فقه
الأيمان والنذور
عبد الله بن صالح القصير
الرياض
جامع الأمير متعب
1-تعظيم أمر اليمين 2- كفارة اليمين المنعقدة 3- اليمين الغموس 4- حلف التاجر لترويج سلعته
أما بعد، فيا أيها الناس، اتقوا الله ربكم في جميع أموركم وسائر أحوالكم، وعظموا القسم بربكم، ووفروا اليمين في خصوماتكم، واحفظوا أيمانكم، ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم، ولا تجعلوا أيمانكم ذريعة إلى معاصيكم ؛ فإن شأن اليمين عند الله عظيم وخطير، والتساهل بها أمر جسيم؛ فليست اليمين مجرد كلمة تمر على اللسان، ولكنها عهد وميثاق يسأل عنه العبد بين يدي الملك الديان، فيجب أن يلتزم الحالف صدقه وأن يوفيه حقه، وإلا كان الحالف عرضة للشقاء والخسران.
أيها المسلمون، إنما شرعت اليمين تعظيمًا لرب العالمين، وتوحيدًا لإله الأولين والآخرين، وقيامًا بحق الرب الخالق، وتأكيدًا للخبر الصادق، وحفظًا لحقوق العباد، وقطعا للنزاع والخصام، وكل ما من شأنه أن يسبب الشحناء والقطيعة بين أهل الإسلام، فهي شريعة من شرائع الله المحكمة، وشعيرة من شعائره المعظمة، وبينة للحقوق محترمة.
فالواجب تعظيم اليمين بحفظها عملًا بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ: وَ?حْفَظُواْ أَيْمَـ?نَكُمْ [سورة المائدة:89] . قال ابن عباس: (يريد لا تحلفوا) فمعنى الآية على هذا النهي عن الحلف، لا ينبغي طلبها ولا عقدها إلا عند الحاجة، فإذا احتيج إليها فينبغي أن تكون محترمة عند المستحلف والحالف معظمة في اعتقادهما، فلا يحلف إلا بالله ـ تعالى ـ، ولا يحلف بالله إلا مع الصدق، وإذا حلف وحنث كفَّر عن يمينه، وليحذر الكذب في اليمين؛ فإنها تقطع الأصل والنسل ؛ فتمحوا الآثار، وتخرب عامر الديار، وفي الحديث عن النبي قال: (( من حلف بالله فليصدق، ومن حُلِف له بالله فَلْيرضَ، ومن لم يرضَ فليس من الله ) ) [1] .
أيها المسلمون، ولما كان هذا شأن اليمين كان من لطف الله ـ تعالى ـ بعباده ورحمته بهم أن عفا عن لغو اليمين، وهي التي لا تقصد، كقول الرجل: لا والله، وبلى والله، ونحو ذلك، مما لا يقصد به اليمين، فإن تلك لا تنعقد ولا كفارة لها، قال تعالى: لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ?للَّهُ بِ?لَّلغْوِ فِى أَيْمَـ?نِكُمْ وَلَـ?كِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [سورة البقرة:225] .
وكذلك من رحمته ـ تعالى ـ بعباده ولطفه بهم أن شرع لهم كفارة اليمين المنعقدة والحنث فيها، إذا رأى غيرها خيرا منها، كما في الصحيح عن النبي أن النبي قال للأشعريين وقد طلبوه؟ رواحل للجهاد: (( والله لا أحملكم، فقال: إني لم أحملكم بل الله حملكم إني والله ـ إن شاء الله ـ لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا وكان قد حلف قبل ذلك أن لا يحملهم، فقالوا له: لعلك قد نسيت أنك قد حلفت لا تحملنا، أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني ) ) [2] .
وقال النبي لعبد الرحمن بن سمرة: (( يا عبد الرحمن إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفِّر عن يمينك ) ) [3] ، فمن حلف أن لا يصل قريبه أو أخاه المسلم، أو لا يكلمه، أو لا يدخل بيته، ونحو ذلك مما فيه معصية للخالق وتقصير في حق ذي الحق، فلا ينبغي له أن تمنعه يمينه عن فعل البر وتحقيق الصلة، بل الذي ينبغي له أن يكفِّر عن يمينه ويفعل الذي هو خير أسوة بالنبي. وكفارة اليمين إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع أي كيلو ونصف من بر أو أرز أو نحوهما، أو كسوتهم بما تصح به الصلاة وتحصل به الزينة من أوسط الناس، أو عتق رقبة؛ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثم، فالإطعام والكسوة والعتق على التخيير بين هذه الثلاثة، فإذا لم يجدوا واحدا منها فصيام ثلاثة أيام.
أيها المسلمون، أما اليمين الغموس الفاجرة التي يقتطع بها المرء مال أخيه، فلا تنحل بالكفارة أبدا، وإنما تنحل بالتوبة من الخطيئة وردّ المظلمة، لا كفارة لها إلا ذلك، وإلا فالمرء على خطر من الوعيد الذي أفصح عنه النبي فيما صح عنه من قوله: (( من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان ) ) [4] ، وقال: (( من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ) )، قالوا: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: (( وإن كان قضيبا من أراك ) ) [5] .
أيها المسلمون، ومن التساهل باليمين أن تتخذ وسيلة لترويج السلع، قال رسول الله: (( الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب ) ) [6] ، ومن الثلاثة الذين جاء فيهم الوعيد، المنفق سلعته بالحلف الكاذب، الذي جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمين ولا يبيع إلا بيمين [7] .
فاتقوا الله في أيمانكم، وتذكروا مسؤولياتكم عنها يوم منقلبكم، فلا تحلفوا إلا صادقين بارين وذلك حين تترجح المصلحة في عقد اليمين، وما كان منها مخالفا للشرع فكفروا عنه وأتوا الذي هو خير، واحذروا أن تحول اليمين بينكم وبين الطاعة وفعل الخير: وَ?تَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ?للَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى? كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [سورة البقرة:281] .
بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعني وإياكم بما فيه من الهدى والبيان.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الغفور الرحيم لي ولكم ولسائر المسلمين والمؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] صحيح ، أخرجه ابن ماجه ح (2101) .
[2] أخرجه البخاري ح (6623) ، ومسلم ح (1649) .
[3] أخرجه البخاري ح (6623) ، ومسلم ح (1652) .
[4] أخرجه البخاري ح (2357) ، ومسلم ح (138) .
[5] أخرجه مسلم ح (137) .
[6] أخرجه البخاري ح (2087) ، ومسلم ح (1606) .
[7] هذا لفظ الطبراني في المعجم الكبير ح (6111) ، وأصل الحديث عند مسلم ح (106) .
لم ترد.