فهرس الكتاب

الصفحة 3249 من 5777

من أسباب النجاة

الإيمان

خصال الإيمان

محمد بن أحمد حسين الزيداني

رجال ألمع

جامع الرصعة الجديد

1-الحرص على النجاة. 2- من حكم الزهاد. 3- ثمانية الأسباب للنجاة. 4- ترصّد الشيطان لبني آدم.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى، وسيروا في دنياكم سير طلاب النجاة من الأهوال، فإنّ مدار الدنيا سعيٌ للنجاة في الآخرة، وهنيئًا لمن أُلبس ثياب النجاة. إن الاشتغال بما لا ينجي هلاكٌ يورد الهلاك، فاشتغلوا بما ينجيكم بين يدي الله ويقيكم سوء المصير، ليكن الاستغفار لكل منا لسانا، ولتكن التقوى لكل منا جنانا، وليكن الحرص على النجاة لكل منا جوارح ووجدانا، الجزاء ينتظرنا، واللحظة تطير بنا إليه.

أحد الزهاد يصاحب معلّمه ثلاثين سنة يطلب العلم منه، فيسأله معلّمه يومًا عمّا استفاده طيلة هذه الفترة، فيقول الزاهد: استفدت ثماني فوائد، هي زبدة الزبدة وخلاصة الخلاصة، وهي ما أرجو فيها الخلاص والنجاة. وها أنا ـ أيها المسلمون ـ أعرضها لكم اليوم لأننا جميعًا باحثون عن الفائدة المنجية، وحريصون على النجاة والفلاح.

قال التلميذ الزاهد لمعلمه: أما الأولى: فإني نظرت إلى الخلق فرأيت لكلّ منهم محبوبًا ومعشوقًا يحبه ويعشقه، وبعض ذلك المحبوب يصاحبه إلى مرض الموت، وبعضه يصاحبه إلى شفير القبر، ثم يرجع كله ويتركه فريدًا وحيدًا، ولا يدخل معه في قبره منهم أحد، فتفكرت وقلت: أفضل محبوب للمرء ما يدخل معه في قبره ويؤنسه فيه، فما وجدته غير الأعمال الصالحة، فأخذتها محبوبةً لي، لتكون لي في قبري أنيسًا وسراجًا منيرًا.

وأما الثانية: فإني رأيت الخلق يقتدون أهواءهم، ويبادرون إلى مرادات أنفسهم، فتأملت قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40، 41] ، وتيقنت أن القرآن حق صادق فبادرت إلى خلاف نفسي، وتشمّرت بمجاهدتها، وما متعتها بهواها، حتى ارتاضت بطاعة الله تعالى وانقادت.

وأما الثالثة: فإني رأيت كلّ واحد من الناس يسعى في جمع حطام الدنيا، ثم يمسكه قابِضًا يده عليه، فتأملت في قوله تعالى: مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96] ، فبذلت محصولي من الدنيا لوجه الله تعالى، ففرقته بين المساكين ليكون لي عند الله ذخرًا.

وأما الرابعة: فإني رأيت بعض الخلق يظن أن شرفه وعزَّه في كثرة الأقوام والعشائر فاعتز بهم، وزعم آخرون أنه في ثروة الأموال وكثرة الأولاد فافتخروا بها، وحسب بعضهم أن العز والشرف في غصب أموال الناس وظلمهم وسفك دمائهم، واعتقدت طائفة أنه في إتلاف المال وإسرافه وتبذيره، فتأملت في قوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] ، فاخترت التقوى، واعتقدت أن القرآن حق صادق، وظنهم وحسابهم باطل زائل.

وأما الخامسة: فإني رأيت الناس يذم بعضهم بعضًا، ويغتاب بعضهم بعضا، فوجدت أصل ذلك من الحسد في المال والجاه والعلم، فتأملت في قوله تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف:32] ، فعلمت أن القسمة كانت من الله تعالى في الأزل، فما حسدت أحدًا ورضيت بقسمة الله تعالى.

وأما السادسة: فإني رأيت الناس يعادي بعضهم بعضًا لغرض وسبب، فتأملت في قوله تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر:6] ، فعلمت أنه لا يجوز عداوة أحدٍ غير الشيطان.

وأما السابعة: فإني رأيت كلّ أحد يسعى بجدّ، ويجتهد بمبالغة لطلب القوت والمعاش، بحيث يقع به في شبهة وحرام ويذلّ نفسه وينقص قدره، فتأملت في قوله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6] ، فعلمت أن رزقي على الله تعالى وقد ضمنه، فاشتغلت بعبادته، وقطعت طمعي عما سواه.

وأما الثامنة: فإني رأيت كلّ واحد معتمدًا على شيء مخلوق، بعضهم على الدينار والدرهم، وبعضهم على المال والملك، وبعضهم على الحرفة والصناعة، وبعضهم على مخلوق مثله، فتأملت في قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:3] ، فتوكلت على الله وحده فهو حسبي ونعم الوكيل.

أيها المسلمون، خذوا بأسبابِ النجاة في كلّ حال، في كل مكان، في كل زمان. ها قد سمعتم أسباب النجاة مجملة في الفوائد الثمان، فاستفيدوا مما سمعتم، فقد قال المعلم لتلميذه بعد أن سمعها منه:"إني نظرت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان فوجدت الكتب الأربعة تدور على هذه الفوائد الثمان".

أيها الناس، تأكّدوا أن عدوّكم يمد شباك اصطيادكم من بين أيديكم ومن خلفكم وعن أيمانكم وعن شمائلكم ومن فوقكم ومن تحتكم في كل زمان ومكان فاحذروا. تأكّدوا أنّ كل مسلم مكلف في أمسّ الحاجة إلى طوق النجاة عند كل قول وعمل ونية وحركة وسكون، فتدرعوا النجاة لعلكم تفلحون.

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله.

أما بعد: فيا أيها الناس، اسلكوا طرق النجاة، واصبروا على مصاعبها وعقباتها، وإذا اشتدّ بكم حر الهاجرة قولوا لأنفسكم: إنّ ظل العشية قريب، وإذا طال بكم ليل المعاناة قولوا: قريبًا يلوح فجر النجاة، واعلموا أنه من لم تكن النجاة عطاءً له أُعطي الهلاك، ومن لم يستغلّ مزرعة الحياة اليوم أتى عليه يوم الحصاد فقيرًا متسوّلًا، وصار فريسة للرّدى، ومن أصاخ سمعه للدنيا ولذائذها وشهواتها ومغرياتها وأهوائها أُنسي نفسه، ومن أُنسي نفسه هلك.

أيها الناس، هاكم حديثًا اختاره أحد أئمة الزهاد من بين أربعة آلاف حديث حيث وجد فيه نجاته، قال نبينا محمدٌ لبعض أصحابه: (( اعمل لدنياك بقدر مقامك فيها، واعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها، واعمل لله بقدر حاجتك إليه، واعمل للنار بقدر صبرك عليها ) ).

أيها الناس، ألا وإن المقام في الدنيا قصير، والبقاء في الآخرة طويل، والحاجة إلى الله دائمة ، ولا صبر لأحد على حر النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت