فهرس الكتاب

الصفحة 4695 من 5777

فوائد البلاء

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب, موضوعات عامة

الفتن, القضاء والقدر, جرائم وحوادث

محمد بن حمد الخميس

الدمام

جامع الهدى

1-لا يقدر الله على المؤمن قضاء إلا وله فيه خير. 2- فوائد الابتلاء.

ثم أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون، مما لا شك فيه أن المحن محك لا يخطئ، وميزان لا يظلم، وسهم لا يرتد، يكشف عما في القلوب، ويظهر مكنونات الصدور، ويفصح ما سترته النفوس. فالبلاء يختفي معه الرياء وتبدو حقيقة المرء بجلاء.

فقد يظن المرء بنفسه التجرّد والكمال والصدق، فإذا وقعت المحنة وتغير الحال تبين من يبكي ممن يتباكى والصادق من الكاذب والصابر من الجزوع، قال تعالى: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور ِ [آل عمران:154] .

أحبتي في الله، اعلموا أن الله لا يقدّر على المؤمن قضاء إلا وله فيه خير، سواء كان الأمر الذي قدره الله من الأمور المحببة إلى النفوس، أو كان المقدور من الأمور التي تكرهها النفوس، وصدق الله: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:216] .

وسبحان الله! ولو أن الله لم يخلق المنغّصات لم يعرف المنعمون قدر النعم، فلولا المرض ما عرفنا العافية، ولولا الخوف ما شعرنا بأثر الأمن، ولولا الفقر ما عرفنا قدر الغنى، وبضدها تتميز الأشياء، وفي كل أمر من هذه الأمور خير للمؤمنين ولكن أكثرهم لا يعلمون، قال: (( عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له ) )رواه مسلم.

أحبتي في الله، حديثي معكم اليوم عن البلاء، من جانب قليلًا ما نتذكره ونادرًا ما نتدبره. حديثنا عن فوائد البلاء.

أول فائدة للبلاء ـ عافانا الله وإياكم من كل سوء وداء ـ أنه يُقرب العبد من ربه ومولاه؛ فيدعوه ويرجو رحمته، وسبحان مستخرج الدعاء بالبلاء والتضرع باللأواء، قال تعالى: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ [فصلت:51] ، وقال سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [الأنعام:42] . قال وهب بن منبه:"ينزل الله البلاء ليستخرج به الدعاء". وقال تعالى: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف:168] .

لعل عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجسامُ بالعللِ

ومن فوائد البلاء أنه يقرب العبد من الله سبحانه وتعالى؛ قال رسول الله: (( إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمتَ أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟! أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟! ) )رواه مسلم.

سبحان الله! أضاف الله المرض لنفسه تكريمًا للمريض ومواساة له وتخفيفًا عن بلائه، وفوق ذلك هو عنده سبحانه وتعالى، فمن زار مريضًا أو عاد مبتلى فقد وجد الله عنده، وما أعظم هذه المكافأة وما أجمل هذه المنة أن تكون في مكان يتجلى الله سبحانه فيه.

ومن فوائد البلاء أن الله يستخرج به من العبد الشكر على العافية، فإن العبد إذا ابتلي بعد الصحة بالمرض وبعد العافية بالداء تاقت نفسه إلى العافية، فإذا رد الله عليه عافيته لهج بذكره وانطلق لسانه وجوارحه بشكره، وقد أجزل سبحانه للشاكرين العطاء وادّخر لهم عظيم الجزاء، قال سبحانه: وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144] .

نعم أيها الأحبة، يستخرج الله من العبادة عبادة الشكر التي ارتضاها لعباده وحثهم عليها، فقال: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:7] ، وقال سبحانه: وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة:172] .

