فهرس الكتاب

الصفحة 5311 من 5777

من صور إيذاء الجار

الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب

الآداب والحقوق العامة, قضايا المجتمع

عبد الله بن سعد قهبي

جدة

جامع أم القرى

1-الحث على الأخوة والائتلاف. 2- وصية الله تعالى ورسوله بالجار. 3- الجار في السابق. 4- ذم جار السوء. 5- من صور الإيذاء للجار. 6- تدهور العلاقات بين الجيران في العصر الحاضر. 7- فضل التحابب في الله.

الحمد لله القائل في كتابه: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103] ، والقائل سبحانه: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: 105] . منهجٌ ربانيّ يحثنا على إحياء روابط العلاقة الأخوية بين بعضنا؛ حذَرًا من التشبه بمن غضِب الله عليهم من اليهود والنصارى فقال عنهم: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر: 14] .

هذا هو المنهج الإسلامي الرفيع الذي يحيي في نفوس أتباعه المولاة لله ولرسله ولشرعه، قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض [التوبة: 71] .

ومن أعظم الولاية ولاية الجار لجاره التي أوصى الله بها في كتابه فقال سبحانه: وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ ، وأوصى بها النبي فقال: (( خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره ) )صححه الألباني رحمه الله.

إلا أننا ومع الأسف نفتقد اليوم وجودَ الجار الصالح الذي تتوفر فيه خصال الجار التي حث عليها الإسلام وأمر بها، قال عليه الصلاة والسلام: (( أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاء: الجار السوء، والمرأة السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق ) )خرجه الألباني في الصحيحة.

عباد الله، لقد كان الجار في السابق مؤمنا تقيا وأبا مربيا، يشعر بمسؤولية جاره كما يشعر بمسؤوليه رعيته تماما. لقد كان الجار المسلم يهنئ جيرانه في أفراحهم ويواسيهم في أحزانهم، يفرح لما يفرحون ويحزن لما يحزنون، ويكف أذاه عنهم، لا يحسدهم ولا يؤذيهم، قال رسول الله: (( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ) )متفق عليه، أي: شروره.

ولعلي أهمس في أذن جار السوء بقصة إن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلانَة يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: (( هِيَ فِي النَّارِ ) )، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ فُلانَة يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلاتِهَا وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالأَثْوَارِ مِنَ الأَقِطِ وَلا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: (( هِيَ فِي الْجَنَّةِ ) )صححه الألباني. الله أكبر! صائمة النهار وقائمة الليل في النار، نعم إذا طال أذاها الناس.

وأما من ابتلي بجار يؤذيه فعليه بالصبر، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ يَشْكُو جَارَهُ، فَقَالَ: (( اذْهَبْ فَاصْبِر ) )، فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا فَقَالَ: (( اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ ) )، فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَفَعَلَ وَفَعَلَ، فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ لا تَرَى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ. حسنه الألباني رحمه الله.

أما والله لو علم الجار بفضل جاره عليه ما آذاه أبد الدهر، فأرعني سمعك لهذا الحديث، وافتح لي مغاليق قلبك وانظر، قال: (( مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَشْهَدُ لَهُ ثَلاثَةُ أَبْيَاتٍ مِنْ جِيرَانِهِ الأَدْنَيْنَ بِخَيْرٍ إِلاّ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَدْ قَبِلْتُ شَهَادَةَ عِبَادِي عَلَى مَا عَلِمُوا وَغَفَرْتُ لَهُ مَا أَعْلَمُ ) )حسنه الألباني، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: (( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِي جَارَهُ ) )رواه البخاري.

ومن صور إيذاء الجار حسده وتمني زوال النعمة عنه، أو السخرية به واحتقاره، أو إشاعة أخباره وأسراره بين الناس، أو الكذب عليه وتنفير الناس منه، أو تتبّع عثراته والفرح بزلاته، أو مضايقته في المسكن أو موقف السيارة، أو إلقاء الأذى عند بابه، أو التطلّع إلى عوراته.

عباد الله، إن المسلم ليتألم عندما يلاحظ في المجتمع الإسلامي كثرة المشاكل والتدهور في العلاقات بين الجيران، فتجد جارا يكيد بجاره المكائد والمصائب، وآخر لا يتكلم مع جاره لأيام طويلة، والنبي يقول: (( من هجر أخاه فوق ثلاث فمات دخل النار ) )أي: ثلاث ليال، وآخر لا يعرف أن جاره يمر بمناسبة سعيدة فيهنيه أو حزينة فيواسيه ويعزيه، وأخطر من ذلك أن تجد جيرانا يعيشون في عمارة واحدة ولا يتعارفون، وإن سألت أحدهم عن أقرب الجيران منه لا يعرفه، وربما لا يلتقون إلا على باب المبنى، فأين هؤلاء من الاقتداء برسول الله في معاملته مع جيرانه؟!

عباد الله، كان للنبي بالمدينة جار يهودي يؤذيه، وكان عليه الصلاة والسلام يصبر ويحتسب، فلما مرض اليهودي زاره، فدخل الرعب في قلب اليهودي ظنا منه أن محمدا عليه الصلاة والسلام جاء لينتقم منه مستغلا مرضه، وإذا به يفاجأ بأن النبي جاء ليواسيه ويسأل عن حاله ويقدّم له العون إن لزم الأمر، عندئذ طأطأ اليهودي رأسه اعترافا له بالجميل وأعلن الشهادة وأصبح من المسلمين.

عباد الله، لقد أصبح الجار اليوم يبيت بهمه جراء أذية جاره، وأصبح يتهيّب مناصحته وتنبيهه خشية ردة فعل تزيد في سوء العلاقة أو تقطعها البته، وخشية أن يكون الجار ممن إذا قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم، فأصبح المرء لا يدري كيف يناصح جاره، وفي أي موضوع يناصحه، وما هي الطريقة في مناصحته، والدّين كما تعلمون النصيحة، ففي أيّ شيء يناصحه، أيناصحه عن حارسه الذي يقف تجاه باب عمارته يترصّد له ولعرضه ليلا ونهارا، أم يناصحه عن أكياس القمائم التي يضعها عند بابه كل صباح ومساء، أم يناصحه عن إسرافه في الماء الذي يماطل في المساهمة في شرائه، أم يناصحه في قطع السلام وعدم رده، أم يناصحه عن تركه للصلاة وعكوفه على مشاهدة المحرمات واستبداله الذي هو أدنى بالذي هو خير، أم يناصحه عن روائح الدخان التي تفوح من بيته، أم يناصحه عن أبنائه التاركين للصلاة والمتخذين من باب المدخل للعمارة مقعدا دائما للقيل والقال والتحملق بأنظارهم إلى عرضه وزواره وضيوفه، أم يناصحه عن أذية أبنائه واللعب حول مركبه وداره ومسكنه؟! فأين هؤلاء من قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6] ؟! ماذا دهانا يا أمة الإسلام؟! ألم يقل الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات: 13] ؟! كم حرمنا من الخير بالتدابر.

والمتحابون في الله في ظل العرش يوم القيامة، وعلى منابر من نور يوم القيامة، فهل زهدنا في هذا الأجر؟! يقول النبي: (( يقول الله عز وجل: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتباذلين فيّ ) )أخرجه الإمام مالك رحمه الله بإسناد صحيح، ويقول النبي: (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ) )، وذكر منهم: (( رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ) )، وكذ جاران تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا ) )رواه مسلم (2564) .

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت