الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
الفتن, الولاء والبراء, مساوئ الأخلاق
مراد وعمارة
باب الوادي
التقوى
1-أصل بني آدم التراب. 2- محاربة الإسلام للعصبيات والقوميات. 3- نصوص من السنة وآثار السلف في النهي عن التفاخر بالأنساب. 4- إثارة النعرات القبلية من مكائد أعداء الإسلام. 5- وسائل التعبير عن السخط. 6- الفرق بين الفاتحين المسلمين وبين المستعمر الغربي. 7- آية اختلاف الألسن.
يقول الله تعالى في كتابه العزيز: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] .
هذا خطاب من الله تعالى للناس جميعًا أنَّه خلقهم من ذكر هو آدم ومن أنثى هي حواء، فالناس كلهم لآدم، وآدم من تراب. فالتراب هو منتهى الأنساب، فبم يفتخر شعب على شعب؟! وبم يحتقر قوم قوما؟! وكلُّهم كان ترابا، وكلُّهم يصير ترابا. ثمَّ كشف الله للناس في الآية عن العلَّة في جعلهم شعوبًا وقبائل وهي التعارف، أي: ليعرف بعضكم بعضا، لا ليبغي بعضكم على بعض، والمراد قطع التفاخر بالأنساب والأحساب.
وعن ابن عباس قال: (لا أرى أحدًا يعمل بهذه الآية: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ، فيقول الرجل للرجل: أنا أكرم منك، فليس أحدٌ أكرم من أحد إلاَّ بتقوى الله) . رواه البخاري في الأدب المفرد.
هذا وقد كنت خطبت فيكم من بضعة أسابيع خطبة في هذا الموضوع، بسطت فيها هذه القضيَّة؛ قضية العصبية والفخر بالأنساب والآباء والأجداد والألوان والأعراق واللغات، وبيَّنت لكم بما سقته من كتاب الله وسنة رسول الله وآثار السلف ما يشفي القلوب من أدوائها، ويحرِّر النفوس من أهوائها، ولكن ما حدث أمس يدلُّ على أنَّ الأمر يتطلب مزيدًا من البيان والتذكير، ونافلةً من الإيضاح والتبصير.
فاعلموا ـ أيُّها المسلمون ـ أنَّ أهل الجاهلية من العرب والبربر وسائر الناس كانوا متفرقين، لا يحكمهم دين ولا عقل سليم، قويُّهم يأكل ضعيفهم، تفنيهم الحروب أجيالًا بعد جيل من أجل استغاثة رجل بقبيلته ولو على باطل، ونحو ذلك من تفاهات الأسباب وحقير البواعث.
فجاء الإسلام ماحيًا هذه الجاهليات والعصبيات النتنة، وألَّف بين قلوب المؤمنين، بالأخوَّة الصحيحة أخوَّة الدين، بعدما بيَّن لهم أنَّهم إخوة في الطين، فالناس كلهم من آدم، وآدم من طين، لكنَّ الأخوَّة الرابطة بإحكام والجامعة بالدفء هي أخوة الإسلام.
إنَّ معرفة الإنسان لقبيلته وانتسابه لها والمحافظة على الأنساب لا يذم في الدين، بل جاء: (( تعلَّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ) )، إنَّما المذموم الافتخار بالقبائل، وذم أنساب الناس، واحتقار من لم يعرف بقبيلة، فتلك دعوى الجاهليَّة.
أنا أتلو عليكم من مشكاة النبوَّة ومنهاج السلف ما يكفي رادعًا وزاجرًا لكلِّ عاقل ومبصر، وأذكِّركم الله الذي يقول: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ [النور:51، 52] .
كتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الأجناد: (إذا تداعت القبائل فاضربوهم بالسيف حتَّى يصيروا إلى دعوة الإسلام) رواه ابن أبي شيبة، أي: حتّى تكون دعوتهم وانتسابهم للإسلام وليس للقبائل، كما في رواية عند أبي عبيد: (سيكون للعرب دعوى قبائل، فإذا كان ذلك فالسيف السيف والقتل القتل حتَّى يقولوا: يا للمسلمين) ، وفي رواية: (يا أهل الإسلام) .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( من قاتل تحت راية عُمِّيَّة ـ أي: الأمر الأعمى للعصبيَّة لا يستبين وجهها ـ ، يغضب لعصبيَّة أو يدعو إلى عصبيَّة، أو ينصر عصبيَّة، فقتل فقِتلته جاهليَّة ) )، وفي رواية: (( فليس من أمَّتي ) ).
وعن الحارث الأشعري عن النبيِّ: (( من دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثاء جهنم ) )، قالوا: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟ قال: (( وإن صام وصلَّى وزعم أنَّه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم؛ بما سمَّاهم الله عز وجل به: المسلمين المؤمنين عباد الله ) )رواه أحمد وغيره وهو حديث صحيح.
وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله: (( إنَّ أنسابكم هذه ليست بسباب على أحد، وإنَّما أنتم ولد آدم، طفُّ الصاع لم تملؤوه ـ أي: قريب بعضكم من بعض في النسب ـ ، ليس لأحد على أحد فضل إلاَّ بالدين أو عمل صالح ) )رواه أحمد بسند حسن.
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله: (( من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردِّي ـ أي: سقط في البئر ـ ، فهو ينزع ـ أي: يحاول الخروج ـ بذَنَبه ) )رواه أبو داود بسند صحيح.
ولعلَّ أبلغ حديث في ذم العصبيَّة ما رواه البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله قال: غزونا مع النبيِّ وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتَّى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب، فكسع أنصاريًّا، فغضب الأنصاري غضبًا شديدا، حتَّى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبيُّ فقال: (( ما بال دعوى الجاهليَّة؟ ) )، ثمَّ قال: (( ما شأنهم؟ ) )فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري، فقال: (( دعوها فإنَّها خبيثة ) ).
وهذا من أبلغ ما جاء في ذم العصبيَّة، فإنَّ الانتساب للأنصار والمهاجرين ممدوح غير مقبوح، لكن لمَّا خرج عن أن يكون اعتزازًا بالدين إلى الاعتزاز بالقوم والعصبة والقبيلة صار من الجاهليَّة.
والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله.
إنَّ الأحداث الأخيرة مؤامرة مكشوفة، لا تخفى على عاقل، فاحذروا ـ أيُّها المسلمون ـ أن تساقوا إلى ما تدبِّره الشياطين شياطين الإنس ـ ومن ورائهم شيطان الجنِّ ـ لهذه الأمَّة من فتن وحروب وتناحر وتشاجر وتقاطع وتدابر، فلا فتيل هو أسرع اشتعالًا من فتيل إثارة النعرات العرقيَّة، فاحذروها واحذروا دعاة الفتنة الذين يريدون تفريق الأمَّة، ويغذُّون فيها أسباب الشجار والاقتتال بحمى الجاهلية ودعوى الجاهليَّة العروشيَّة والقبليَّة والعرقية.
فمتى كان تخريب البيوت بأيدي أصحابها طريقًا للإصلاح؟! ومتى كان الإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل سبيلًا لانفراج الأزمات وتفريج الكربات؟! بل ومتى كانت هذه المظاهرات وما يجري فيها من ضجيج واختلاط وصخب أسلوبًا حضاريًّا في نفسه ونمطًا نموذجيًّا مفروضًا علينا؟!
ومن عجائب الزمان أن يعلِّق بعض الناس فيقول: لا ضير ولا عيب في التخريب والفساد لإظهار السخط والغضب، لأنَّ شعوبًا متحضرة اليوم تفعل مثل ذلك. فيا سبحان الله! متى كانت شعوب القوط والخزر والجرمن والسكسن والغال والإفرنج قدوةً لنا، وقد كانوا بالأمس القريب من نحو ثلاثة قرون فقط شعوبًا همجيَّة متوحشة حفاة عراة، يلبسون جلود الضأن من الجوع والفقر، فمن الطبيعي أن تكون أساليبهم في التعبير عن السخط مناسبة لطبيعتهم الهمجيَّة القديمة، لأنًَّ العرق دساس، فمتى كان هؤلاء الضلال الذين أضلَّهم الله عن الدين الحق في شؤون العبادة وشؤون الحياة، متى كانوا قدوة لنا في أساليب التعبير عن السخط؟! وهل خلا ديننا عن بيان السبيل في ذلك؟! كلاَّ.
إنَّنا أمَّة واحدة، وقد أنعم الله علينا بنعمة الإسلام، وشرع لنا الوسائل المفيدة في التعبير عن السخط وفي دفع المكاره والمظالم، وذلك باللجوء إلى الله ملك الملوك الذي نواصي الملوك بيده، فما يصيبنا من جَورهم فبما كسبت أيدينا، ثمَّ ثانيًا بالمرافعة بواسطة العريفين الذين هم أعيان العشائر والقرى ووجهاء الناس وعقلاؤهم، كما أمر النبي في حجة الوداع، وجعل العرفاء واسطة بينه وبين الناس، يرفعون إليه ما يريدونه، وإذا لم تفد هذه فالأولى كافية وموجبة أثرها ولا بد.
فيا من جمعتهم رابطة الإسلام كفّوا عن الشقاق والخلاف، فإنَّ الشيطان ـ شيطان الغرب ومن ورائه شيطان الجن ـ قد يئس أن يخرج الناس في هذا الوطن من دينهم أفواجا، لكنَّه رضي بالتحريش بيننا والتفريق بيننا ليسود علينا، على قاعدة:"فرّق تسُد"، مصداقًا لقول النبيِّ: (( إنَّ الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينهم ) )رواه أحمد ومسلم وغيرهما.
وبماذا يفرّق بيننا؟! فديننا واحد، ووطننا واحد، وجنسنا واحد، فد اختلط فيه العرق البربري بالعرق العربي، وأصلنا واحد من آدم، وآدم من تراب وطين، فنحن إخوة في الطين، وإخوة في الدين جميعا، فلما لم يتأت لهذه الشياطين أن تفرقنا من جهة الطين والدين لجأت إلى اختلاف اللغات، واختلاف اللغات عند المسلمين مفخرة من مفاخر الإسلام لو كانوا يعلمون.
انظروا إلى الفارق بين الفاتحين المسلمين الذين فتحوا بلاد الأعاجم من الفرس والترك والديلم والحبشة والروم والقوط والكرد والهند والسند والصين والبربر، وتركوا الناس من جميع هذه الأجناس على ألسنتهم ولغاتهم، ومن تعرَّب لسانه منهم تعرَّب اختيارًا ورغبة في الدين، وليس بإجبار أو إكراه.
وهذا عكس ما يفعله الاستعمار الغربي، فكان من غاياته طمس الهويات والقضاء على الحضارات، فكان يمنع تعلُّم العربيَّة في بلاد الإسلام، ويفرض تعلُّم اللغة الفرنسية.
ولا أذهب بعيدًا ففي 24 من شهر أكتوبر سنة 1842 أجبر المستعمر الفرنسى أهالي مدينة الجزائر على تعلم اللغة الفرنسية في الجامع الكبير وفي المدارس الأهليَّة، مما اضطر الناس وعلى رأسهم مفتي الجزائر آنذاك مصطفى الكبابطي على إعلان العصيان، وانتهى الأمر بسجنه ثم بنفيه إلى مصر، ثمَّ بعد ذلك منع المستعمر من تعلُّم اللغة العربيَّة، لأنَّها لغة الدين الإسلامي، لأنَّهم قدَّروا أنَّه متى ارتبطت هذه الأمة باللغة العربية ارتبطت بدينها، ومتى ارتبطت بالإسلام لم تقبل بوجود المستعمر.
فقارنوا ـ أيُّها الإخوان ـ بين الفاتحين المسلمين وبين الغرب المستعمرين.
أمَّا الفاتحون المسلمون، فقد احترموا اللغات، فبقي الفرس بلسانهم الفارسي، والترك بلسانهم التركي، والبربر بلسانهم الأمازيغي... إنَّ اختلاف الألسنة من آيات الله، قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ [الروم:22] ، فقد جعل الله تعالى اختلاف ألواننا وألسنتنا آية من آياته، وإذا كان من شأن آيات الله أن تعظَّم وتحترم، فالطاعن في لون غيره أو في لسانه ولغته إنَّما يطعن في آيات الله تعالى، وقد قال الله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [البقرة:231] ، وقال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران:19] ، وقال: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [التوبة:65] ، وقال: إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ [النساء:140] ، وقال: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ [الأعراف:36] ، وقال: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ [الأعراف:40] ، وقال: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [الأنعام:68] . والآيات في تعظيم آيات الله كثيرة.
والشاهد منها أنَّ من الآيات التي يجب احترامها وتعظيمها آية اختلاف اللغات وألسنة بني آدم، فإنَّ الله تعالى جعل ذلك التنوع آية من آياته.
نعم قد فضَّل بعضها على بعض، فكان اللسان العربي هو اللسان الذي اختاره الله لأمَّة الإسلام لسانًا يتفقَّهون به في دينهم، وجعله لسان القرآن، يتلى به في كلِّ يوم خمس مرات في جميع بقاع الأرض من عرب وعجم، فقال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف:3] ، وقال: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195] ؛ لأنَّ اللسان العربي هو أقدر الألسنة بيانًا.
ومن ثمَّ فتمسُّكنا باللسان العربي ليس تمسُّكًا بعرق أو جنس، بل لأنَّه لسان القرآن والإسلام، فهو لسان أمَّة الإسلام كيفما كانت أنسابهم وألسنتهم وألوانهم، دون أن يحتِّم على الشعوب والقبائل الأعجمية أن تتخلَّى عن لسانها.
هذا ما سمعتم، والله يغفر لي ولكم.