ومن فوائد البلاء أن فيه تكفيرًا للذنوب والسيئات ورفعًا للدرجات، قال: (( من يُرد الله به خيرًا يصب منه ) )رواه البخاري، وقال: (( ما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة ) )صححه الألباني، وعن أنس عن النبي قال: (( إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه ذنبه حتى يوافى به يوم القيامة ) )صححه الألباني، وقال: (( إذا سبقت للعبد من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ولده أو في ماله، ثم صبّره حتى يبلغ التي سبقت له من الله عز وجل ) )رواه الطبراني بسند حسن والبيهقي، وقال: (( إن العبد ليكون له عند الله المنزلة الرفيعة ما ينالها بعمل، فما يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها ) )حسنه الألباني، وقال رسول الله: (( أبشري يا أم العلاء، فإن مرض المسلم يذهب الله من خطاياه كما تذهب النار خبث الذهب والفضة ) )صححه الألباني.

ومن فوائد البلاء أن يكتب للعبد أجر عمله الذي كان يعمله وهو صحيح، عن أنس قال: قال رسول الله: (( إذا مرض العبد أوحى الله إلى ملائكته: يا ملائكتي، أنا قيّدت عبدي بقيد من قيودي، فإن أقبضه أغفر له، وإن أعافه فجسد مغفور ولا ذنب له ) )أخرجه أحمد وإسناده حسن، وعن أبي هريرة قال: (( إذا مرض العبد المسلم نودي صاحب اليمين أن أجرِ على عبدي صالح ما كان يعمل وهو صحيح، ويقال لصاحب الشمال: أقصر عن عبدي ما دام في وثاقي ) )رواه البيهقي وإسناده صحيح.

ومن فوائد البلاء إصلاح النفوس وتهذيبها، فلو بسط الله لعباده الرزق والنعمة لبغوا في الأرض، قال تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [الشورى:27] . فهو أعلم سبحانه بخلقه وما يصلحهم، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] . قال ابن القيم رحمه الله:"الله خالق الخلق وعالم بما يصلحهم، فلا يصلحهم إلا السراء والضراء، والشدة والرخاء، والقبض والبسط".

ومن فوائد البلاء تمحيص المؤمنين وإظهار المنافقين والمدّعين، قال تعالى: إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران:140] . قال ابن القيم رحمه الله:"فالله يحب أن يرى المؤمن ثابتًا على إيمانه ليزيده إيمانا، يبتليه بعبودية السراء والضراء فيما يحب ويكره، في حال ظفره على عدوه وظفر عدوه عليه، فإن ثبت على الطاعة والعبودية فهو عبده حقًا، وليس ممن يعبد الله على حرف واحدٍ من السراء والنعمة والعافية".

ثم يتخذ الله الشهداء الذين ينالون مغفرة الذنوب والأمن يوم الفزع الأكبر والشفاعة لسبعين من أهل بيتهم ثم الخلود في الجنة، كل ذلك حصل بالبلاء.

أحبتي في الله، إذا كان هذا هو ثواب المبتلى فهل يجوز لنا أن نتمنى البلاء؟!

الجواب: لا؛ فإن النبي نهى عن ذلك، وكان يأمرنا بسؤال الله العافية، كما كان يكثر من سؤال الله العافية. وروى مسلم في صحيحه أن رسول الله عاد رجلًا من المسلمين قد خَفَتَ فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله: (( هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟ ) )قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجّله لي في الدنيا، فقال رسول الله: (( سبحان الله! لا تطيقه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟! ) )قال: فدعا الله له، فشفاه.

وعن حارثة بن مضرب قال: أتينا خبابا نعوده فقال: لقد طال سقمي، ولولا أني سمعت رسول الله يقول: (( لا تتمنوا الموت ) )لتمنيته. وقال: إن العبد ليؤجر في نفقته كلها إلا التراب.، أو قال: في البناء.

ومن فوائد البلاء أن الله كافأ المبتلين الصابرين بمكافآت عظيمة، فقال: أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:157] . يرفعهم الله بها إلى المشاركة في نصيب نبيه الذي يصلي عليه هو وملائكته. وفي الأثر: إن الله جل جلاله يُعطي يوم القيامة كل ذي حق حقه إلا الصابرين، فإنه يَصبُّ عليهم الثواب صبًّا، مصداقًا لقوله تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] . قال الإمام الأوزاعي:"لا يُوزن لهم ولا يُكال، وإنما يُغرف لهم غرفًا".

فاللهم اجعلنا من الصابرين المحتسبين في أجرك وثوابك يوم القيامة، وأنت خير المجيبين...

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت