الرقاق والأخلاق والآداب
آفات اللسان, الآداب والحقوق العامة
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-من آفات اللسان الاستهزاء والسخرية. 2- المعيار الحقيقي للتفاضل بين الناس. 3-
الاستهزاء بالدين وشعائره كفر. 4- من آفات اللسان المزاح. 5- من مزاح النبي.
أما بعد: عباد الله، مازال حديثنا مستمرًا معكم، عن آفات اللسان، وعثراته وزلاته وذلك لأهمية هذا الموضوع هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، لغفلة كثير من الناس، عن هذه القضايا، وللوبال الذي يجره اللسان على صاحبه، إذا لم يحكم الإنسان ضبطه والتحكم به ناهيك عن الكبائر التي يقع فيها الإنسان بسبب لسانه.
فإتمامًا لهذا الموضوع نذكر لكم الآفة الخامسة من آفات هذا اللسان، وهذه الآفة من الأمراض الاجتماعية المنتشرة وبكثرة في مجتمعاتنا، بعكس المجتمعات الكافرة وهو الاستهزاء والسخرية قال الله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ عَسَى? أَن يَكُونُواْ خَيْرًا مّنْهُمْ وَلاَ نِسَاء مّن نّسَاء عَسَى? أَن يَكُنَّ خَيْرًا مّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِ?لأَلْقَـ?بِ بِئْسَ ?لاسْمُ ?لْفُسُوقُ بَعْدَ ?لإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لظَّـ?لِمُونَ [الحجرات:11] .
أيها المسلمون، في الحقيقة لا أعرف كيف أعلق على هذا الموضوع، لا أدري كيف يكون حديثي عن هذه الآفة الذميمة: الاستهزاء والسخرية بعباد الله، والعجيب في الأمر كما ذكرت لكم، أنك لا تكاد ترى هذا المرض منتشرًا في الدول الكافرة، لا ترى أحدًا يسخر من الآخر، أو يستهزئ به، والمسلمون هم أولى الناس بالتأدب بالآداب الشرعية. لكنك تجد أن هذا الأمر منتشر. وهذا لا يعني أن مجتمعات الكفرة أفضل من مجتمعاتنا، فليس بعد الكفر ذنب. لكن أقول بأن انتشاره بين المسلمين، إما على سبيل النكت، أو على سبيل إضحاك الآخرين.
فمن أمثلة ذلك تجد الواحد منا، لو تصرف أي تصرف غير صحيح سخر الآخر منه بقوله لا تكن هنديًا، وهذه لفظة شائعة في مجتمعاتنا، سبحان الله، وكأن الله عز وجل ما خلق الشعب الهندي، إلا للسخرية ومضرب المثل في الغباء، وما علم هذا المسكين بأن لسانه أوقعه في صفة ذميمة إذا لم يكن وقع في كبيرة كالغيبة ونحوها.
أيها المسلمون، لقد وصل الحال في بعض الناس، أنهم يجلسون الساعات تلو الساعات في مجالسهم، والمجلس من أوله إلى آخره ضحك في ضحك، هذا ينكت على هذا، وذاك يسخر بهذا حتى أصبح هذا فنًا من الفنون المحلية، وهذا الأمر غير مقتصر على الشباب فقط بل حتى كبار السن يمارسون هذا الفن حتى تخرج هواة ومحترفين في مجتمعاتنا في هذا الفن.
فاتقوا الله أيها المسلمون، لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ لا يستهزئ بعضكم ببعض ما يدريك أخي المسلم، أن ذلك الهندي أو غيره الذي سخرت منه، أو أنكت عليه، أن يكون عند الله عز وجل أفضل منك يقول عليه الصلاة والسلام في حديث البخارى: (( رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره ) )أي: ما يدريك أن هذا الأشعث الأغبر، لكن لمنزلته عند الله عز وجل لو أقسم على الله لبر الله بقسمه، لمنزلته عنده سبحانه وتعالى، وقد احتقر إبليس اللعين آدم عليه السلام؛ لأن إبليس كان يرى نفسه أنه أفضل من آدم، فباء إبليس بالخسار الأبدي، وفاز آدم بالعز الأبدي وشتان ما بينهما. فكل من ينظر إلى نفسه بأنه أفضل من غيره فلابد أن يعلم بأن فيه خصلة إبليسية.
أيها المسلمون، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: (( بحسب امرئ من الشر احتقاره أخاه المسلم ) ). ويقول عليه الصلاة والسلام: (( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) ).
أيها الأخوة، ليس للوطن قيمة، وليس للحسب ولا للنسب وزن، ولا يقاس أفضلية الناس بهذه الأمور، ولكن التقوى هو المعيار الحقيقي، إن أكرمكم عند الله اتقاكم، واسمعوا هذه القصة التي رواها الإمام البخاري في صحيحه لتدركوا هذه الحقيقة عن سهل بن سعد قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس: (( ما رأيك في هذا؟ ) )فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع قال فسكت النبى صلى الله عليه وسلم ثم مر رجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما رأيك في هذا؟ ) )فقال يا رسول الله: هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال لا يسمع لقوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا ) ). هل سمعتم أيها الأخوة قوله عليه الصلاة والسلام: (( هذا خير من على الأرض من مثل هذا ) ). هذا الفقير الوضيع، الذى يراه الناس حقيرًا لا قيمة له، كل يسخر به، كل ينكت عليه، ربما يكون عند الله عز وجل أفضل من أهل البلد كلهم؛ لكنها السخرية والاستهزاء بعباد الله التي أعمت القلوب والعيون عن رؤية هذه الحقيقة.
أيها المسلمون، لقد تطاول الناس في هذه القضية، وزادوا عن حدهم، فبعد أن تعود ألسنة بعض الناس على الاستهزاء دائمًا وقع بعض الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله في أمر أعظم مما ذكرت لكم، وقعوا في أشد من الآفة والكبيرة وقعوا في الكفر المخرج عن الملة، وقعوا في الكفر الأكبر بسبب اللسان وعن طريق الاستهزاء والسخرية والنكت.
أتدرون كيف حصل هذا؟
حصل هذا باستهزاء وتنكيت بعض الناس في أمور الدين والشرع والسخرية ببعض ماجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلكم هو الأمر الخطير والشر المستطير أيها الإخوة.
أيها المسلمون، نسمع من بعض الناس وقد سمعت الكثير من هذا بنفسي في بعض مجالس العامة، تجدْ ينكت ويستهزئ باللحية، وتجد من يحاول إضحاك الآخرين عن طريق أمور معلومة من الدين بالضرورة.
أيها الأخوة، إن الاستهزاء بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أو ثوابه أو عقابه كفر بواح، يخرج فاعله من ملة الإسلام ويوجب عليه ـ إن مات عليه ـ الخلود في نار جهنم والعياذ بالله.
فاتقوا الله أيها المسلمون، لا تصل بكم النكت إلى هذا الحد، تتجاوزون فيه العباد حتى تصلوا إلى شرع الله عز وجل، فكما ذكرت لكم إن هناك مجالس للمسلمين في هذا الوقت يقع فيها الاستهزاء ببعض السنن، تجد بعض الناس لكي يجعل جو المجلس مرحًا ومضحكًا، ولكي يضحك الآخرين تجده يستهزئ ببعض الملتزمين أو تجده يستهزئ بشىء من سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم ويكون بذلك قد خرج من الدين وهو لا يعلم، ويكون بهذا الاستهزاء كافرًا كفرًا أكبر يخرجه من الدين بالكلية، ويدخله في الكفر بالكلية والعياذ بالله والدليل على ما نقول قوله تعالى في سورة التوبة: قُلْ أَبِ?للَّهِ وَءايَـ?تِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـ?نِكُمْ [التوبة:65، 66] .
لقد تساهل بعض الناس إلى هذا الحد، فإذا كنت لا تريد أن تلتزم أنت بجميع أوامر الشرع، وإذا كنت يا عبد الله لا تريد أن تلتزم بسنن المصطفى صلى الله عليه وسلم فلا تعرض نفسك للخطر ولا ترمي نفسك للهلاك ولا ترمي نفسك للنار، كل ذلك بمجرد كلمات تقولها عن طريق هذا اللسان، لا تحسب لها حسابًا من أجل النكت ومن أجل إضحاك الآخرين، فالمسألة جد خطيرة أيها الأخوة، ليست قضية إثم ومعصية، لكنها قضية خروج من الإسلام قضية خلود في نار جهنم.
أيها المسلمون، أسوق لكم سبب نزول الآية في سورة التوبة: قُلْ أَبِ?للَّهِ وَءايَـ?تِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءونَ لتدركوا فقط مجرد الكلمات التي قالها أولئك فكفروا بسببها ونزلت فيهم قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة. روى ابن جرير، وابن حبان في سبب نزول قول الله جل جلاله: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِ?للَّهِ وَءايَـ?تِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـ?نِكُمْ قال: قال رجل في غزوة تبوك ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه القراء فقال له عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه: كذبت، ولكنك منافق لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذهب عوف بن مالك ليخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد القرآن قد سبقه أي نزلت الآية المذكورة: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: وجاء ذلك الرجل الذي قال تلك المقالة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب نتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق. يقول ابن عمر لكأني أنظر إليه متعلقًا بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الحجارة لتنكب رجليه وهو يقول إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أَبِ?للَّهِ وَءايَـ?تِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءونَ ما يلتفت إليه ولا يزيده عليه.
فيا أيها المسلمون، اتعظوا وتذكروا واحذروا من السخرية والاستهزاء سواء كان ذلكم مما يوجب الخروج من دين الله أو مما يوجب معصية تخدش الإيمان وتجرحه، الجماعة الذين كانوا في غزوة تبوك أيها الإخوة كان عندهم إيمان فلما قالوا ما قالوا، فلما لم يحسبوا حساب هذا اللسان كفروا بمقالتهم لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بعد ماذا؟ بَعْدَ إِيمَـ?نِكُمْ وقال الله عز وجل نظراء لهم كفروا بكلمات قالوها: ي?أَيُّهَا ?لنَّبِىُّ جَـ?هِدِ ?لْكُفَّـ?رَ وَ?لْمُنَـ?فِقِينَ وَ?غْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ?لْمَصِيرُ يَحْلِفُونَ بِ?للَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ?لْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَـ?مِهِمْ [التوبة:73، 74] ، فقد أثبت لهم إسلامًا وأثبت لأولئك إيمانًا خرجوا منه بسقطة لسان صادرة عن قلب مريض والعياذ بالله.
يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه: (( إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب ) ).
أسأل الله عز وجل أن يجنبنا وإياكم وجميع إخواننا المسلمين الوقوع في شيء من ذلك إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أما بعد: عباد الله، آفة أخرى من آفات هذا اللسان، وهى الآفة السادسة وهو المزاح: ويعتبر المزاح الجهة المقابلة للسخرية والاستهزاء، لكنه في نفس الوقت من الآفات العظيمة للألسن، التي أصيبت بها أمتنا ولا نريد أن يفهم كلامنا خطأً وفي غير محله فيفهم بعضكم بأننا نحرم المزاح أو ننهى عنه.
إن المزاح مطلوب وهو من الأشياء التي تدخل الأنس والسرور في نفوس الآخرين إذا كان في محله وبصورة لطيفة، لكن المزاح الذي نحذر منه والذي يعتبر آفة من آفات اللسان هو المزاح في غير الحق فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمزح لكنه عليه الصلاة والسلام كان لا يقول إلا حقًا يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (( إني لأمزح ولا أقول إلا حقا ) ). فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح، ولكنه لا يقول إلا حقًا، ولا ينطق إلا صدقًا أما المزاح الذي نحن نحذر منه، والذي هو الغالب على الناس، وذلك المزاح الذي دخل الشيطان منه على الصغير والكبير، على الذكر والأنثى، فإنهم حين يمزحون يسابق أحدهم الآخر للإتيان بكلمات تعجب الآخرين، فيها يشتد ضحكهم وعند هذه الأهداف الدنيئة يضيع الحق في نفوس هؤلاء فتنطق الأفواه بالكذب والباطل، وعندها يقعون في آفات اللسان، فمن أراد منكم المزاح أيها الإخوة فلا يقل إلا صدقًا وحقًا، وإلا فالسلامة لا يعدلها شيء. واسمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه: (( ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له ويل له ) ).
أيها المسلمون، إليكم طرفًا من مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم لتدركوا الفرق الشاسع بين مزاح الرعيل الأول ومزاحنا نحن عن أنس بن مالك رضي الله عنه: ) أن رجلًا استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: طلب أن يحمله معه فقال عليه الصلاة والسلام: (( إني حاملك على ولد الناقة ) )فقال: يا رسول الله، ما أصنع بولد الناقة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (( وهل تلد الإبل إلا النوق ) ). فهم الرجل من كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه سوف يحمله على صغار ولد الناقة، وهذا كما هو معروف لا يحمل عليه لصغره لكن حتى الكبير من الإبل هي ولد الناقة فلم ينتبه الرجل لمراد قوله عليه الصلاة والسلام وقد كان صادقًا فيما يقول.
وعن الحسن رضي الله عنه قال: أتت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: ادع الله أن يدخلني الجنة. فقال عليه الصلاة والسلام: (( يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز ) )قال: فولت تبكى. فقال: (( أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: إِنَّا أَنشَأْنَـ?هُنَّ إِنشَاء فَجَعَلْنَـ?هُنَّ أَبْكَـ?رًا عُرُبًا أَتْرَابًا [المعارج:35-37] ) )، هكذا كان مزاحه عليه الصلاة والسلام خاليًا من الكذب والخديعة والطعن في الناس.
أيها المسلمون، إن الإكثار من المزاح له مضار لاشك في ذلك قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى:"اتقوا الله، وإياكم والمزاح فإنه يورث الضغينة ويجر إلى القبيح، تحدثوا بالقرآن، وتجالسوا به فإن ثقل عليكم فحديث حسن من حديث الرجال".
وقال عمر رضى الله عنه: (أتدرون لم سمي المزاح مزاحًا؟ لأنه أزاح صاحبه عن الحق) . ويقول الإمام الغزالي رحمه الله في كتابه الإحياء:"لكل شيء بذور، وبذور العداوة المزاح، ويقال المزاح مسلبة للنهي مقطعة للأصدقاء."
فإن قلت قد نقل المزاح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فكيف ينهى عنه؟ فأقول ـ وهذا قول الغزالي ـ إن قدرت على ما قدر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو أن تمزح ولا تقول إلا حقًا، ولا تؤذي قلبًا ولا تفرط فيه وتقتصر عليه أحيانًا على الندور فلا حرج عليك فيه، ولكن من الغلط العظيم أن يتخذ الإنسان المزاح حرفة يواظب عليه ويفرط فيه"انتهى كلامه رحمه الله تعالى."
أيها المسلمون، خلاصة القول في المزاح أن المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم صاحبة عليه ويورث الضحك وقسوة القلب ويشغل عن ذكر الله في مهمات الدين ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء ويورث الأحقاد ويسقط المهابة والوقار، فأما من سلم من ذلك فهو مباح والذي كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا النوع لمصلحة تطييب نفس المخاطب ومؤانسته وهو سنة مستحبة.
فاتقوا الله أيها المسلمون، تعلموا مثل هذه الأمور، ولا يكن مزاحكم مما تحصلون به على السيئات ويخرج عن مقصوده الذى شرع له.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.