الرقاق والأخلاق والآداب
الموت والحشر
عبد العزيز بن الطاهر بن غيث
طرابلس
بلال بن رباح
1-القبر أول منازل الآخرة. 2- خوف الصالحين من القبر. 3- أسئلة القبر وفتنته. 4- عذاب القبر. 5- قسوة القلوب تحول دون الخوف من القبر.
وبعد: نصل اليوم في هذه المحطات من حياة الإنسان إلى محطة القبر، فقد وقفنا في الخطبة الماضية عند خروج الروح كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ?لتَّرَاقِىَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ ?لْفِرَاقُ وَ?لْتَفَّتِ ?لسَّاقُ بِ?لسَّاقِ [القيامة: 29-26 ] .
وبخروج الروح وسحب تيار الحياة منك تصبح أيها الإنسان مادة أرضية قابلة للتعفن والتحلل، لهذا يسعى أقرب الناس إليك ومن كان يقبلك ويعانقك والذي إذا أحسست بوجع بسيط في الرأس أو في المعدة هرع بك إلى الطبيب أو أحضر لك الدواء ـ يسعى هذا الحبيب ويُجدُّ مسرعًا في أمر دفنك في الأرض وإهالة التراب عليك، لأنك بهذه الحالة لا يطيق البقاء بقربك أحد، ولن يتحملك بحالتك هذه إلا رحم الأرض التي خلقت منها، لهذا تعاد إليها.
والقبر أيها المسلم سكن موحش ضيق تنتقل إليه من السكن الرحب الواسع أو من القصر الفسيح الذي كنت تقيم فيه، القبر مكان تفترش فيه التراب وتصاحب فيه الديدان والدواب، ولا يسمح لك في هذا السكن أن تصطحب معك شيئًا إلا القماش الذي يلفك ويستر عورتك، هذا هو القبر، وهو سكن لا يدوم، بل هو مرحلة برزخية بين الموت والبعث يقول سبحانه: وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى? يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون: 100 ] .
حفرة مخيفة، تجد نفسك في ليلة من الليالي ممددًا فيها لوحدك، لا أب ولا أم ولا أخ ولا أخت ولا صديق ولا أنيس، وليتصور الواحد منا الفرق بين ليلتين، ليلة هو فيها بين أهله وأبنائه يلاعبهم ويداعبهم، وفي الليلة التي تليها هو طريح القبر، بيت الدود والظلمة، والذي لا يدري ما يكون حاله فيه هل هو من المنعمين أم من المعذبين؟ والواحد منا يا عباد الله إذا غيَّر مكان نومه في بيته أصابه الأرق والسهاد فكيف بالقبر.
فارَقْتُ موضعَ مَرْقَدي ليلًا ففارقَني السكونُ
قل لي فأول ليلة فِي القبر كيف ترى أكون؟
وفي القبر تبدأ الفتن العظيمة والامتحانات العصيبة التي يتمايز فيها الناس: فريق مفلح وفريق خائب، لهذا نظر الصالحون إلى القبر نظرة خوف ونظرة وجل، أخرج الترمذي عن البراء أنه قال"كنا مع رسول الله في جنازة، فجلس على شفير القبر فبكى حتى بلّ الثرى ثم قال: (( يا إخواني لمثل هذا فأعدوا ) )، وأخرج ابن ماجه عن هاني مولى عثمان قال:"كان عثمان بن عفان إذا وقف على قبر يبكي حتى يبُل لحيته فقيل له: تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وتبكي من هذا! قال: إن رسول الله قال: (( إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه ) )، هنا تكمن خطورة القبر ـ إخوة الإيمان ـ فهو مؤشر لما بعده.
والجنازة وهي تحمل على الأعناق إلى المقبرة هي إما تُقدَّم إلى خير وإما تُقدَّم إلى شر أخرج أحمد عن أبي سعيد أن رسول الله قال: (( إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق ) )، وهذا كله لا يغني عن الميت شيئًا لأنه قد كان ما كان، وفات على الندم الأوان.
ونصل إلى القبر ذلك المكان الذي سيرقد فيه الكبير والصغير والغني والفقير، ولعلنا نتفاضل في حياتنا الدنيا ونتفاخر بالأثاث والرياش، فالبعض يفخر بأن أثاث بيته من الدولة الفلانية، وبلاطه جاء عبر البحار، وبسطه وفرشه من أفخر الأنواع، والبعض لا يملك من هذا شيئًا، أما في القبر فيختفي الأثاث وتختفي الفرش الوتيرة، فكلنا نفترش التراب وكلنا فقيرون إلى العزيز الوهاب.
والقبر ـ عباد الله ـ مكان عجيب، ففيه تطرح ثلاثة أسئلة سهلة، ولكنها من السهل الممتنع، فقد يجيب عنها الكناس والجزار، ولا يجيب عنها المهندس والدكتور، لأن القبر لا يعترف بالشهادات والمناصب والمراكز التي نتباهى بها في الحياة الدنيا، بل يعترف بعملة واحدة غير مزيفة، هي عملة العمل الصالح الخالص من كل شائبة والموافق لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فمن دخل القبر ومعه هذه العملة أجاب عن الأسئلة الثلاثة التي يطرحها الملكان في القبر مهما كان أميًَّا وجاهلًا في هذه الدنيا، ومن لم يصطحب معه هذه العملة تلعثم وارتبك ووقف كما يقف حمار الشيخ في العقبة، ولو كان حاملًا في هذه الدنيا أعلى الشهادات، يقول في الحديث الذي أوردنا جزءًا منه في الخطبة السابقة ونكمل باقيه الآن يقول عن روح المؤمن بعد أن ينتزعها ملك الموت وتصل بها الملائكة إلى السماء السابعة: (( يقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوا عبدي إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى; فتعاد روحه، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير فيقول: أنا عملك الصالح فيقول: رب أقم الساعة رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي ) ).
أما روح العبد الكافر فتمنع من الصعود إلى السماء كما أوردنا في الخطبة السابقة: (( فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحًا، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد فيقول: من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث فيقول: رب لا تقم الساعة ) )رواه أحمد عن البراء. وفي رواية أخرى أنه (( يضرب بمطراق من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين ) )، أي يسمع صيحته كل مخلوق إلا الإنس والجن.
إذًا في القبر أسئلة يجيب عنها المؤمن ويعجز عنها الفاجر، في القبر فتنة لا يثبت أمامها إلا المؤمنون: يُثَبّتُ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ بِ?لْقَوْلِ ?لثَّابِتِ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَفِى ?لآخِرَةِ وَيُضِلُّ ?للَّهُ ?لظَّـ?لِمِينَ وَيَفْعَلُ ?للَّهُ مَا يَشَاء [إبراهيم: 27 ] .
وفي القبر عذاب، لا خلاف في هذا، يقول سبحانه عن عذاب آل فرعون في البرزخ: ?لنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ ?لسَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ?لْعَذَابِ [غافر: 46 ] ، ويقول صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم عن أنس: (( لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر ) )، فرسول الله يخشى أننا لو سمعنا عذاب القبر ألا ندفن موتانا بعد ذلك، بل لقد علَّمنا صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ من عذاب القبر على الأقل خمس مرات في اليوم، وكثير من الناس يهمل هذا، يقول صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (( إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال ) ).
هذا هو القبر، موعد للمؤمن والفاسق، لا بد أن يصل إليه كل منهما، ونحن في سيرنا في هذه الحياة إنما نسير نحو القبور شئنا أم أبينا وإليها تتجه"بوصلتنا"في كل الأحوال.
فاتقوا الله عباد الله، واعملوا لهذه الظروف العصيبة التي ستمر بكل واحد منكم، ولا تغفلوا عن الموت، فإنه لايغفل عنكم، يقول سبحانه: وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِى ?لصُّورِ ذَلِكَ يَوْمَ ?لْوَعِيدِ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مّنْ هَـ?ذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ ?لْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: 22-19 ] .
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وأجارني وإياكم من خزيه وعذابه الأليم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة الكرام، منظر القبر منظر رهيب ومخيف، ولكننا وللأسف أصبح منظر القبر لا يمثل عندنا شيئًا وذلك بسبب قسوة قلوبنا، والله سبحانه ذم بني إسرائيل لقسوة قلوبهم فقال عز من قائل: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذ?لِكَ فَهِىَ كَ?لْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: 74 ] ، ولكن مع هذا ينبغي أن نحاول أن نستحضر الرهبة والخشوع والخوف عند الجنازة وعند القبر قدر الإمكان، لأنها مواطن الخوف والرهبة، وإذا لم نستطع استحضار الخوف عند القبر فمتى سنخاف ومن أي شيء سنخاف، وأنا أعلم أن تحقيق هذا أمر صعب لأنه يحتاج إلى قلوب سليمة صافية، وقلوبنا فيها من الهوى والغفلة ما الله به عليم، ولكن لا بأس من أن نحاول وندعو الله أن يطهر قلوبنا حتى نرى الأمور على حقيقتها، وأفضل ما يساعدنا على ذلك استحضارنا لآيات كتابنا وأقوال نبينا وسلفنا الصالح حول القبر والموت، لعلها تحيي موات قلوبنا.
فهاهو أفضل خلق الله الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقولها بكل وضوح كما في الترمذي عن أبي هريرة: (( ما رأيت منظرًا قط إلا والقبر أفظع منه ) )، فمشكلتنا أننا ننظر للقبر على أنه حفرة ذات شكل هندسي له طول وعرض وعمق، بينما هو في الحقيقة مسرح لأمور فظيعة رهيبة، لهذا لم ير رسول الله منظرًا أفظع منه، بل إن القبر يبدو كأنه كائن حي فهو يضيق ويتسع وينضم على الميت حتى تختلف أضلاعه، ولقد ضم القبر صحابيًا من أفضل أصحاب رسول الله هذا لصحابي هو سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن عند موته، ومع هذا لم ينج هذا الرجل العظيم من ضمة القبر فهل تفكرنا في هذه الضمة التي لا مهرب منها، يقول عن هذا الصحابي كما في الحديث الذي أخرجه النسائي عن ابن عمر: (( هذا الذي تحرك له العرش وفتحت له أبواب السماء وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لقد ضمه القبر ضمة ثم فرج عنه ) )ويقول في الحديث الذي أخرجه الطبراني عن ابن عباس: (( لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا سعد بن معاذ ) ).