلّ دمُ امرئٍ مسلِم يشهد أن لا إلهَ إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النّفسُ بالنفس، والثيِّب الزاني، والتاركُ لدِينِه المفارق للجماعة ) )متفق عليه.
وسَفكُ دمِ المسلم موجِبٌ لغضب الله ولعنتِه، قال جلّ وعلا: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: 93] . قال القرطبي رحمه الله:"ليس بعد الكفر أعظَم مِن قتل النفس بغير حقّ".
أيّها المسلمون، ومع علوِّ مكانة المسلمين الموحِّدين عند الله إلاّ أنَّ دماءهم تنزِف في بلدانٍ ليلًا ونهارًا سِرًّا وجهارًا، يُصبح الرّجلُ خائفًا ويمسِي جَريحًا، ويمسي حَزينًا ويصبِح قتيلًا، تُسلَب الأموال، وتُنتَهبُ الممتلكات، وتُتلَف الخيرات، وتغتَصَب المدَّخرات، وتقتَل الذَّراري، وترمَّل النساء، ويُيَتَّم الصبيان، ويُسقَم الصحيح، ويفقر الغنيّ، ويؤسَر الحرّ، ويُستَذَلّ العزيز، وتُبدَّل الشرائع، وتطمَس معالم الدّين.
أخبارٌ متوالِية مفجِعَة، وأحداثٌ متتالِيَة موجِعة، ألا فليكفَّ الجميعُ عن إراقةِ دِماء المسلمين، وليرجِعوا إلى رُشدهم، ولينبُذوا الظلمَ، ولينهَلوا من منبع العدل والإسلام، وليعمَلوا بوصيّة النبيّ: (( لا ترجِعوا بعدي كفّارًا يضرِب بعضكم رقابَ بعض ) )متفق عليه.
ولقد عاشَ غيرُ المسلمين أحقابًا مِن الزمان تحت رايَةِ المسلمين بأمنٍ وأمان واطمِئنان وحقٍّ محفوظ لهم من غير بخسٍ ولا ظلم ولا قتل، فلِمَ لا يُنشَر الأمنُ والرّغَد على الشعوبِ المسلمة لتعبدَ ربَّها كما أمر وتُسدِيَ الخيرَ للشعوب كافَّة؟! واللهُ مطَّلِع على من ظَلَم، وأخذُه أليمٌ شَديد، ونصرُه للمستضعفين إذا التَجَؤوا إليه قريبٌ.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: 12] .
بارك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله على إحسانهِ، والشكر له على توفِيقِه وامتنانِه، وأشهد أن لا إلهَ إلاّ الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشَأنِه، وأشهد أنَّ نبيَّنا محمّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمّا بعد: أيّها المسلمون، الأيّامُ والليالي يسافِر العبد فيها إلى ربِّه، وكلُّ يومٍ وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلةً بعد مرحلةٍ حتى ينتهيَ سَفرُه ويُطوَى عمره، والكيِّسُ الفَطِن هو الذي يجعَلُ كلَّ مرحلة نصبَ عينَيه، فيعطيها حقَّها من العِبادة والطاعة والبَذلِ والإحسان، ومن تيقَّن قِصَر الحياة وسرعة انقِضائها هانَ عليه العملُ، والطالبُ الصادق في طَلَبِه كلَّما نَقَص شيءٌ مِن دُنياه جعله زيادةً في آخرَتِه، وكلّما مُنِع شيئًا من لذّاتِ دُنياه جعَلَه زيادةً في لذّات آخرته، وكلّما نالَه همٌّ أو غَمّ جعَلَه في أفراحِ آخرته.
ثم اعلَموا أنَّ الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيِّه، فقال في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] .
اللّهمّ صلِّ وسلِّم وزِد وبارك على نبيِّنا محمّد، وارض اللّهمّ عن خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحكم وبه كانوا يعدلون: أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ...