الرقاق والأخلاق والآداب
مساوئ الأخلاق
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-الإنسان عجول. 2- ذم العجلة في الكتاب والسنة. 3- العجلة في نقل الأخبار وإشاعتها. 4- العجلة في الحكم على الأشخاص. 5- الأمر بالعدل. 6- العجلة في الطلاق. 7- ذم سرعة الانفعال. 8- العجلة في قيادة السيارات. 9- الاستعجال في الدعاء. 10- العجلة في تزويج الموليات. 11- العجلة في عتاب الأولاد. 12- ذم مسابقة الإمام. 13- العجلة في الصلاة. 14- ما تشرع فيه المسارعة. 15- فضل التأني في الأمور. 16- ذم الخصومة.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، يقول الله جل جلاله في كتابه العزيز: خُلِقَ ?لإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ ءايَـ?تِى فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء:37] ، وقال أيضًا جل جلاله: وَيَدْعُ ?لإِنْسَـ?نُ بِ?لشَّرّ دُعَاءَهُ بِ?لْخَيْرِ وَكَانَ ?لإِنْسَـ?نُ عَجُولًا [الإسراء:11] .
أيها الإخوة، وصف الله الإنسانَ بأنه عجول، أي: بأن فيه عجلةً في أموره، وتسرُّعًا في أحواله كلِّها؛ لقصور علمه وقلة إدراكه كانت تلك العجلة فيه، وهذا لَفْت نظرٍ له ليتحلى بالصبر والأناءة، ويكبح جماحَ النفس المائلة إلى العجلة في الأحوال كلِّها، ولذا النبي يقول: (( من حُرم الرفقَ حُرم الخيرَ كله ) ) [1] ، ويقول: (( ما وُضع الرفق في شيء إلا زانه، ولا نُزع الرفق من شيء إلا شانه ) ) [2] ، فالرفق في الأمور كلِّها مصلحة للعبد في دينه ودنياه، فيدرك برفقه وحكمته وأناءته ما لا يدركه في طيشه وعجلته وتسرُّعه. فكم يفوت عليه بالعجلة أمور يندم على فواتها، وكم تعود العجلة عليه بأمور يندم على فعلها. ولذا شرع النبي للمسلم صلاةَ الاستخارة قبل أن يُقدم على أمرٍ ما من الأمور، ليسأل الله: إنْ يكن هذا الأمر خيرًا له في الدين والدنيا وعاقب الأمور أن ييسره الله له ويعينه عليه، وإن يكن شرا له في دينه ودنياه وعاقبة أمره أن يصرفه الله عنه [3] ، وما ندم من استخار.
أيها المسلم، وإذا تأمَّل المسلم كتابَ الله وسنة محمد حقَّ التأمل رأى أن العجلةَ مذمومة، وأنه لا خير فيها، أعني العجلة في غير ما أُمرت به من الأوامر الشرعية، فالعجلة في الأمور والتصرفات تعود على الشخص بالندامة شاء أم أبى.
فمن ذلكم ـ يا عباد الله ـ نقلُ الأخبار وإشاعة الأخبار، يكون عند بعض الناس عجلة، فأي خبر سمعتْه أذُناه نشر ذلك الخبر وأشاعه من غير تثبت، أهذا الخبرُ حق أم باطل؟ أصدقٌ أم كذب؟ مجرد خبر يسمعه لا يستطيع أن يكتمه، بل لا بد أن يشيعه وينشره، ولو كان هذا الخبر غيرَ واقع، ولو كان كذبًا في باطن الأمر. ولهذا يقول: (( كفى بالمرء كذبًا أن يحدِّث بكل ما سمع ) ) [4] ، فمن حدَّث بكل ما سمع اعتُبر كاذبًا؛ لأن الخبر قد يُستقصى فلا يُرى له صحة، فيُتَّهم بالكذب وهو لم يقصد ذلك، لكن عجلته في الأخبار أوجبت له أن يوصَف بتلك الصفة الخاطئة.
ومن العجلة المذمومة الحكمُ على الأشخاص، وإصدار الحكم على فلان وفلان، بأن فلانًا فاسق، وبأن فلانًا مجروح العدالة، وبأن فلانًا كافر، وبأن فلانًا ذا رأي مخالف للشرع، ونحو ذلك مما قد يستعجل فيه البعض من غير خوف من الله وورع وتأكُّد.
أيها المسلم، لتعلم أن الله محاسبك على كل ما تقول، فإذا حكمتَ على أيٍّ كان بحكم فاعلم أن الله سائلك عنه، تحكمُ عليه بالبدعة اللهُ سائلك عن ذلك، تحكمُ بالفسق أو تحكم بالكفر أو تحكم عليه بالعولمة أو تحكم عليه بأي وصف كان، فاتق الله في حكمك قبل أن تُصدره، اتق الله فيه قبل أن تقول، فربما ساء فهمُك لِما نُقل إليك، وربما يكون لمَن نَقل عنه قلةُ إدراك ووعي منه، ولا يحيط بما قال، ولا يدرك حقيقة ما تكلم به، فكان المطلوب الاتصال بذلك الإنسان، ومناقشتُه عما قيل عنه: أحق ما نسب إليه أم غير حق؟ أكان عنده تأويلٌ عَرَض له أم كان مجازفًا في الأمور لقلة إيمانه وخوفه من الله؟ المهمُّ أن يكون حكمُك واقعًا على حقائق لا على ظنون وأهواء، فالمصيبة أن تكون الأحكام تنطلق من هوىً في النفس، والهوى يعمي ويصمُّ، ي?دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـ?كَ خَلِيفَةً فِى ?لأرْضِ فَ?حْكُمْ بَيْنَ ?لنَّاسِ بِ?لْحَقّ وَلاَ تَتَّبِعِ ?لْهَوَى? فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ?للَّهِ [ص:26] . كراهيتُك لبعض الناس وعدم التِئَام طبعك مع طباعهم لا يُجوِّز لك أن تحكم عليهم بالأحكام الجائرة من غير رويَّة في الأمور، فإن من حكم على الناس من غير رويَّة في أموره قد يعود عليه ذلك الأمر بالضرر عليه في نفسه، ومن قال لأخيه: يا عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه، أي: رجع عليه. هكذا يقول النبي [5] .
أيها المسلم، إن الله أمرك بالعدل في قولك مع العدوِّ والصديق: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ ?عْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى? [المائدة:8] ، مع العدوِّ والصديق، احكم بالعدل لا بالهوى والظنون الباطلة، وَإِذَا قُلْتُمْ فَ?عْدِلُواْ [الأنعام:152] ، ميزانُ حقٍّ أن تلتزمه في الأقوال والأعمال، ولهذا الله جل وعلا قال للمؤمنين: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى? مَا فَعَلْتُمْ نَـ?دِمِينَ [الحجرات:6] .
أيها المسلم، وتذمُّ العجلة في تسرُّع بعض الناس في الطلاق، واستعجال بعض الرجال في إطلاق لفظ الطلاق على امرأته من غير أناءة في الأمور، مجرَّد خصام، مجرَّد نزاع، اختلافُ وجهة نظر، عدمُ قيام المرأة بشيء من الواجبات، تقصيرها في بعض الأمور، يؤدِّي ببعض الحمقى أن يتسرَّع فيطلِّق المرأة لأتفه الأسباب وأحقرها، ولسبب لا يستحق شيئًا من ذلك، يهدم بيته، يفرِّق أسرته، يشتِّت أولادَه، لماذا؟ لبعض الأمور التي يمكن تلافيها والصبر عليها، (( فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج ) ) [6] ، و (( لا يفرك مؤمنٌ مؤمنة إن سخط منها خلقًا رضي منها آخر ) ) [7] . أما التسرُّع في الطلاق وعدم المبالاة به فذاك خطأ من بعض الناس وعجلة مذمومة، والطلاق إذا تلفظتَ به وقع، (( ثلاث جدُّهنَّ جدّ وهزلهنّ جدٌّ: الطلاق والنكاح والرجعة ) ) [8] .
ومن العجلة المذمومة سرعةُ الانفعال في أدنى خصومة مع الأولاد أو مع الآخرين، فيكون هناك الانفعال وشدة الغضب، ويقيم الدنيا ولا يقعدها بسببٍ تافه يمكن حلُّه وإنهاؤه بدون هذه الأمور التي لا خير فيها، فسرعةُ الانفعال والغضب على كل الأسباب هذه أمور منهيٌّ عنها وعجلة ضارَّة بالإنسان، فبإمكان الإنسان تلافي هذه الأمور وتداركها، والله يقول: وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83] .
من العجلة المذمومة ما يسلكه بعضُ قائدي السيارات في استعجالهم في سيرهم ومخالفتهم أنظمةَ المرور، وتجاوزهم الحدَّ في قيادة السيارة حتى يؤدِّي بنفسه إلى الهلكة ويضرَّ الآخرين، ويحدث من المصائب ما الله به عليم. فكم من قائدٍ لسيارته لا يبالي وقتَ قيادته، فربما اصطدم بها في أحد الأشياء، فصار ضحية لأعماله وأخطائه، وربما [اصطدم] بغيره وتحمَّل كل المصائب، فليتق المسلم ربَّه وهو يقود سيارته، وليراعِ الأنظمةَ المعتبرة، وليروِّض نفسه على الأناءة حتى يسلمَ من تلكم العجلة المذمومة، والنبي منصرفَه من عرفة إلى مزدلفة والناس حوله كان يشير إليهم بيده: (( السكينةَ السكينة ) ) [9] ، وكان في سيره متأنيًا، إن رأى سعةً أسرع، وإن رأى ضيقا وزحامًا تأنى [10] ، وهو سيد الأولين والآخرين، والناس يقتدون به، وهو إمامُهم، ومع هذا ألزم نفسَه بالعدل في سيره، ليكون قدوة للآخرين. فيا أخي السائق، اتق الله في نفسك، اتق الله في ولدك، اتق الله في إخوانك المسلمين، تأنَّ واحذر العجلة فلا خير فيها ولا في نتائجها، فزيادة دقائق في السياقة ومع الأناءة خير من عجلة تؤدي بك إلى الضرر المحتوم والعياذ بالله.
ومن العجلة المذمومة استعجالُ الداعي في دعائه، فإن النبي أمرنا بالدعاء، ونهانا عن العجلة في طلب الإجابة، وقال: (( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوتُ دعوت فلم يستجَب لي، فيستحسر ويدع الدعاء ) ) [11] ، والمسلم يعلم أنه يدعو ربًّا كريمًا قريبًا مجيبًا، لكن له تعالى حكمةٌ في تأخير إجابة دعائك، فربما كان في التأخير خيرًا لك، وأن في إجابة دعائك ضررًا عليك، وربما أُخِّرت إجابةُ دعوتك لتقوى رغبتُك إلى ربك، ويعظم في قلبك تعظيم ربك وكمالُ الافتقار والاحتياج إليه، وذاك أعظم فضلًا لك من أن تقضَى حاجتك.
أيها المسلم، ومن العجلة المذمومة تسرُّع بعض الرجال عندما تُخطَب منه الفتاة دون أن يتروَّى في الأمر وينظر: هل هذا الخطيب الذي تقدَّم لابنته مؤهَّل لها أم لا؟ ليبحث عن أحواله، عن صفاته وأخلاقه، ويوضح للفتاة كلَّ أمر، حتى يكون الإقدام مبنيًا على تروٍّ وبصيرة، من غير أن يندم الأب أو الزوج بعد ذلك، فالتأني في الخطبة ونظر حال المخطوب وتأمُّل الخاطب أيضًا لمن خطبها، كلُّ التأني في هذه الأمور يعود على الإنسان بالخير في الحاضر والمستقبل.
ومن العجلة المذمومة عتاب الأولاد من بنين وبنات، العتاب الدائم على كل شيء قلَّ أم كثر. فلا بد أن يقع العتاب موقعَه، وإذا تسرَّع الأب وعاتب عن كل الأمور وتقصَّى كلَّ الأشياء التي قد لا يكون في التقصي فيها فائدةٌ لم يكن الأدب في موضعه، لكن إذا أوقع الأدب موضعه وموقعه وتأنى في الأمور ونظر كيف علاجُها كان أدعى لارتباطه بأبنائه وبناته وأهل بيته.
ومن العجلة المذمومة العجلةُ في الصلاة، فإننا مأمورون في الصلاة بأن نقتدي بإمامنا، وأن لا نسابقه في كل الحركات، (( إنما جُعل الإمام ليؤتَمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، ولا تكبِّروا حتى يكبِّر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع ) ) [12] ، ويقول أيضًا: (( إني إمامُكم؛ فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف ) ) [13] ، وقال بعض السلف لمأموم سابقَ إمامه: لا وحدك صليتَ، ولا بإمامك اقتديت [14] .
ومن العجلة المذمومة العجلةُ في أداء الصلاة، والإسراع في أداء أركانها، وفقدان الطمأنينة في أدائها، والنبي أمر من أساء في صلاته أن يعيدها، وقال له: (( صلِّ فإنك لم تصلِّ ) ) [15] . فواجب المسلم الطمأنينة في صلاته، وأن لا يؤديَها بعجلة بل بتأنٍّ، مستكملًا كلَّ ركن وأذكارَ كلِّ ركن، حتى يؤديَها الأداء المطلوب شرعًا.
أيها المسلم، وأما أوامر الله لك من صلاة وزكاة وصوم وحج فالواجب المبادرة، [كما قال موسى عليه السلام] : وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لِتَرْضَى? [طه:84] ، فالصلوات الخمس شُرع لنا أداؤها في أول الوقت، ولهذا النبي يقول لما سئل: أي الأعمال أحبُّ إلى الله؟ قال: (( الصلاة على وقتها ) ) [16] . ووجب على المسلم أن يبادر بأداء زكاة المال إذا مضى الحول، فإن أداءها على الفور واجب. وأداء الصيام والحج كل ذلك مما يجب المبادرة [فيه] ، بأداء أركان الإسلام والمسابقة على الأعمال الصالحة، سَابِقُواْ إِلَى? مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ?لسَّمَاء وَ?لأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ بِ?للَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ ?للَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَ?للَّهُ ذُو ?لْفَضْلِ ?لْعَظِيمِ [الحديد:21] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه مسلم في البر (2592) من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه بنحوه.
[2] أخرجه مسلم في البر (2594) من حديث عائشة رضي الله عنها بنحوه.
[3] حديث صلاة الاستخارة أخرجه البخاري في الجمعة (1166) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
[4] أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (5) ، وأبو داود في الأدب (4992) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقد اختلف في وصله وإرساله، وصححه ابن حبان (30) ، والحاكم (381) ، ووافقه الذهبي، والحافظ في الفتح (10/407) ، والألباني في السلسلة الصحيحة (2025) .
[5] الحديث أخرجه البخاري في الأدب (6045) ، ومسلم في الإيمان (61) من حديث أبي ذر رضي الله عنه بمعناه.
[6] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم صلوات الله عليه وذريته... (3331) ، ومسلم في الرضاع، باب: الوصية بالنساء (1468) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.
[7] أخرجه مسلم في الرضاع، باب: الوصية بالنساء (1469) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.
[8] أخرجه أبو داود في الطلاق (2194) ، والترمذي في الطلاق (1184) ، وابن ماجه في الطلاق (2039) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب"، وحسنه الألباني في الإرواء (1826) .
[9] أخرجه مسلم في الحج (1218) من حديث جابر رضي الله عنهما.
[10] أخرج البخاري في الحج (1666) عن أسامة رضي الله عنه أنه سئل: كيف كان النبي يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نصَّ.
[11] أخرجه البخاري في الدعوات (6340) ، ومسلم في الذكر والدعاء (2735) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[12] أخرجه بهذا اللفظ أحمد (2/341) ، وأبو داود في الصلاة (603) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو في صحيح أبي داود (563) . وأصل الحديث عند البخاري في الأذان (722) ، ومسلم في الصلاة (417) .
[13] أخرجه مسلم في الصلاة (426) من حديث أنس رضي الله عنه.
[14] انظر: المغني (1/310) فقد نقل ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه.
[15] أخرجه البخاري في الأذان (757، 793) ، ومسلم في الصلاة (397) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[16] أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، باب: فضل الصلاة لوقتها (527) ، ومسلم في الإيمان، باب: بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (85) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
يقول الله جل وعلا: وَيَدْعُ ?لإِنْسَـ?نُ بِ?لشَّرّ دُعَاءهُ بِ?لْخَيْرِ وَكَانَ ?لإِنْسَـ?نُ عَجُولًا [الإسراء:11] ، لقلة رأيه وقصور علمه يَدْعو بالشَّرّ دُعاءه بالخيْر، ولا يعلم أن في ذلك مضرةً عليه وفسادًا له، لكن قلة العلم والبصيرة جعلت ابنَ آدم هكذا. فالتغلب على العجلة وترويضُ النفس على الصبر والأناة في الأمور نعمةٌ من الله، يقول لأشج عبد القيس: (( إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناءة ) ) [1] .
إن أناءتَك في الأمور تجعلك في راحة وانبساط، وإن عجلتك وطيشَك يجعلك قلقًا دائمًا، لا ترتاح ولا تطمئن. فأناءتُك في الأمور وعدم تسرُّعك في الأشياء مما يعود عليك بسلامة قلبك وراحة بالك، واطمئنان نفسك وانشراح صدرك، فكن كذلك ـ أخي المسلم ـ في أحوالك كلها لتكون من المتقين.
أيها المسلم، أتى رجلٌ للنبي يسأله سؤالًا ما وقع، قال له: أرأيتَ لو وجدتُ على امرأتي رجلًا، ماذا أعمل؟ إن تكلَّمت تكلمتُ بأمر عظيم، وإن سكتُّ سكتُّ على أمر عظيم، فكره النبي مسألتَه، ثم لما كان من غدٍ جاء للنبي، قال: رأيتَ مسألتُك عنه قد وقعتُ فيه [2] ، قال العلماء: إن البلاء موكَّلٌ بالمنطق، فالتعجُّل في الأمور، والسؤال عما لا يكون، كلُّ ذلك قد يجرّ على الإنسان وبالًا، وقد يجرّ على الإنسان أخطارًا، فعلى المسلم أن يسأل الله العافية دائمًا، ولذا النبي يقول: (( لا تتمنَّوا لقاءَ العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاصبروا ) ) [3] ، لا تتمنَّوا لقاء العدو، لأنك لا تدري أتثبتُ أمامه أم تنهزم أمامه، فالإنسان لا يبحثُ عن الشر، يسأل الله العافية، وإذا ابتُلي صبر واحتسب، لكن التطلّع إلى الشر والحرص عليه ليس من أخلاق المسلم.
البعضُ من الناس قد يكون همّه وحرصُه أن يخاصم هذا ويُقيم دعوى على هذا، ولا تطمئنّ نفسه إلا أن يخاصم ويكايد، ودائمًا تراه مخاصمًا للناس بأتفه الأسباب، لا يحب العافية، ولا يحب الصلح، ولكن يحب أن يكون دائمًا لدودًا مخاصمًا في كل الأحوال، والنبي يقول: (( أبغض [الرجال] إلى الله الألدّ الخصم ) ) [4] ، وذكر من صفات المنافق أنه إذا خاصم فجر [5] . فالمسلم يتقي الشرور، ويبتعد عنها بقدر الاستطاعة، وإذا ابتُلي الإنسان ببلاء عالجه على وفق ما دلَّ الكتاب والسنة عليه.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
وصلوا ـ رحمكم الله ـ على محمد بن عبد الله كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...
[1] أخرجه مسلم في الإيمان (17، 18) من حديث ابن عباس ومن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما.
[2] أخرجه مسلم في اللعان (1493، 1495) من حديث ابن عمر ومن حديث اين مسعود رضي الله عنهما.
[3] أخرجه البخاري في الجهاد (2966) ، ومسلم في الجهاد (1742) من حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه.
[4] أخرجه البخاري في المظالم والغصب (2457) ، ومسلم في العلم (2668) من حديث عائشة رضي الله عنها.
[5] حديث صفات المنافق أخرجه البخاري في الإيمان (34) ، ومسلم في الإيمان (58) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.