فهرس الكتاب

الصفحة 3477 من 5777

الوقوف في أرض المحشر

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

الموت والحشر, اليوم الآخر

عبد الحليم توميات

رايس حميدو

عمر بن الخطاب

1-كيفية الحشر يوم القيامة. 2- يحشر المرء على ما مات عليه. 3- الآمنون في الفزع الأكبر. 4- المعذبون يوم القيامة. 5- الشفاعة العظمى.

أما بعد: فإننا لا نزال معكم في الحديث عن اليوم الآخر، وقد وقفنا عند الحديث عن يوم البعث والنشور، يوم الخروج من القبور، وانطلاق الخلق إلى أرض المحشر ذ?لِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ?لنَّاسُ وَذ?لِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ وَمَا نُؤَخّرُهُ إِلاَّ لأجَلٍ مَّعْدُودٍ [هود:103، 104] ، ووالله الذي لا إله إلا هو، لو عدت ـ يا عبد الله ـ إلى بيتك اليوم، ولو عدت ـ يا أمة الله ـ اليوم إلى دارك، لو عدنا جميعًا إلى بيوتنا بعد هذه الصلاة، ووجدنا رسالة تنتظرنا تقول:"مطلوب منك المثول بين يدي قاض من قضاة الدنيا"لما هنئنا بشراب أو طعام، ولما تلذذنا براحة أو منام، ولفزعنا أشد الفزع، ولغشينا أكبر الهلع، لأننا نتصور جيدًا هول دار القضاء، والرّعب المخيم عليها، والناس صامتون، إلى شفة القاضي ينظرون، وينتظرون سماع الحكم عليك، فكيف ويوم القيامة ستقف فيه بين يدي ملك الملوك وقاضي القضاة، الله رب الأرض والسماوات؟!

يا غافلًا عما خلقت له انتبه جدَّ الرحيل ولست باليقظان

يوم القيامة لو علمت بهوله لفررت من أهل ومن أوطان

ستخرج من قبرك عريانًا لا ثوب لك، حافيًا لا نعل لك، أغرل غير مختون، كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَـ?عِلِينَ [الأنبياء:104] ، وتصور نفسك عاريًا حافيًا ذليلًا مهمومًا مغمومًا، منطلقًا إلى أرض المحشر، ولا تسمع إلا همس الأقدام، وكل الخلائق منطلقة معك عن يمينك وعن شمالك، تقبل وحوش البراري والجبال منكسة رؤوسها بعد توحشها وفظاعتها خانعة، تقبل السباع بعد ضراوتها وشراستها خاضعة، تقبل الشياطين بعد تمردها وعتوها خاشعة، ذَلِكَ يَوْمُ ?لتَّغَابُنِ [التغابن:9] ، سبحان من جمع الخلائق على اختلاف طبائعهم وخلقهم، سبحان من جمع خلقه بعد تفرّقهم وتبعثرهم.

أما العباد، فيا حسرة على العباد، قال: (( يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنف مشاة، وصنف ركبان، وصنف على وجوههم ) )اللهم سلم سلم. فصنف يمشون على أقدامهم فيبلغهم الجهد بقدر أعمالهم. وصنف يركبون، ماذا يركبون؟ يركبون نجائب إبلًا من الجنة، عليها سرج من ذهب لا يعلم قدرها إلا من أعدها، في أرض المحشر؟! إي وربي، واستمع إلى قوله تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ ?لْمُتَّقِينَ إِلَى ?لرَّحْمَـ?نِ وَفْدًا [مريم:85] ، وفد وضيف كريم على رب كريم. وصنف يمشون على وجوههم، قال تعالى: ?لَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى? وُجُوهِهِمْ إِلَى? جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:34] ، كيف يمشون على وجوههم؟ إن الذي أمشى الحية على بطنها قادر على أن يُمشي الفاجر على وجهه. وقد روى البخاري ومسلم عن قتادة عن أنس أن رجلًا قال للنبي: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟! فقال: (( أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟! ) )قال قتادة: بلى وربنا، بلى وعزة ربنا. إلى أين؟ إلى أرض المحشر، يَوْمَ تُبَدَّلُ ?لأرْضُ غَيْرَ ?لأرْضِ [إبراهيم:48] ، تراها قاعًا صفصفا لا نرى فيها عوجًا ولا أمتا، والعباد يومئذ بين مفلح وخاسر.

ترى رجلًا ينطلق في أرض المحشر وجرحه يثغب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، إنه الشهيد الذي قتل في سبيل الله.

وترى رجلًا ينطلق إلى أرض المحشر آمنا مطمئنا من الفزع الأكبر، من هذا؟ إنهم أصناف:

إنه الساعي في قضاء حوائج إخوانه، فيقضي حاجة هذا، وينفس كربة هذا، وقد قال: (( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ) )وبالله عليكم، هل تساوي كرب الدنيا جميعًا كربة واحدة من كرب يوم القيامة؟!

وممن يأمن من الفزع الأكبر الذي شاب شيبة في الإسلام، جزاء لطول عمره وحسن عمله.

وممن يأمن من الفزع الأكبر المؤذنون، بشراكم أيها المؤذنون، أطول الناس أعناقًا يوم القيامة، كناية عن علو قدرهم وعظم شأنهم عند ربهم.

وممن يأمن الفزع الأكبر صنف يظلهم الله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله، إنهم:

الإمام العادل الحاكم المقسط الذي اتقى الله في رعيته، وآتاه الله القوة والسلطان فسخرهما لإعلاء كلمة الرحمن.

ثانيهم: شاب نشأ في طاعة الله، أقبلت عليه الدنيا بشهواتها ونزواتها وبهرجها وباطلها، فولاها ظهره وأقبل على ربه، فعاش طاهرًا نقيا عفيفًا تقيًا.

ثالثهم: رجال يعمرون مساجد الله وتعلقت قلوبهم بها، فيجدون بها حلاوة إيمانهم ويناجون فيها مالك أمورهم، ويودون لو ظلوا بها عاكفين عليها.

رابعهم: المتحابون في الله، جمعتهم رابطة الأخوة في الدين، وغشيتهم كلمة توحيد رب العالمين.

خامسهم: رجل أتته امرأة ذات جمال وجاه تريد أن تلبسه ذل المعصية وصغار الفاحشة، فقال لها: إني أخاف الله رب العالمين.

سادسهم: المنفقون أموالهم بالليل والنهار، سرًا وعلانية، في وقت غُلت أيدي الناس إلى أعناقهم، فتراهم ينفقون لوجه الله حتى لا تعلم شمائلهم ما تنفق أيمانهم.

سابعهم: الذي ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه من خشيته تعالى، فوالله إن الذي تدمع عينه لذلك حرّم الله عليها النار.

هؤلاء سبعة ذكرهم النبي في حديث واحد جميعًا، وهناك ثامن ذكره النبي وحده، يظله الله تحت ظل عرشه وهو الذي يُنظر المعسر قال: (( من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله ) )متفق عليه.

كل هؤلاء يأمنون الفزع الأكبر، والجزاء من جنس العمل، فمن خاف الله تعالى في الدنيا أمنه يوم القيامة. فتزودوا ـ عباد الله ـ من التقوى، فهو خير زاد لكم في هذا اليوم.

الحمد لله باعث الأرواح وقابضها، واهب الحياة وسالبها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلقنا من التراب وإليه يرجعنا، ثم إذا شاء إليه يصيّرنا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي أطال الحديث عن الموت وشدته، وعن الحساب وكربته، فنبه الناس من غفلتهم وخلّصهم من حيرتهم، صلى الله عليه وسلم وعلى آله الأطهار وصحابته الأبرار الذين تعلقت قلوبهم بدار القرار، فكانوا للآخرة عاملين، وللموت ذاكرين، حتى لقوا الله رب العالمين.

أما بعد: فإن حال الفجرة والعصاة غير حال البررة والتقاة، فإن مشهدهم يومئذ تقشعر منه الأبدان وتشيب له الولدان.

ترى رجلًا ينطلق في أرض المحشر، لا يقوى على القيام، ولا يقوى على القعود، بطنه منتفخة، يتخبط يمنة وميسرة، من هذا؟ إنه آكل الربا، ?لَّذِينَ يَأْكُلُونَ ?لرّبَو?اْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ?لَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ?لشَّيْطَـ?نُ مِنَ ?لْمَسّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا ?لْبَيْعُ مِثْلُ ?لرّبَو?اْ وَأَحَلَّ ?للَّهُ ?لْبَيْعَ وَحَرَّمَ ?لرّبَو?اْ [البقرة:275] .

وترى رجلًا ينطلق في أرض المحشر وحوله أطفال صغار، يسحبونه ويجرونه جرّا، وهم يتعلقون به، من هذا؟ إنه آكل أموال اليتامى ظلمًا، إِنَّ ?لَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْو?لَ ?لْيَتَـ?مَى? ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10] .

وترى رجلًا ينطلق في أرض المحشر وهو يحمل على كتفيه ما أخذه في هذه الدنيا بغير حق، يحمل على كتفيه ما سرقه، من سرق بيضة، من سرق دجاجة، من سرق نعجة، من سرق بقرة، من سرق ناقة، من سرق أمَّة، وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ [آل عمران:161] .

وترى رجلًا ينطلق إلى أرض المحشر وهو يحمل كأس الخمر في عنقه، إنه شارب الخمر، يبعث على ما مات عليه، وكل من مات على شيء بعث عليه، فنسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة.

ينقادون وينطلقون جميعًا إلى أرض المحشر، في يوم مقداره خمسون ألف سنة، ينقادون إلى لقاء الملك القهار، الواحد الجبار، مالك يوم الدين، وتصور ازدحام الخلائق واجتماعهم فتكتمل عدة أهل الأرض، واستووا جميعًا في موقف العرض، الإنس والجن والشياطين والسباع والدواب والهوام والطيور والوحوش، والشمس فوق رؤوسهم قدر ميل، وقد توهجت نارها، فاجتمع وهج الشمس وحرّ الأنفاس واحتراق القلوب بنار الخوف والحياء من الفضيحة والخزي، ففاض العرق على صعيد المحشر، حتى يرتفع على أبدانهم بقدر أعمالهم، والسؤال همس، والكلام تخافت، واليوم طويل، واشتد الكرب وعظم الخطب.

ويبحث العباد عن أهل المنازل العالية عند الله ليشفعوا لهم عند الله ليأتي ويخلصهم من كربات الموقف وأهواله، فيأتون آدم عليه السلام فيقولون: أنت أبونا آدم، أنت أبو الخلق، خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح.

فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح، أنت أوّل نبي إلى الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما بلغنا؟ ألا تشفع لنا؟ فيقول: إن ربي قد غضب، وإنه كان لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم.

فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا عند ربك، أما ترى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب، وإني كنت كذبت ثلاث كذبات ـ فيذكرها ـ نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى.

فيأتون موسى فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله فضلك برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا عند ربك. أما ترى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب، إني قد قتلت نفسًا لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى.

فيأتون عيسى عليه السلام، فيقولون: أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد، اشفع لنا عند ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟. فيقول: إن ربي قد غضب، ولم يذكر ذنبًا أو لعله يخشى من عبادة النصارى له، فيقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد. فيأتون محمدًا الحبيب المصطفى ـ بأبي هو وأمي ـ الذي ادخر دعوته لهذا اليوم حين استعجل بها كل نبي، فيقولون له: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء قد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر، اشفع لنا عند ربك، أما ترى ما نحن فيه؟

فينطلق الرسول فيأتي تحت العرش، فيقع ساجدا لربه، ويثني عليه بما هو أهله، بثناء لم يفتحه الله على أحد قبله. هذه هي أول شفاعة للرسول ، إنما هي ليخلص الله الخلائق من هول وكرب يوم الموقف، وتكون له أخرى حين يدخل الموحدون العصاة النار.

بعد ذلك، ترى الصمت وقد خيم على الموقف، السؤال همس، والكلام تخافت، فإذا بالمكان يغمره ما كان ينتظره كل أحد، يغمر المكان حينئذ نور الحي القيوم وهو آت في ظلل من الغمام والملائكة صفًا صفا، يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ?لدَّاعِىَ لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ ?لأصْوَاتُ لِلرَّحْمَـ?نِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ?لشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ?لرَّحْمَـ?نُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وَعَنَتِ ?لْوُجُوهُ لِلْحَىّ ?لْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:107-111] .

وَجَاء رَبُّكَ وَ?لْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:22] ، هناك ترتعد الفرائص، وتضطرب الجوارح وتبهت العقول، ويأمر الله تعالى أن يجاء بالنار، وَجِىء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر:23] ، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، يا للهول، يا لعظمة النار، التي تكور فيها الشمس على عظمتها كما تكور العمامة.

هنالك يتمنى قوم العود إلى الدنيا ليعملوا صالحًا، وَلَوْ تَرَى? إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ?لنَّارِ فَقَالُواْ ي?لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ بِئَايَـ?تِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ ?لْمُؤْمِنِينَ [الأنعام:27] ، فلا تلبث النار أن تزفر زفرة وتشهق شهقة، لا يسمعها ملك مقرب، أو نبي مرسل، حتى يجثو على ركبتيه يقول: نفسي نفسي. والله يا عباد الله..

مثل وقوفك يوم الحشر عريانا مستوحشًا قلق الأحشاء حيرانا

والنار تزفر من غيظ ومن حنقٍ على العصاة وتلقى الرب غضبانا

اقرأ كتابك يا عبدي على مهلٍ هل ترى فيه حرفًا غير ما كانا

لما قرأت ولم تنكر قراءته وأقررت إقرار من عرف الشيء عرفانا

نادى الجليل: خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبد عصى للنار عطشانا

المشركون في نار جهنم يلتهبوا والمؤمنون بدار الخلد سكانا

ربنا لا تخزنا يوم الحساب ولا تجعل لنارك اليوم علينا سلطانا

نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينجينا من نار الجحيم، اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض، أسأله تعالى أن يبارك لنا في القرآن العظيم، وأن ينفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت