فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 5777

تفسير سورة الأعلى

العلم والدعوة والجهاد

القرآن والتفسير

عبد الله بن صالح القصير

الرياض

جامع الأمير متعب

1-فضيلة التسبيح وبعض أذكاره 2- حفظ الله للقرآن في صدر نبيّه 3- تعليق الأمور

المستقبلة بمشيئة الله

أما بعد:

فيا أيها الناس! اتقوا الله تعالى حق تقاته، وتدبروا ما أنزل إليكم من حكمه وآياته؛ فإن الله تعالى لم يخلقكم عبثًا، ولم يضرب عنكم الذكر صفحًا، بل خلقكم لمعرفته وعبادته، وأمركم بتوحيده وطاعته ،أوجب ذلك عليكم في خاصة أنفسكم ،وأمركم أن تأمروا به تجاهدوا عليه أهلكم وأولادكم، وقال سبحانه: من عمل صالحًا ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحييه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [سورة النحل:97] ، ووعد سبحانه المؤمنين الصالحين من الآباء والأبناء بأن يجمعهم في الجنة دار النعيم والتكريم، فقال: والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين [سورة الطور:21] ، وقال جل ذكره: جنات عدن يدخلونها ومن صلح من ءابائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار [سورة الرعد:23-24] . فأطيعوا الله فيما أمركم من التوحيد والاستقامة ينجز لكم ما وعدكم من النزل والكرامة.

عباد الله: كان من هدي نبيكم محمد أنه يستحب قراءة سور المسبحات، وخاصة سورة سبح اسم ربك الأعلى ، في المجامع العظام كالجمعة والعيد؛ وهما من شعائر الإسلام وذلك لما اشتملت عليه من جلي الحكم والأحكام؛ والمواعظ، والتذكرة لأهل الإسلام بجليل الإنعام، وحقوق الملك القدوس السلام.

وسورة الأعلى افتتحت بقول الله جل وعلا: سبح اسم ربك الأعلى [ سورة الأعلى:1] . وفي الصحيحين أن رسول الله قال: (( من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ) ). وفي صحيح مسلم عن النبي أن: (( من سبح الله في يوم مائة تسبيحة كتبت عنه ألف حسنة وحط عنه ألف خطيئة ) ). وأخبر أن التسبيح يقوم مقام الصدقة بالمال، وخاصة الفقراء الذين لا مال لهم فقال: (( إن بكل تسبيحة صدقة ) ). وأخبر أن التسبيح والتكبير والتحميد دبر الصلوات مما يلحق به الفقراء من قصَّر فيه أو جهله من أهل الصدقات، وأن التسبيح عند النوم يخفف الآلام ويلطف المشاق العظام، كما أرشد فاطمة وعليًا رضي الله عنهما أن يقولا ذلك عند النوم، وقال: (( هو خير لكما من خادم ) ). فهن كلمات يسيرة وأجورهن كثيرة، ولكن لا يقولهن إلا القليل من القوم؛ لأن الشيطان يأتي أحدهم فيلقي عليه النوم.

أيها المسلمون: ولما نزلت: سبح اسم ربك الأعلى ، قال النبي: (( اجعلوها في سجودكم ) )، وكان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: (( سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي ) )، يتأول القرآن؛ أي يفعل ما أمر به من الرحمن.

أيها المسلمون: وأما قوله سبحانه: الذي خلق فسوى [سورة الأعلى:2] . أي الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم واختصه بما فضل به على غيره من التكريم، وأعظم ذلك أن هداه إلى الدين القويم، وأرشده إلى الصراط المستقيم، الموصل إلى رضوانه وجنات النعيم، وهو سبحانه أيضا خلق المخلوقات كلها في غاية من الإتقان والإحسان، صنع الله الذي أتقن كل شيء.

وقوله: والذي قدر فهدى [سورة الأعلى:3] . أي خلق كل شيء بمقادير مضبوطة ولحكم محكمة، فقدر سبحانه تقديرًا تتبعه جميع المقدرات، وهدى إلى ذلك جميع المخلوقات، وتلك هداية عامة مضمونها أنه هدى كل مخلوق لمصلحته، وتذكر العباد بجلائل نعمه، وعموم فضله، وواسع رحمته.

ومن ذلك أنه: والذي أخرج المرعى [سورة الأعلى:4] . أي بما أنزل من السماء ماءً رزقًا لسائر الأحياء، فأنبت به أصناف النباتات، وأخرج به من كل الثمرات، فرتع فيه الناس والبهائم وجميع الحيوانات، فكان ذلك من سابغ أن استكمل ما قدر له من الشباب النمو والاستواء يسر له من الأسباب ما ألوى نباته ووضح عشبه: فجعله غثاءً أحوى [سورة الأعلى:5] .أي قد اسود فأصبح هشيمًا تذروه الرياح؛ وكان الله على كل شيء مقتدرًا، وهكذا دنيا الناس عمرها معهم وعمرهم فيها عمر هذا النبات ،فما تكاد تجتمع وتحلو فيها المتعة إلا وقد صارت إلى شتات، وكم في ذلك من بليغ العبر والعظات.

أيها المسلمون: ومن نعم الله الدينية على رسوله ونبيه والمؤمنين به من هذه الأمة المحمدية ما أشار إليه بقوله: سنقرئك فلا تنسى [سورة الأعلى:6] . أي سنحفظ ما أوحينا إليك من هذا الكتاب ونوعيه قلبك على أميتك فلا تنسى منه شيئًا؛ فبشره الله بأنه سيعلمه علمًا لا ينساه، وكان في أول الوحي إذا قرأ عليه جبريل عليه السلام الوحي يحرك شفتيه فيقرأ مع جبريل خشية النسيان، فقال تعالى: لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرءانه فإذا قرأناه فاتبع قرءانه ثم إن علينا بيانه [سورة القيامة:16-19] . فأوحى له تعالى أن يستمع وينصت لجبريل حين يتلو عليه الوحي، ووعده أن يجمعه له في صدره ثم يقرأه فلا ينسى منه شيئًا، وقد صدق سبحانه عبده وأنجز وعده.

وأما قوله سبحانه: إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى [سورة الأعلى:7] . فالمعنى أنك لا تنسى إلا ما اقتضت حكمة الله أن ينسيك إياه لمصلحة وحكمة بالغة؛ لكون هذا الشيء منسوخًا أو مبدلًا بخير منه، كما قال سبحانه: ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها [سورة البقرة:106] .

وفي ضمن ذلك تعليم لكل مسلم أن لا يعد بشيء مستقبلًا إلا معلقا بالمشيئة كما قال تعالى: ولا تقولن لشىء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله [سورة الكهف:23-24] . وهو سبحانه يعلم ما يصلح عباده، وقد هداهم لما فيه صلاحهم وفلاحهم في معاشهم ومعادهم، ويعلم لذلك سرائرهم وعلانيتهم، وما انطوت عليه ضمائرهم، وفي ذلك حث على سلامة الصدور، وإخلاص النية والنصح للعباد في جميع الأمور.

وأما قوله سبحانه: ونيسرك لليسرى [سورة الأعلى:8] . فهذه بشارة أخرى أن الله تعالى ييسر رسوله لليسرى في جميع أموره، ويجعل دينه وشرعه سمحًا ميسرًا، وقد وفَّى تبارك وتعالى بذلك فشرع للمسلم الصلاة قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنب، فإن لم يستطع فيومئ برأسه إيماءً، وشرع الصيام للصحيح المقيم القادر، ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام آخر، ومن لم يستطع الصيام لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فيطعم عن كل يوم مسكينًا، وشرع الله التيمم لمن لم يجد ما يتطهر به أو عجز عن استعماله، فإن لم يستطع صلى على حسب حاله، وهكذا كل دين الله ميسر ليس فيه عسر وما جعل عليكم في الدين من حرج [سورة الحج:78] . يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [البقرة:185] . يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا [سورة النساء:26-28] .

فاشكروا الله على أن خلقكم في أحسن تقويم، وأرسل لكم خير خلقه محمدًا النبي الكريم، وهداكم إلى الصراط المستقيم والدين القويم، ووعدكم على ذلك جنات النعيم ورضوانه، وهو الرب الكريم.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين والمؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم؛ إنه هو الغفور الرحيم.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت