فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 5777

سورة(ق)

العلم والدعوة والجهاد

القرآن والتفسير

صالح بن عبد الله بن حميد

مكة المكرمة

المسجد الحرام

البعث والنشور والجزاء والحساب أحد أركان الدين - سورة (ق) وخطبته بها صلى الله عليه

وسلم والسر في ذلك - تفسير السورة

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، اتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله، يوم ينفخ في الصور، ويبعث من في القبور، ويظهر المستور، يوم تبلى السرائر، وتكشف الضمائر، ويتميز البر من الفاجر.

أيها الأخوة في الله، أَيَحْسَبُ ?لإِنسَـ?نُ أَن يُتْرَكَ سُدًى [القيامة:36] . أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـ?كُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115] . وَمَا خَلَقْنَا ?لسَّمَاء وَ?لأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـ?طِلًا ذ?لِكَ ظَنُّ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ [ص:27] .

المكلفون مؤاخذون بأعمالهم، تكتب ألفاظهم، وتسجل ألحاظهم في كتابٍ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم.

أيها المسلمون والمسلمات، البعث والنشور والجزاء والحساب أحد أركان دين الله، جاءت به جميع الرسل، والغريب العجيب أنه ما من شيء في دعوة هؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام استبعده الكفار واستغربوه، وتعجبوا منه وأنكروه مثل إنكارهم اليوم الآخر.

والقرآن الكريم قد سجل على هذه الأجيال الكافرة جيلًا بعد جيل إصرارها وإنكارها؛ وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ?لدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [الأنعام:29] . أَءذَا كُنَّا تُرَابًا أَءنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ [الرعد:5] . وَأَقْسَمُواْ بِ?للَّهِ جَهْدَ أَيْمَـ?نِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ?للَّهُ مَن يَمُوتُ [النحل:38] . وَيَقُولُ ?لإِنْسَـ?نُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [مريم:66] . أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظـ?مًا أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ?لدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [المؤمنون:35-37] . بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ?لاْوَّلُونَ قَالُواْ أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَـ?مًا أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءابَاؤُنَا هَـ?ذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـ?ذَا إِلاَّ أَسَـ?طِيرُ ?لاْوَّلِينَ [ المؤمنون:81-83] .

أيها الإخوة، وبين أيدينا سورة عظيمة كأنها قد خصصت لمعالجة هذه القضية، سورة ذات دلالات عظيمة وآيات عميقة، تخاطب العقول، وتطبب أمراض الشكوك لا بالجدل العقلي العقيم؛ ولكن بالطريقة القرآنية الفريدة الصالحة لكل زمان ومكان. إنها السورة التي كان يقرؤها ، ويخطب بها على المنابر في الجُمَع والأعياد والمجامع الكبار، كما يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله لاشتمالها على ابتداء الخلق، والبعث والنشور، والمعاد والقيامة والحساب، والجنة والنار، والثواب والعقاب، والترغيب والترهيب.. تلكم هي سورة: ق وَ?لْقُرْءانِ ?لْمَجِيدِ [ق:1] .

أخرج أحمد ومسلم من حديث أم هشام بنت حارثة قالت: (لقد كان تنورنا وتنور النبي واحدًا سنتين أو سنة أو بعض السنة، وما أخذت ق وَ?لْقُرْءانِ ?لْمَجِيدِ إلا على رسول الله كان يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس) [1] .

سورة عظيمة، جلية بحقائقها، ظاهرة في حججها، واضحة في بيانها، تأخذ على النفوس أقطارها، وتلاحق القلوب في خطراتها وحركاتها، تبرهن على عقيدة البعث والنشور؛ من المولد والوفاة، والمحشر والحساب، والثواب والعقاب، إيضاحٌ عجيبٌ، وبسطٌ دقيقٌ لصورة المحيا والممات، وصورة البلى والقيام لرب العالمين.

تبتدئ السورة الكريمة بتعجب الكفار واستبعادهم للمعاد بعد الهلاك، وتلك سذاجة في التفكير، وقصور في النظر. إنهم ينكرون إعادة الخلق، وقد خلقوا أول مرة. ويأتي الرد عليهم سهلًا سريعًا يسيرًا، فالله الذي خلقهم وأماتهم لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، يعلم أجزاءهم وأشلاءهم وذرَّاتهم، وكل ما تنتقصه الأرض منهم، وكل ذلك في كتاب حفيظ.

بسم الله الرحمن الرحيم: ق وَ?لْقُرْءانِ ?لْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ فَقَالَ ?لْكَـ?فِرُونَ هَـ?ذَا شَىْء عَجِيبٌ أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ?لأرْضَ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَـ?بٌ حَفِيظٌ بَلْ كَذَّبُواْ بِ?لْحَقّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ [ق:1-5] .

إن كل من كذب بالحق فهو في أمر مريج. السائر في غير درب الحق حاله مختلط، وأمره متخبِّط، تتقاذفه الأهواء، وتتخطفه الهواجس، وتمزقه الحيرة، وتقلقه الشكوك، يضطرب سعيه، وتتأرجح مواقفه ذات اليمين وذات الشمال، فقلبه في اضطراب، ونفسه في خلجات. وهذا هو حال الكثيرين من الفلاسفة المتقدمين، والماديين المتأخرين، والشيوعيين والعلمانيين؛ كل هؤلاء وأولئك في أمر مريج، وليس ثمة معالجة لهذه الشكوك، ولا طريق يوصل إلى الحق إلا طريق القرآن، إنه التدبر في خلق الإنسان ومخلوقات الأرض والسماء، والنبات والماء، وكل مبثوث من الجماد والأحياء، ينضم إلى ذلك النظر في أحوال الغابرين، وعاقبة المكذبين، ومصائر المتشككين أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى ?لسَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـ?هَا وَزَيَّنَّـ?هَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ وَ?لأرْضَ مَدَدْنَـ?هَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَو?سِىَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى? لِكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ وَنَزَّلْنَا مِنَ ?لسَّمَاء مَاء مُّبَـ?رَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّـ?تٍ وَحَبَّ ?لْحَصِيدِ وَ?لنَّخْلَ بَـ?سِقَـ?تٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ [ق:6-10] .

ومن بعد ذلك تنتقل الآيات إلى طريق في البرهان آخر، ومشهد مألوف؛ ولكن كثيرًا ما تغفل عنه النفوس، إنها لحظة الموت وسكراته، ويسبق ذلك بيان الرقابة الإلهية والإحاطة الربانية بهذا الإنسان، فهو في قبضة مولاه، النَّفَس معدود، والهاجس معلوم، واللفظ مكتوب، واللحظ محسوب. رقابة رهيبة لا يفوت فيها ظن، ولا يفلت منها وسواس.

يُذكر ذلك ـ أيها الإخوة ـ مصحوبًا بوصف عجيب لحالة الموت والسكرات التي تمر على كل إنسان؛ برًا كان أو فاجرًا، مؤمنًا كان أو كافرًا. والموت هو أشد ما يحاول المخلوق البشري أن يروغ منه، أو يبعد شبحه عن خاطره ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] . ولكن الموت طالب مدرك، لا يبطئ ولا يخطئ ولا يتخلف له موعد، وها هي سكرات الموت قد جاءت بالحق الذي كان ينكره المنكرون، ولكن لا ينفع الاعتراف بعد فوات الأوان.

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ?لإِنسَـ?نَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ?لْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى ?لْمُتَلَقّيَانِ عَنِ ?لْيَمِينِ وَعَنِ ?لشّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:16-19] .

وبعد الموت وسكراته يأتي هول المحشر، ورهبة الحساب وَنُفِخَ فِى ?لصُّورِ ذَلِكَ يَوْمَ ?لْوَعِيدِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت