الأسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد
الإعلام, قضايا المجتمع
عبد المحسن بن مريسي الحارثي
جدة
جامع الحربي
1-خطر التغريب. 2- الحرب الإعلامية. 3- ترويج الإعلام للبرامج الفاسدة. 4- سفول الهمم. 5- برنامج:"العار أكاديمي". 6- رواج هذا البرنامج في جميع الأوساط. 7- برنامج:"بيق براذر". 8- مفاسد هذه البرامج الخبيثة. 9- الواجب تجاه هذه البرامج الغازية.
عباد الله، تعلمون جميعًا أن أخطر ما يواجه الأسرة المسلمة تلك المحاولات التغريبية الخبيثة التي تعمل وتجنّد كلّ طاقاتها لهدم الأسرة المسلمة، وإبعادها عن طريق الإسلام وتعاليمه ومعتقداته، تريد أن ترميَ بها في مستنقعات الرذيلة والفساد.
فأصبح قادة ذلك الفكر الهدام يركزون جهدهم من خلال وسائل الإعلام المختلفة المسموعة والمرئية وخاصة التلفاز، فذاك أكثر تأثيرًا في النفوس، وأكثر هيمنة على العقول، وهو الضيف الذي يقتحم البيوت بدون استئذان، فاستطاعوا أن يصلوا إلى مبتغاهم، فأصبحت وسائل الإعلام في كثير من الأقطار الإسلامية والعربية في حال لا يرضي الله عز وجل، وذلك من خلال ما يقدمه مِن نشر ألوان الفساد والانحلال من المسلسلات الماجنة والأغاني والمشاهد الساقطة، وعرض الأزياء الفاضحة، إلى غير ذلك مما تعلمون وتشاهدون وتقرؤون عنه.
ولكن في الوقت الذي تعاني فيه الأمة انتكاسةً في القيَم والمُثل وتتجرع مرارة الانحراف والتفكك، في الوقت الذي تتذوّق فيه الأمة كافة أنواع الهزائم النفسية والاقتصادية والسياسية، في الوقت الذي يُشن على الأمة حربٌ لا هوادة فيها، في هذا الوقت الذي تحتاج فيه الأمة إلى إعلام موجه، فإذا بوسائل الإعلام موجَّهة لا موجِّهة، فأصبحت أجهزة الإعلام تشنّ على الأمة حربًا تهدف إلى هزيمة الأمة أخلاقيًا، تريد أن تقضي على ما تبقّى من أخلاق أبناء الأمة، فظهرت قنوات فضائية تبثّ على الهواء فضائح أخلاقية، جاءت هذه القنوات للطعن في ذلك الجسد الجريح، جاءت تجهز على ذلك الجرح النازف الدامي، جاءت تلك القنوات الفاجرة لتعزف وترقص على جراحات الأمة ومآسيها التي نراها في أقطار الإسلام.
فما أن تخرج الأمة من محنة حتى يشعل لها أعداؤها فتنة ومحنة أخرى، ولقد ظهر مؤخرًا ما يسمى بـ"سوبر ستار"، وهو برنامج خبيث يتنافس فيه شبان وشابات، يتنافسون على الرقص والغناء، يتنافسون على التخنث والبغاء، يتنافسون على إسقاط الفضيلة والحياء ونشر الرذيلة، ثم يصوَّت لساقط أو ساقطة من المتنافسين من كافة أقطار العالم العربي والإسلامي، يصوّت له ليفوز بالجائزة.
ذلك البرنامج الفاسد الذي باركه أعداء الأمة، ورأوا أنه برنامج يحفز على التعايش مع العرب، رأوا فيه الأمل في إيجاد جيل مسلم متسامح مع أعدائه، رأوا أنه يساعد على نسيان قضية مقدَّساتهم وأراضيهم المغتصبة، وقد أظهر هذا البرنامج أمورًا خطيرة جدًّا، من ذلك سفاهة وسذاجة الإعلام العربي في كثير من البلاد العربية، وذلك من خلال اهتمامة بذلك الحدث من خلال إعلاناته ودعايته وترويجه لذلك البرنامج من خلال وسائل الإعلام، والاهتمام بذلك البرنامج الفاضح من خلال مطالبته للشعوب بالتصويت لصالح الشباب أو الشابات، والاتصال من أقطار شتى للإدلاء بالأصوات، وترشيح أحد الساقطين أو الساقطات، متناسيًا ذلك الإعلام دوره في رقي الأمة والنهوض بها من كبوتها التي طالت، نسي أو تناسى دوره في الاهتمام بقضايا الأمة وقضايا الشعوب، فألغت بعض أجهزة الإعلام برامجها العامة والهامة لتقييم المهرجانات في الحدائق العامة وفي الشوارع والميادين والمنتزهات وفي المدن والمحافظات. واستحدثت شاشات عرض كبيرة في الميادين والمنتزهات، وذلك لحشد التأييد والمساندة لرمز وطنهم كما يزعمون، لتلك الساقطة أو لتأييد ذلك الساقط.
تناسى الإعلام أزمات الشعوب وقضايا الأمة المصيرية، تناسوا هموم الأمة وما تعانيه من أزمات ونكبات، فأصبح الهمّ هو حشد الأصوات لترشيح ذلك الصوت الذي يحرك الأوساط رقصًا ويهزّ الرؤوس طربًا لاختيار ذلك القوام الرشيق والقدّ الفاتن. فبدلًا من أن يكون الإعلام أداة بناءةً للأمة أصبح معولَ هدم لها.
لقد أظهر ذلك البرنامج والذي لاقى رواجًا كبيرًا في بلاد الإسلام، أظهر وبيّن دناءة الهمم وسخافة العقول ووضاعة الاهتمامات عند كثير من أبناء الأمة، حتى تناسى أبناؤها همومها وقضاياها، وظهر في إحصائيات عديدة أن المشاركين في التصويت للترشيح في هذا البرنامج فاق عشرات الملايين أكثر من ثمانين مليون اتصال، من مختلف الأقطار العربية تصوّت للساقطين والساقطات، تصوّت لنشر الرذيلة وقتل الفضيلة.
إحصائيات مبكية، والمبكي المحزن والذي يُبكي القلوب قبل العيون أن قضايا الأمة المصيرية التي تواجهها والتي فيها إبادة شعوبها واغتصاب أراضيها واستباحة مقدساتها وانتهاك أعراضها وسلب أموالها لا نرى من أجهزة الإعلام ذلك الاهتمام وذلك الزخم الإعلامي الذي وجده ذلك البرنامج، هل تصدّقون أن التصويت على قضية مصيرية للأمة على وثيقة الاعتراض على الحرب على أفغانستان في مجلس الأمن لم يتجاوز أربعة ملايين صوت من جميع الأقطار العربية مقابل أكثر من 80 مليون صوت يرشحون أهل العهر والفساد؟!
برنامج ساقط يبثّ التفاهة والسفاهة، وينشر الرذيلة، ويصوّت عليه أكثر من ثمانين مليونا، وقضية مصيرية للأمة لا يتجاوز التصويت على الاعتراض على إبادة ذلك الشعب المسلم لا يتجاوز أربعة ملايين.
ذلك البرنامج أظهر سخافة وانحطاط أجهزة الإعلام وانحرافها ودناءتها في كثير من البلدان.
أصبح يحاكي ما يراه في الغرب، وينقل ما لديهم من تخلّف وخبث وخلاعة وفجور إلى شعوبه المسلمة. أصبح الجهاز الإعلامي المتفتّح لا يميز بين الفضيلة والرذيلة أو بالأصح لا يفرق بينهما، أصبح موجَّها من أساتذته في الغرب، وصدق: (( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) ).
والعجيب أن هناك من المسؤولين الكبار في بعض تلك الدول التي شاركت في ذلك البرنامج وفي تلك المهزلة، من المسؤولين من يتحمّس لذلك البرنامج، بل ويحمّس مواطنية للتصويت لصالح مواطنيهم المشاركين، ثم بعد فوز تلك الساقطة يشاركون شعوبهم، ولكن ليس في معاناتهم أو قضاياهم الهامة، فقد تناسوا ذلك وضيّعوا تلك الأمانة، بل يشاركونهم في أفراحهم، فيتصلون بتلك الساقطة مباركين ومهنئين، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وجدير إذا الليوث تولّت أن يليَ ساحها جموع الثعالب
وليتَ الأمر توقّف عند هذا الحد، بل إنه ازداد سوءًا، فظهر ما يسمّى بعد ذلك بـ"ستار أكاديمي"أو"عار أكاديمي"، إنه عارٌ ودمار، وهي قناة مستقلة تعلن الحربَ على الأخلاق، إنهم يعبثون بالأخلاق، قناة ساقطة على شاكلة تلك القنوات الأخرى، فكرتها فرنسية، تقوم بجمع مجموعة من الشبان والشابات، نساء ساقطات وأشباه رجال، يجتمعون في بيت واحد، لا يحكمهم قيم أو أخلاق، ولا يردعهم دين ولا حياء.
تبثّ هذه القناة على مدار أربع وعشرين ساعة وتنقل كل ما يحدث في أرجاء ذلك البيت، حيث تنتشر الكاميرات في كلّ أنحاء البيت، تصوّر إقامتهم المختلطة المحرمة، وتنقل صوتًا وصورة حياتهم وهم يأكلون وهم يشربون، وهم يرقصون ويغنون، وهم يتحادثون ويتهامسون، تصورهم على الهواء مباشرة وهم يتبادلون أنواع اللهو غير البريء من القبَل والاحتضان، ثم إذا جاء وقت السحر ركزت الكاميرات على غرف نومهم، وحقيقة فإن نومهم غير مختلط، فأشباه الرجال في غرف نومهم، تراهم شبه عراة بلباس داخلي سفلي فاضح، والبنات في غرف نومهن، تراهن يتقلبن ذات اليمين وذات الشمال، وتراهن يتبطحن تارة ويستلقين تارة أخرى...
ويا للعار، إنهم يعبثون بالأخلاق، يعبثون بأخلاق أبناء الأمة، يعبثون بأخلاق بنات الأمة، ويستمر اعتكافهم على ذلك المجون في ذلك المكان والتصوير مستمر كذلك طيلة مكوثهم اعتكافهم لمدة ثلاثة أشهر، إنّ شريعة الإسلام لا تعرف من الاعتكاف إلا ما عرفته عن نبيها حيث كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وفعل ذلك الصحابة رضي الله عنهم، ثم تبعهم الصالحون إلى هذا اليوم، وهو انقطاع العبد عن الدنيا وشواغلها في بيت من بيوت الله، ويتفرغ لعبادة ربه تبارك وتعالى، أما ما يشاهد من خلال هذه القناة الخبيثة فهو اعتكاف على حرام، اعتكاف على عبث أخلاقي، عبث من أبناء الأمة وبنات الأمة، يعتكفون أشهرًا في مثل هذا المستنقع، والذين لا يشاركون يعكفون على مشاهدة هذه المهزلة بالساعات والساعات.
لقد انتشر هذا البلاء، فأصبح همّ الكثيرين مشاهدة ما يحدث كل يوم لفلان أو فلانة، كيف كانت حركاته وحركاتها، كيف كانت رقصاتهم وسهرتهم وغنائهم، ولا يقتصر الأمر كما تظنون في مشاهدته على الشباب فقط أو الشابات، بل إنه لمختلف المراحل العمرية، تحرص على مشاهدة هذا الدمار وهذا العار، فأصبح الكثير من الشابات يتابعن بلهفة عجيبة ما يحدث يوميًا في تلك القناة، ويتمنين أن يكنّ مثل تلك الفتاة، ويتمنين أن تتاح لهن الفرصة للمشاركة وللغناء والرقص وإقامة العلاقات المحرمة مع أشباه الرجال، مع الحرص على التصويت للشبان، وكذلك الحال بالنسبة للشباب.
لقد أصبح هذا العبث وهذا العار حديثَ المجالس بين الطالبات في مختلف المراحل الدراسية الابتدائية والثانوية والجامعية حتى بين المعلمات وبين كثير من الأمهات، فأصبح الحديث في اجتماعهن ومجالسهن هو ذلك العبث وعن حلقة البارحة وما حدث فيها، لقد انتشر في هذه الأوساط حتى بين الشباب الذكور، انتشر في هذه الأوساط وفي طبقات المجتمع كلها، انتشر كانتشار النار في الهشيم.
تحدثت إحدى المعلمات الفاضلات فتقول: دخلت على طالبات في الصف الرابع الابتدائي بدلًا من معلمة أخرى، قالت: فسألت إحداهن عن أمنتيتها في المستقبل، فقالت تلك الصغيرة: أتمنى أن أكون مثل فلانة، قالت المعلمة: ومن تكون هذه؟ قالت الطالبة: هذه فتاة تظهر في قناة"ستار أكاديمي"، قالت: ثم سألت زميلتها التي بجانبها نفس السؤال، فأجابت بنفس الإجابة أنها تتمنى أن تكون مثل فلانة.
فأين أنتم أيها الآباء والأمهات؟ اتقوا الله عز وجل ولا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم.
إن ما يبث عبر هذه القنوات الفضائية أمرٌ خطير، حرب على العقيدة وعلى الأخلاق. إنهم يعبثون بالأخلاق ويدمرون العقيدة.
وذكر أحد الكتاب الخليجين في إحدى الصحف أن إحدى الفضائيات العربية كانت تبث على الهواء مباشرة مشهدًا يسجد فيه مطرب خليجي شاب لمطربة عربية، وذلك فرحًا بدخولها لقاعة الاحتفال، يقدم لها ولاء السجود على طريقة الديانات الوثنية الشرقية في مد يديه إلى الأمام والانحناء لمولاته، أولئك هم عبدة الجسد، إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
لقد سقط كثير من الشباب أمام الإغراءات وأمام الشهوات، فأي شرع وأي دين يقر ذلك الفعل؟! بل أي قيم وأعراف تقر ذلك السعار الجسدي؟!
أتريدون أبناءكم وبناتكم يشاهدون تلك المشاهد؟! !ترضون أن يشاهدوا ذلك العبث الأخلاقي؟!
ثم يزداد العبث بأخلاق أبناء الأمة فتظهر قناة أخرى على شاكلة ذلك العار والدمار، ومكانها في إحدى دول الخليج، وتسمى باسم"الرئيس"أو"بيق برذر"Big Brother ، وهي على نفس النمط، ويحمل نفس الفكرة، وتسعى لنفس الأهداف الساقطة والأغراض الخبيثة، ثم استمعوا لاستهزائهم ولخبثهم، ذكرت إذاعة البي بي سي البريطانية نبأ افتتاح هذه القناة، ثم ذكرت أنه تمشيًا مع الأعراف والتقاليد والآداب الإسلامية والعربية فإنه يوجد في ذلك البيت مكان التصوير مكان العهر والفجور يوجد مصلّى للصلاة، فأي آداب في ذلك المكان؟! وأي أعراف وتقاليد في ذلك المكان؟! فكيف يجتمع المصلى مكان الصلاة بجانب مكان الدعارة والبغاء أكرمكم الله؟! وصل الأمر إلى أن يستهزأ بعقولنا، إنه استهزاء واستخفاف بعقول المسلمين.
ولا عجب فما حصل هذا إلا بعد سكوت الفضلاء من المسلمين عن هذه التفاهات من بدايتها بعد أن رأوا سخافة الشعوب التي تحرص على مشاهدة هذا العبث، والسذج من النساء والرجال الذين يحرصون على المشاهدة والمشاركة في التصويت، يتحدثون في مجالسهم عن تدين فلان وهو أحد المشاركين في البرنامج، يقولون: فلان متديّن رأيته يصلي بالأمس، فهو يحافظ على الصلاة وإنه متديّن.
وأي صلاة تلك الصلاة التي لا تنهاهم عن فحشاء ولا منكر؟! أي صلاة تلك الصلاة التي لا تخرجه من ذلك المرتع الوخيم وذلك المستنقع القدر؟! ولا تعجبوا من ذلك فالأمور مدروسة وقد خطط لها ولكنها بالتدريج.
فعندما يتقبل المشاهد مثل هذه اللقطات والضمّات والغمزات واللمزات واللمسات غير البريئة، ويشاهد ويتقبل القبلات الساخنة واللهو الفاضح، فلا تستغربوا بعد ذلك إذا ظهرت قنوات للإباحية وممارسة الجنس والشذوذ، ووالله إن الأمر ليس ببعيد.
إن ما يحدث ـ أيها الفضلاء ـ عبث بأخلاق الأمة، يعلّمون الفتيات أصول العهر والفجور والبغاء بالمجّان وعلى الهواء مباشرة، والشباب يتعلمون كيف يتخنّثون نزّه الله أسماعكم، إنها الحقيقة المرة.
إنها حرب على العفاف وهدم للحياء وسحق للفضيلة والقيم الطيبة، إنها إبادة للمعتقدات وهدم للأخلاق والشمائل الحميدة، إنها حرب على الطيبين والطيبات، حرب على المسلمين والمسلمات، إنهم يهدفون لذلك كلة، والأمر ليس للتهوين من أمر الاختلاط فحسب، بل إنهم يريدون أن يجعلوا من الاختلاط المحرم أمرًا طبيعيًا يجب أن يعيشه الشبان والشابات فيزرعونه في قلوبهم ونفوسهم.
يريدون أن يصوروا أن الاختلاط هو الوضع المألوف الذي يجب أن تقر به الأديان والمعتقدات، ويجب أن ترضى به التقاليد والأعراف والعادات، ويجب أن نسلم به كأحد الموروثات، وأن يتقبله ويتعايش معه الآباء والأمهات، بعدها تصبح الفضيلة رذيلة والرذيلة فضيلة، والحياء عقدة نفسية وغباء، والطهر والعفاف رجعيه، فينسلخ المجتمع عن كل قيمه وعاداته ومعتقداته، ويصبح بلا هوية ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أسأل الله عز وجل أن يحفظنا وأعراضنا والمسلمين، ويردنا جميعًا إليه ردًا جميلًا.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، وفاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا كثيرًا.
يجب على كلّ محب للفضيلة وكل غيور وكلّ صاحب خلق كريم أن ينكر بقدر استطاعته، ينكر مثل هذه التصرفات السخيفة، وأن يحاربها بقدر استطاعته.
وذلك من خلال إخراجه من بيته لمثل هذه القنوات وإزالتها، ويجب على صاحب كل قلم أن يتقي الله عز وجل فيبين الحقيقة، وأن يحذر أبناء الأمة مما يحاك بهم وما يخطط لهم.
يجب أن يحاربوا مثل هذه البرامج، ويحذروا الناس من خلال كتاباتهم عن مثل هذه المستنقعات الخبيثة، إننا نطالب صاحب كل سلطة بمنع هذه التفاهات وبإيقاف هذا العبث الأخلاقي، والدولة ـ وفقها الله ـ حريصة على الحفاظ على دينها وعقيدتها وتقاليدها، وكذلك حريصة على أخلاقيات أبنائها، فكما كنا نطالب بإلغاء تلك القناة الخبيثة التي تسمّي نفسها بالإصلاح وهي أساس الفساد والإفساد، وتم بحمد الله منعها وإزالتها وإيقاف بثها، وذلك حفاظًا على أمن البلاد وحفاظًا على عقيدتها وعلى شبابها، فإننا نطالب بإلغاء هذه القنوات الخبيثة وإيقافها حفاظًا على عقيدة أبنائنا وبناتنا، حفاظًا على أخلاقياتهم، حفاظًا على أسرنا ومجتمعاتنا، حفاظًا على أمننا الأخلاقي، والمسؤولون حريصون على ذلك بإذن الله عز وجل، أسأل الله عز وجل أن يوفقهم لإزالة كل منكر.
ومن خلال هذا المنبر أوجه رسالة إلى كلّ من يقوم بدعم وتمويل هذه القنوات الساقطة، إلى كل من يساهم في نشر هذا العبث الأخلاقي، إلى صانعي هذا الإعلام، إلى عملاء التغريب، إلى عملاء الشيطان، إلى من يروّجون العهر والمنكر والفساد، ليتقوا الله عز وجل، إنكم بصنيعكم هذا تقعون في أمر عظيم، فعليكم الوزر وكذلك أوزار من وقع وسقط في مثل هذه المستنقعات القذرة.
فاتقوا الله عز وجل، إن الأمة في أشد الحاجة لمن يوجّه أبناءها وبناتها إلى الطريق الصحيح، إلى طريق النور في هذه الظلمات المدلهمة. إن الأمة في أشد الحاجة إلى إعلام يحمل همّ الأمة، يدافع عن عقيدتها وعن قيما وأعرافها وتقاليدها، الأمة في أشد الحاجة إلى إعلام هادف يوضح الحقائق ويكشف الشبهات والملابسات، إعلام يدافع عن قضاياها وعن مقدساتها وأراضيها، نحتاج إلى إعلام يكون أداة بِناء للأمة، لا معول هدم لها.
إني أذكّركم وأحذركم بقوله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36] .
يكفي الأمة ما فيها من جرحات وآلام، يكفيها ما تعانيه من فتن وبلاء، يكفيها أعداؤها من الخارج الذين لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمّة، كفاكم عبثًا بأخلاق أبناء أمتكم، كفاكم تدميرا للناشئة من أبناء الأمة، والمصيبة أن يأتي هذا الطعن في هذا الجسد الجريح في جسد الأمة المكلوم من قبل أبنائها وبأموال أبنائها.
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند
وأحذركم أنكم بصنيعكم هذا تتعرضون لعقاب الله عز وجل في الدنيا والآخرة، فالله عز وجل يقول: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19] .
أسأل الله عز وجل أن يصلح فساد قلوبنا وقلوبكم.
وأنتم معاشر الأباء والأمهات، كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، اتقوا الله عز وجل فيمن تحت أيديكم، اعلموا أنها أمانة عظيمة، اعلموا أنكم ستقفون بين يدي الله عز وجل في موقف عظيم، في موقف مهول، يشيب فيه الصغير، يوم لا يجزي والدٌ عن ولده ولا مولود هو جازٍ عن والده شيئًا، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، يوم تكونون في أمس الحاجة إلى مثقال ذرة من حسنة وأنت على تلك الحال، فإذا بك تسأل عن أسباب فساد أبنائك وبناتك، يوم يتعلقون بك يوم القيامة ويأخذون بتلابيبك يقولون: يا رب لقد أضاع الأمانة، يا رب كان سببًا في انحرافنا، يا رب كان سببًا في ضياعنا، وذلك كله بسبب ما جلبته لهم من وسائل ترفيه وتسلية محرمة.
وأنت ـ أيها المسكين الضعيف ـ لا تستطيع أن تدافع عن نفسك، فأقرب الناس لك هم خصماؤك، هم الذين يبحثون عن مثقال ذرة من حسنة ليأخذوها منك كي ينجوا من عذاب الله، فتلتفت يمينك فلا ترى إلا النار، وتلتفت شمالك فلا ترى إلا النار، يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى [المعارج:11-16] .
فاعلموا ـ أيها الآباء ـ أنكم موقوفون، وأنكم ستسألون، فأخرجوا تلك المنكرات من بيوتكم حفاظًا على أبنائكم وبناتكم فالأمر جد خطير.
يا من جلبت الدشّ رفقًا إنما أفسدتَ ما في البيت من غلمان
خنت الأمانة في الشباب وفي النسا وجعلت بيتك منتدى الشيطان
خنت الأمانة في البنات ولن ترى منهن برًا إنهن عواني
ترضى لنفسك أن تكون مفرطًا في الدين والأخلاق والإيمان
ترضى لنفسك أن تكون مزعزعا لقواعد الإسلام والإيمان
ترضى لنفسك أن تكون مروجا لبضاعة الكفران والخسران
أفسدت ما في البيت من أخلاقه أذهبت ما في البيت من إحسان
أدخلت في البيت الضلال مع الخنا والفسق بعد تلاوة القرآن
وأنتم أيها الشباب والشابات، اتقو الله تبارك وتعالى واعتصموا بكتابه وبسنة نبيه ، واعلموا أنكم مستهدفون من أعداء الأمة، وأن هدفكم في هذه الحياة أسمى مما يراد بكم، وإياكم ثم إياكم أن يكون قدوتكم الفسقه وأشباه الرجال وليسوا برجال، ولا تكن قدوتكنّ تلك الساقطة فقدوتنا جميعا محمّد ، والمرءُ يحشر مع من أحب، حشرنا الله وإياكم في زمرته وتحت لوائه.
واعلموا ان هذه القنوات فتنة عظيمة وبلاء عظيم، وأذكركم بكلمة عظيمة لطلق بن حبيب رحمه الله، قال:"إذا عُرضت عليكم الفتنة فأاطفئوها بتقوى الله عز وجل"، واعلموا أنها مؤامرة كبرى، مؤامرة تدور على الشباب ليعرض عن معانقة الحراب، مؤامرة تقول لهم: تعالوا إلى الشهوات في ظل الشراب، مؤامرة مراميها عظام تدبرها شياطين الخراب. فالحذر الحذر من ذلك كله.
أسأل الله عز وجل أن يحفظنا وأن يحفظ أبنائنا وبناتنا وأبناء المسلمين وبناتهم، وأن يردنا إليه جميعا ردًا جميلا.
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه فقال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمً ا [الأحزاب:56] .