العلم والدعوة والجهاد
القتال والجهاد
ناصر المهدي
الرياض
غير محدد
1-دعوة للتدبر في قصص الصراع بين الحق والباطل قديمًا. 2- نواميس الصراع كما ذكرها
القرآن. 3- أحوال الكافرين حين ينتصر الإسلام. 4- الكفار يريدون استئصال الإسلام. 5-
عقوبة الله القدرية تنزل بالكافرين إذا أرادوا استئصال الإسلام والمسلمين. 6- الهجمة الغربية
الصليبية على الإسلام.
أما بعد:
فأوصيكم ـ أيها الناس ونفسي ـ بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله، فتقوى الله فرج ورزق، وعلم وقرب، وحسن عاقبة.
أيها المسلمون، الأمة تحتاج بشدة أن تراجع مواقفها من قرآنها فهو كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءايَـ?تُهُ ثُمَّ فُصّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1] ، أنزل ليُتدبر كِتَـ?بٌ أَنزَلْنَـ?هُ إِلَيْكَ مُبَـ?رَكٌ لّيَدَّبَّرُواْ ءايَـ?تِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو ?لاْلْبَـ?بِ [ص:29] ، كامل شامل وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ?لْكِتَـ?بَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء [النحل:89] ، لكل شيئ: كل ما تحتاجه البشرية من علوم ومعارف، وبصائر وحكم، ومواقف وقوانين، ونواميس وسنن ربانية لا يحيد عنها الكون بما فيه قيد أنملة، ومن واجبنا جميعًا أن نتعرف عليها ونتدبرها، وأن نفهمها ونستفيد منها، كِتَـ?بٌ أَنزَلْنَـ?هُ إِلَيْكَ مُبَـ?رَكٌ لّيَدَّبَّرُواْ ءايَـ?تِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو ?لاْلْبَـ?بِ [ص:29] .
وبشيء من العجلة والاختصار الشديد، نمر على بعض هذه النواميس القرآنية والقوانين الإلهية، الحاكمة لحركة الكون وما فيه:
أولًا: لا يحدث شيئ في الكون كله ـ قديمًا أو حديثًا أو مستقبلًا ـ صغيرًا أو كبيرًا إلا بقدر الله وعلمه، وحكمته وإذنه، وتدبيره وأمره، قال تعالى إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـ?هُ بِقَدَرٍ [القمر:49] ، وقال تعالى: صُنْعَ ?للَّهِ ?لَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء [النمل:88] ، وقال جل وعلا: مَّا فَرَّطْنَا فِى ?لكِتَـ?بِ مِن شَىْء [الأنعام:38] .
ثانيًا: خلق الله الإنسان للابتلاء، ومنحة نعمة الاختيار، ومن ثمَّ اختلف الناس إلى مؤمن وكافر، قال تعالى: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ ?لنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذ?لِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ?لْجِنَّةِ وَ?لنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:118، 119] .
ثالثًا: الصراع بين الحق والباطل قائم ومستمر، والعدوان يقع بصفة مستمرة من الباطل على الحق، وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـ?تِلُونَكُمْ حَتَّى? يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ [البقرة:217] .
رابعًا: الحق أتباعه الأنبياء والمرسلون، والعلماء الربانيون، والدعاة المصلحون، والأتباع المخلصون، والباطل أتباعه الشيطان والجبارون، والطواغيت والمجرمون وعملاؤه المأجورون.
خامسًا: هدف أهل الحق إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهدف أهل الباطل إخراج الناس من النور إلى الظلمات، قال تعالى: ?للَّهُ وَلِيُّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ ?لظُّلُمَـ?تِ إِلَى ?لنُّورِ وَ?لَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ ?لطَّـ?غُوتُ يُخْرِجُونَهُم مّنَ ?لنُّورِ إِلَى ?لظُّلُمَـ?تِ أُوْلَئِكَ أَصْحَـ?بُ ?لنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـ?لِدُونَ [البقرة:257] .
سادسًا: الله جل جلاله يتولى أهل الحق وينصرهم في صراعهم مع أهل الباطل، قال تعالى: كَتَبَ ?للَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى إِنَّ ?للَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:21] ، وقال تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ?لأَشْهَـ?دُ [غافر:51] .
سابعًا: إذا انتصر الحق وعلا أهله، فلا إكراه في الدين، ولا استئصال للكافرين، قال تعالى: وَقُلِ ?لْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كَ?لْمُهْلِ يَشْوِى ?لْوجُوهَ بِئْسَ ?لشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:29] ، وقال تعالى: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى ?لأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ?لنَّاسَ حَتَّى? يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [يونس:99] ، وإذا كان للباطل صولة وجولة، وعلو في الأرض، فإنهم يتنادون لاستئصال الحق وأهله، وعندها ينزل عليهم عذاب يستأصلهم كليًا أو جزئيًا، وسيأتي مزيد بيان لهذه السنة الربانية الهامة.
ثامنًا: لليهود عُلوّان إفساديان كبيران وَقَضَيْنَا إِلَى? بَنِى إِسْر?ءيلَ فِى ?لْكِتَـ?بِ لَتُفْسِدُنَّ فِى ?لأرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء:4] ، وقد أخبر الله عن نهاية العلو الأول بقوله تعالى: فَإِذَا جَآء وَعْدُ أُولَـ?هُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَـ?لَ ?لدّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا [الإسراء:5] ، إذن فقد تم العلو الأول وانتهى، وهم الآن ولا شك يعيشون علوًا إفساديًا كبيرًا، وهو الثاني والأخير، قال تعالى في آخر سورة الكهف فَإِذَا جَاء وَعْدُ ?لآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا [الإسراء:104] ، وهو ما حصل ويحصل الآن.
تاسعًا: من أشهر وأكبر وأخطر أساليب اليهود الإفسادية والتي برعوا فيها، وعلوا بسببها، إشعال الحروب بين الأمم، قال تعالى: وَقَالَتِ ?لْيَهُودُ يَدُ ?للَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طُغْيَـ?نًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ?لْعَدَاوَةَ وَ?لْبَغْضَاء إِلَى? يَوْمِ ?لْقِيَـ?مَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ?للَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ?لأرْضِ فَسَادًا وَ?للَّهُ لاَ يُحِبُّ ?لْمُفْسِدِينَ [المائدة:64] ، ومن الثابت تاريخيًا أن اليهود هم الذين كانوا وراء إشعال نار الحروب العالمية الأولى والثانية وما بعدها.
عاشرًا: من أخص خصائص اليهود أنهم لا يقومون بأنفسهم ألبتة، بل لا بد دائما ً من اعتمادهم على غيرهم من الأمم، قال تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ?لذّلَّةُ وَ?لْمَسْكَنَةُ وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ ?للَّهِ [البقرة:61] .
ومن لوازم هذا العلو الإفسادي الكبير عندهم، إقامة الهيكل المزعوم، والذي كان من المقرر له حسب خطتهم أن ينفذ عام 1997 للميلاد استعدادًا للألفية السعيدة، لكن الانتفاضة الأولى التي جرت عام 1996 م أخرته قليلًا، ثم جاءت الانتفاضة الثانية المباركة، انتفاضة رجب، لتجعل اليهود في حيرة من أمرهم، وليلجئوا بعدها إلى حيلة يهودية قذرة، يصيدون بها عصافير كثيرة، هذه الحيلة هي تلك اللعبة المشهورة بين القط والفأر والكلب، وتوزيع الأدوار فيها معروف، فالفأر الخسيس هو اليهود، والقط المسكين هو العالم الإسلامي كله، والكلب الضخم المغفل هو العالم الصليبي الضال، فما على الفأر إلا أن يفتعل حركة ذكية ـ تمامًا كما في أفلام الكرتون ـ ليوقع بها بين الكلب والقط، ومن ثمّ فلا مانع أن تكون هذه الحركة شديدة الإيذاء للكلب المغفل إذا كان سيتبعها استئصال القط نهائيًا.
لذلك ـ أحبتي ـ ترون وتسمعون وتقرؤون عن هذه الحملة الصهيونية الإعلامية الضخمة، المدروسة المتقنة لإلصاق التهمة بالمسلمين جميعًا، ولإثارة عدوان العالم الصليبي على العالم الإسلامي كله، خصوصًا هذه البلاد المباركة حفظها الله وحماها، ووفق قادتها لما يحب ويرضى.
وعلى تقدير أن الكلب الصليبي المغفل انطلت عليه الحيلة ووقع في فخ اليهود ـ ودائمًا ما يقع ـ وعزم على استئصال الإسلام والمسلمين من الأرض كلها، فإن معنى ذلك حسب سنة الله التي لا تتبدل ولا تتحول ولا تتخلف، أن يستأصلهم الله كما أشرت سابقًا، كليًا أو جزئيًا، وهذا أوان التبيان الذي سبق أن وعدت به آنفًا، فاسمعوا وتدبروا معي هذا السياق القرآني البديع.
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ?لَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَ?لَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ?للَّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِ?لْبَيّنَـ?تِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ?للَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَـ?نٍ مُّبِينٍ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ وَلَـ?كِنَّ ?للَّهَ يَمُنُّ عَلَى? مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَـ?نٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ?للَّهِ وَعلَى ?للَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ?لْمُؤْمِنُونَ وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ?للَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى? مَا اذَيْتُمُونَا وَعَلَى ?للَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ?لْمُتَوَكّلُونَ وَقَالَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا فَأَوْحَى? إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ?لظَّـ?لِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ?لأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذ?لِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ وَ?سْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى? مِن مَّاء صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ ?لْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ مَّثَلُ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ?شْتَدَّتْ بِهِ ?لرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى? شَىْء ذ?لِكَ هُوَ ?لضَّلاَلُ ?لْبَعِيدُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ?للَّهَ خَلَقَ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لارْضَ بِ?لْحقّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذ?لِكَ عَلَى ?للَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم:9] .
هذا السياق القرآني الرائع، يتناول الفصل الأخير من قصة الصراع المتكررة، بين الحق المستضعف بقيادة الرسل وأتباعهم والباطل المستعلي المتجبر بقيادة الطواغيت وأعوانهم، وقلت سابقًا أنه عندما يكون الحق ظاهرًا مستعليًا، والباطل ضعيف مقهور، فإن الله تعالى ينهى المؤمنين عن إجبار الكفار على الإيمان، ينهاهم لأنه تعالى لم يشأ أن يجعل أهل الأرض كلهم مؤمنين، أو حتى كافرين، وإنما شاء أن يكونوا مختارين، ليتحقق الابتلاء بينهم، وليستمر الصراع الذي به يتم الابتلاء، وَقُلِ ?لْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كَ?لْمُهْلِ يَشْوِى ?لْوجُوهَ بِئْسَ ?لشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:29] ، لا إِكْرَاهَ فِى ?لدّينِ قَد تَّبَيَّنَ ?لرُّشْدُ مِنَ ?لْغَيّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِ?لطَّـ?غُوتِ وَيُؤْمِن بِ?للَّهِ فَقَدِ ?سْتَمْسَكَ بِ?لْعُرْوَةِ ?لْوُثْقَى? لاَ ?نفِصَامَ لَهَا وَ?للَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:256] ، وهذا المعنى الجليل ورد أيضًا في آخر السياق الطويل البليغ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ?للَّهَ خَلَقَ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لارْضَ بِ?لْحقّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذ?لِكَ عَلَى ?للَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم:19، 20] ، أي لو شاء الله أن يجعل أهل الأرض كلهم مؤمنين فقط لفعل، ومن ثم وحسب هذه السنة الربانية الحكيمة، لا يحق لأحد الفريقين المتصارعين أن يستأصل الآخر من الأرض، بل يترك الناسُ حسب اختيارهم لأديانهم ومللهم، ولا يفهم من هذا ترك الجهاد في سبيل الله، فالجهاد إنما شرع لإزالة العوائق من أمام تبليغ دين الله، لا لفرضه بالقوة، ولا يفهم من هذا أيضًا، عدم قتل المرتد عن دين الله، لأنه قد أساء إلى جناب الدين، قبل أن يسيئ إلى نفسه بالردة، فهو كان مخيرًا ألاّ يدخل في الإسلام إلا عن قناعة تامة، ومن ثمّ إذا ارتد بعد ذلك فقد أساء إلى الدين أشد الإساءة، فلذلك من بدل دينه فاقتلوه، علمًا بأنه يستتاب قبلها ثلاثًا.
ونعود إلى السياق الكريم الحكيم، الذي اشتمل على قصص كل الرسل السابقين والذين كانوا على رأس قلة مؤمنة مستضعفة، وكان الطاغوت على رأس كثرة غالبة مستكبرة، فبدأً بنوح وعاد وثمود وعطف بمن بعدهم من الأمم الأقوام الذين لا يعلمهم إلا الله، هؤلاء جميعًا كانت لهم قصة واحدة، تصدق عليهم جميعًا، وعلى جميع الأمم التي من بعدهم، على الرغم من اختلاف البيئة، وتباين الشعوب، وتباعد الأزمنة والأمكنة، فتجد أن السياق الكريم يذكر حوارًا موحدًا بين الرسل وبين أقوامهم المستكبرين، فجميعهم فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ [إبراهيم:9] .
ويلحظ من الحوار إصرار الكفار على موقفهم، واعتمادهم فيما بعد على قوتهم، ويستمر الصراع ويشتد الأذى على الرسل وأتباعهم، نتيجة ميل ميزان القوى بشدة لصالح الكافرين، ولا يجد المؤمنون وسيلة إلا الصبر والتوكل على الله وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى? مَا اذَيْتُمُونَا وَعَلَى ?للَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ?لْمُتَوَكّلُونَ [إبراهيم:12] ، أما إذا اشتد الأذى وزاد، إلى الدرجة التي تجعل الكفار يضعون الرسل وأتباعهم بين خيارين لا ثالث لهما، إما النفي والإهلاك وإما العودة إلى دين الكفار وملتهم، وبمعنى أوضح (إما أن نكون معهم أو ضدهم) فعندها تكون نهايتهم قد حانت بإذن الله وقدرة، وَقَالَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا فَأَوْحَى? إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ?لظَّـ?لِمِينَ [إبراهيم:13] ، لنهلكن الظالمين، أي إذا نفذوا تهديدهم لنهلكنهم بعذاب استئصالي كلي أو جزيء قال تعالى عن فرعون الطاغية: فَ?سْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَـ?سِقِينَ فَلَمَّا ءاسَفُونَا ?نتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـ?هُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَـ?هُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لّلأَخِرِينَ [الزخرف:54-56] .
بارك الله لي ولكم في...
الحمد لله وكفى وسلامٌ علىعباده الذين اصطفى، وبعد فنتابع سويًا المشهد الأخير من الصراع، والذي لم يتخلف ولا مرة واحدة عن نهاية أي صراع بين الرسل وبين أقوامهم المستكبرين، فجميع الأقوام الكافرة وبدون استثناء طلبوا أخيرًا المفاصلة النهائية قال تعالى في تكملةٍ لذلك السياق البليغ وَ?سْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم:15] ، والمعنى أن الكفار المستكبرين، المغرورين بقوتهم، قد طلبوا الفتح النهائي والشامل، وبمعنى أوضح فإنهم قد شرعوا في تنفيذ خطتهم الاستراتيجية العليا لاستئصال المؤمنين، والباطل وأهله عندما يُقدم على هذا مغرورًا بقوته وجبروته، يريدون ليطفئوا نور الله، فإنهم يكونون بذلك قد تعدوا الخط الأحمر، الذي رسمه الله تعالى في حلبة الصراع بين الفريقين، وحيث إنهم لن يتوقفوا من تلقاء أنفسهم، فإن الله يوقفهم بعذاب يستأصلهم كليًا أو جزئيًا.
والملاحظ أن الكفار المستفتحون، حين يعلنون الحرب النهائية على كل المؤمنين في كل الأرض، يكونون في أوج قوتهم وعظمتهم، وعلى ثقة كاملة أن خطة الاستفتاح ستنجح، فالينابيع قد جففت، والشهوات قد أججت، والشبهات قد نشرت، والأموال قد رصدت، والقوات قد حشدت، والإعلام قد أرجف وهول وطبل، والطغيان قد وصل إلى منتهاه، ويكون المؤمنون المستهدفون قلة وضعفاء، لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم.
ويغلب على ظني أننا نعيش اليوم في هذه المرحلة، من الفصل الأخير من هذا الصراع الطويل المرير، وما هذه الحملة الإعلامية الصهيونية التي يشنها الإعلام الغربي المسير على المسلمين بصفة عامة ،والعرب بصفة خاصة، وأهل هذه البلاد بصفة أخص، إلا نوع من أنواع التطير قال تعالى: قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُواْ طَـ?ئِرُكُم مَّعَكُمْ أَءن ذُكّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ [يس:18، 19] .
واستمعوا عباد الله لهذا السياق القرآني الرائع وكيف يبرز صلف وعنجهية الطغاة في المراحل النهائية من الصراع فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِى ?لْمَدَائِنِ حَـ?شِرِينَ إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَـ?ذِرُونَ فَأَخْرَجْنَـ?هُمْ مّن جَنَّـ?تٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَـ?هَا بَنِى إِسْر?ءيلَ فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ فَلَمَّا تَرَاءا ?لْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَـ?بُ مُوسَى? إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى? مُوسَى أَنِ ?ضْرِب بّعَصَاكَ ?لْبَحْرَ فَ?نفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَ?لطَّوْدِ ?لْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ?لاْخَرِينَ وَأَنجَيْنَا مُوسَى? وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا ?لاْخَرِينَ إِنَّ فِى ذَلِكَ لايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ?لْعَزِيزُ ?لرَّحِيمُ [الشعراء:53-68] .
عباد الله، لقد استفتح علينا الإعلام الغربي الصليبي المسير، وتطيروا بنا، وحذروا منا، وألبوا علينا، وأصبح كل مسلم ومسلمة عرضة للأذى، وصارت كل دولة تدين بالإسلام عرضة للاتهام بالإرهاب، وما أخبار إخواننا المغتربين عنكم ببعيد، لقد كشف الأعداء قناعهم المزيف، وظهر وجههم الحقيقي الكالح.
أيها الأعداء، إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ ?لْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ?للَّهَ مَعَ ?لْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:19] .
أيها الكفار الأشرار، أبشروا بالحسرة والهزيمة وبئس المصير إِنَّ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْو?لَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ?للَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَ?لَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى? جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36] .
حقًا يا عباد الله، لقد استفتح الأعداء، والخيبة موعود كل جبار عنيد، فأسأل الله العظيم، رب العرش الكريم أن ييسر لنا حديثًا قريبًا عن هذه الخيبة وقد تحققت، بإذنه وحوله وقوته، وما ذلك على الله بعزيز، فهو القائل سبحانه: ?سْتِكْبَارًا فِى ?لأرْضِ وَمَكْرَ ?لسَّيّىء وَلاَ يَحِيقُ ?لْمَكْرُ ?لسَّيّىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلاْوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ?للَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ?للَّهِ تَحْوِيلًا أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ?لأرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـ?قِبَةُ ?لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ ?للَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَىْء فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَلاَ فِى ?لأرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا r وَلَوْ يُؤَاخِذُ ?للَّهُ ?لنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى? ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَـ?كِن يُؤَخّرُهُمْ إِلَى? أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ?للَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا [فاطر:43-45] ، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
عباد الله، الأمة جمعاء في أمسّ الحاجة لكي تراجع مواقفها من قرآنها، أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ?لْقُرْءانَ أَمْ عَلَى? قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] ، أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ?لْقُرْءانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ?للَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ?خْتِلَـ?فًا كَثِيرًا [النساء:82] .
ثم صلوا ـ عباد الله ـ على خير خلق الله...