فهرس الكتاب

الصفحة 3066 من 5777

أثر وفاة الشيخ العثيمين ومن قبله من العلماء الربانيين

العلم والدعوة والجهاد

العلم الشرعي

مراد وعمارة

باب الوادي

التقوى

1-تتابع موت العلماء. 2- موت العلماء من علامات قرب الساعة. 3- الإسلام لا يرتبط بالأشخاص وإنما يرتبط بالوحي. 4- لن تخلو أمة الإسلام من علماء مجددين.

غمرتنا قبلَ يومين آيتان عظيمتان من آيات الله تعالى، بدران خسفا.

فأمَّا البدر الأوَّل فهو هذا القمر الذي اكتمل بدرًا يراه الناس جميعًا، ثمَّ إذا به يخسف وينحجب، حتَّى لم نعد نرى شيئًا من النور الذي كان يشعُّ به، فهذه الآية الأولى، وهي آية خسوف القمر ليلة البدر.

وأمَّا الآية الأخرى فإنَّ قليلًا من الناس من يحسُّ بها، وأكثر الناس هم عنها غافلون، إنَّها خسوف بدر أعظم نورًا من نور القمر ليلةَ البدر، هذا البدر الثاني الذي خَسف وانحجب بخسوفه النور الذي كان يشعُّ به هو الشيخ الإمام محمَّد صالح العثيمين رحمه الله تعالى، فقد توفي الشيخ قبل يومين، فانخسف بفقده نور العلم والهدى الذي كان يشعُّ به. نعم إنَّه البدرُ الثالث، ثالث ثلاثة نفقده بعد فقدنا من نحو عام لأخويه ابن باز والألباني رحمهم الله تعالى.

إنَّهم بدور خسفت فلن تنير، وشموس كسفت فلن تشرق، ومنارات هدى هدمت فلن تضيء.

لقد خسر العالم الإسلامي في هذه الشهور الأخيرة كوكبةً من كبار العلماء، فمن نحو ثلاثة أعوام رزئنا بوفاة الشيخ العلامة إسماعيل الأنصاري، ثمَّ من بعده محدِّثِ الحجاز الشيخ حمَّاد بنِ محمَّد الأنصاري، وقبل سنة رزئنا بوفاة الشيخ صالح بن غصون، ثمَّ بعده بأيَّام فجعنا بوفاة مفتي الزمان الشيخ عبد العزيز بن باز، فلم تكد دموعنا تجفُّ حتَّى جاء الخبر بوفاة الشيخ علي الطنطاوي، ثمَّ بعده بأيَّام وفاة الشيخ مصطفى أحمد الزرقاء، ثمَّ بعده بأيَّام وفاة الشيخ مناع خليل القطان، ثمَّ وفاة الشيخ عطيَّة محمَّد سالم، بعضِهم تلوَ بعض، في أقلَّ من أربعة أشهر.

ثمَّ كانت الفاجعة الكبرى والرزيَّة العظمى أن خسرنا في منتصف عامَ أوَّل مصباحًا من مصابيح الدجى وسراجًا من السرج الوهَّاجة بنور العلم والهدى، محمَّدًا ناصر الدين الألباني.

وها نحن الآن نودِّع إمامًا من أئمَّة الهدى وعالمًا ربَّانيًّا من علماء السنَّة والسبيل.

فسلام على مشاهد كانت بوجوده مشهودة، وعلى معاهد كانت ظلال رعايته وتعهُّده عليها ممدودة، وعلى مساجد كانت بعلومه ومواعظه معمورة، وعلى مدارس كانت بفيضه الزاخر ونوره الزاهر مغمورة، وعلى جمعيات كان شملُها بوجوده مجموعًا، وكان صوته الجهير كصوت الحقِّ الشهير، مدوِّيًا في جنباتها مسموعًا.

فيا لها مصيبةً ما أشدَّ وقعها، وخسارةً ما أشدَّ وجعها، انقبض بها علم نافع كان منشورًا، وارتفع بها ذكرٌ صالحٌ كان الله به مذكورًا.

فإنَّه ليس على وجه البسيطة من رجل على السبيل والسنَّة هو أذكر لله تعالى من أئمَّة الدين، ولا أكثر صلاة على نبيِّه منهم، ولا أعبد لله منهم، وخير العبادة التفكّر والفقه في الدين.

والشيوخ الثلاثة ابن باز والألباني والعثيمين يزيدون على غيرهم في ذلك أنَّنا علمناهم ووجوه الخلق في مشارق الأرض ومغاربها ميمِّمةٌ شطرهم طالبةٌ توقيعهم عن ربِّ العالمين، فيما ينزل من نوازل بالمسلمين، بما آتاهم الله من علم نافع وفقه في الدين، قلَّما أوتي أحدٌ مثله من العالِمين، فالناس اليوم بعدهم أيتام، بعدما كانوا بالأمس كالصبيان في حجورهم.

فيا للهول من فقْدِ من كان بين الخلق وخالقهم داعيًا إليه هاديًا وسراجًا منيرًا.

وأيُّ آية أعظم من خسوف العلم والنور والهدى؟! وأيُّ نسبة بين نور القمر ونور العلم والهدى. فلا جرم أنَّ خسوف نور العلم بخسوف العلماء أعظم من خسوف نور القمر، فإنَّ آية خسوف القمر إذا كانت منذرةً بقرب الساعة فإنَّ آية فقد العلماء تنذر بقرب الساعة أيضًا، وأخطرُ من ذلك وأعظم أنَّها تنذر برفع العلم وفشوِّ الجهل والضلالة.

وهذا عبد الله بن عباس قيل له: ماتت فلانة بعض أزواج النبي، فخرَّ ساجدًا فقيل له: تسجد هذه الساعة؟! فقال: قال رسول الله: (( إذا رأيتم آية فاسجدوا ) )، وأيُّ آية أعظم من ذهاب أزواج النبي ؟! رواه أبو داود والترمذي بسند حسن.

وهذا لأنَّ ذهاب أزواجه يؤذن بقرب الساعة وبذهاب كثير من العلم. والله المستعان.

أيُّها المسلمون، لا شكَّ أنَّ الحدث عظيم، ولكنَّ الله تعالى قد علَّمنا كيف نتعامل مع مثل هذه الأحداث.

إنَّ فقد العلماء يوجب في قلب المؤمن الحي تحرًُّقًا على فراقهم وحزنًا، وعِبرةً وعَبرة، لأنَّ بفقدهم يفوت أعز مطلوب وأشرف مرغوب، وهو العلم، ولأنًَّ ذلك مؤذنٌ بقرب الساعة وفشوِّ الضلالة، ولكنَّ ذلك لا يبلغ بالمسلم أن يعلِّق مصيره بالأشخاص، ويقلِّد دينه بشرًا يخطئ ويصيب، فيخطئ التابع إذا أخطأ المتبوع، ويموت بموته.

أما لنا عبرة بخطبة أبي بكر الصديق حين توفي رسول الله ؟! وأيُّ مصيبة أعظم من مصيبة موت من لا نبي بعده؟! وقد كادت قلوب تطيش بذلك لولا أنْ ثبَّتها الله بخطبة أبي بكر الصديق، حين قال: أيُّها الناس، من كان يعبد محمَّدًا فإنَّ محمَّدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حي لا يموت.

وإذا كان هذا في حق النبي الذي انقطع الوحي بموته، فأولى بذلك ورثته من العلماء الذين قد جعل الله فيهم الخُلف في كلِّ جيل، وعلى رأس كلِّ قرن.

لقد وجدنا قومًا يتباكون فقدَ العلماء، وقد غلب عليهم اليأس، وينشرون ذلك على صفحات الشبكة العنكبوتية للأنترنت، وكأنَّ الله قد أخلى الزمان من قائم له بالحجَّة!

بل قد سأل سائلٌ فقال: اليوم قد ذهب كبار العلماء فإلى من تتوجَّه الأمَّة؟!

ألا فليتَّق الله أقوامٌ يجعلون من فقدِ هذه الثلَّة المباركة من العلماء سبيلًا لليأس والإياس، ويزرعون الشكوك في قلوب الناس، ويرمون بالأمة فريسة في أيدي المفتئتين على مناصب العلماء من أئمَّة الضلالة ودعاة الفتنة والتحزبات والانشقاقات.

وذلك يتضمَّن اللمزَ والطعن فيمن بقي من العلماء، فلا يزال بحمد الله في الأمَّة خيرٌ كثير، وجيلٌ من العلماء عظيم، وآخرون هم على الدرب لاحقون.

إننا أمة لا نرتبط بالأشخاص، إنَّما نرتبط بالوحي كتابًا وسنَّة، وبهدي السلف سبيلًا ومنهجا. هذا هو العاصم لنا من الضلالة بعد رحمة الله عز وجل وتوفيقه وفضله.

فسؤال من يسأل: إلى من نتوجَّه بعد موت العلماء؟ سؤالٌ ناشئ من سوء الأوضاع التي نشأ عليها السائل، فيا سبحان الله، أليس الله هو الحافظ لدينه؟! فوالله لن نضلَّ ما دام كتاب الله فينا يتلى ويُتدارس، وما دامت سنة نبيه تروى وتنشر، ولا يزال الله يغرس في هذه الأمة من يبصّرها بأمر دينها ويقيم الحجَّة لله، وينفي عن الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. ولا تزال طائفة من هذه الأمَّة قائمةً بالحقِّ إلى يوم القيامة، هكذا أخبر النبيُّ ، وهم أهل العلم.

ففي الوقت الذي يفرح فيه المنافقون بفقد العلماء ويرفعون بذلك رأسا، يملأ هؤلاء المرتابون قلوب الضعفاء من الناس هونًا ويأسا.

وأكرِّر بهذه المناسبة ما كنت قلته في خطبة مضت في حدث مماثل: إذا كان أهل النفاق قد راقهم موت علمائنا ورفعوا بذلك رأسًا، وفرحوا بفقدهم ولم يُبدو أسًى، فليبشروا بما يسوؤهم، فإنَّ الله وعدنا على لسان نبيِّه أنَّه يبعث على رأس كلِّ مائة سنة من يجدِّد لهذه الأمَّة أمر دينها، فلا يموت جيلٌ من العلماء حتَّى يخلفه جيل آخر، إلاَّ ما شاء الله من أوقات الفترات، حتَّى ينزل عيسى بن مريم، في آخر الزمان فيحكم بشريعة الرحمان، كما بقيت محفوظة في صدور العلماء ودواوينهم. وكذلك هو الأمر، فقد ظهر في الساحة علماء بالسنَّة فقهاء في معانيها وبصراء برجالها وعللها، ما لم يكن منذ أعصار مديدة بعد وفات السخاوي والسيوطي رحمهما الله.

قال حمَّاد بن زيد حضرت أيُّوب السختياني وهو يغسل شعيب بن الحبحاب وهو يقول:"إنَّ الذين يتمنَّون موت أهل السنَّة يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، والله متمٌّ نوره ولو كره الكافرون". فلا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

أحسن الله عزاءكم ـ أيُّها المسلمون ـ في علمائكم، وأحسن الله عليكم الخلف من بعدهم، فنسأل الله أن يتغمَّد أئمَّتنا العلماء برحمته، وأن يُلحقهم بالرفيق الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن لا يَفتننا بعدهم، ولا يَحرمنا أجرهم.

أقول ما تسمعون، والله يغفر لي ولكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت