فهرس الكتاب

الصفحة 1653 من 5777

صفات الكافرين في الدنيا وحالهم في الآخرة

التوحيد

نواقض الإسلام

عبد المحسن بن محمد القاسم

المدينة المنورة

المسجد النبوي

1-الناس مؤمن وكافر. 2- صفات الكافرين. 3- حال الكافر عند الموت وفي القبر. 4- حال الكافر في النار. 5- التحذير من سبل الكافرين ومن مشابهتهم. 6- التشبه الظاهر سبب للتشبه في الباطن.

أما بعد:

فاتقوا الله - عباد الله - حق التقوى، فتقوى الله نِعمَ المغنم، وإيثار الهوى بئس المغرم.

أيها المسلمون:

خلق الله الخلق بقدرته، فهدى من شاء بفضله، وأضل من شاء بعدله، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، هُوَ ?لَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ [التغابن:2] .

أوضح طريق السعداء، وأبان سبل الأشقياء، مدح المتقين، وذم الكافرين وحذر من صفاتهم، أبان في كتابه العزيز أعمال الكافر، وفسادَ معتقده، وسوء سلوكه وأخلاقه، ينكر البعث، ويستبعد قيام الساعة، لا يؤمن بالقضاء والقدر، يجزع عند المصاعب والمصائب، قطع الرجاء والأمل من الله، اليأس والقنوط من خصائصه، إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ?للَّهِ إِلاَّ ?لْقَوْمُ ?لْكَـ?فِرُونَ [يوسف:87] .

في حديثه الكذب، بَلِ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذّبُونَ [الانشقاق:22] . الكبر والغرور سجيته، قال عز وجل: إِنِ ?لْكَـ?فِرُونَ إِلاَّ فِى غُرُورٍ [الملك:20] . عند الآيات والعبر والعظات يعرض، الحسد ملأ قلبه وفاض من عينه، يحسد المؤمنين على ما هم فيه من النعم، ويتمنى زوالها، مَّا يَوَدُّ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ?لْكِتَـ?بِ وَلاَ ?لْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مّنْ خَيْرٍ مّن رَّبّكُمْ [البقرة:105] .

من قبيح حسده يسعى لإضلالك لتحشر معه في جهنم وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء [النساء:89] . ذو مكر بالمسلمين بالليل، وخديعة لهم بالنهار، يسعى للإضرار بهم، وسلب النعمة منهم، إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِ?لسُّوء [الممتحنة:2] . لاحت العداوة على صفحات وجهه وفلتات لسانه، يعض أنامله من الغيظ على المسلمين، تنطوي ضمائره على الشرور، وتكنّ سرائره البغضاء، يكيد للمسلمين كيدًا، قال الله: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق:15-16] . يتظاهر بالأمانة وجميل الأخلاق وحسن الطباع، يلهث خلف منافعه، فضحهم الله بقوله: قَدْ بَدَتِ ?لْبَغْضَاء مِنْ أَفْو?هِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:118] . يظهر الكذب في الصدق، والخيانة في الأمانة يُرْضُونَكُم بِأَفْو?هِهِمْ وَتَأْبَى? قُلُوبُهُمْ [التوبة:8] . كثير الجدل بالباطل وإخفاء الحقائق، كيده ضد المسلم شديد، ولكن الله مبطل كيده، وَمَا كَيْدُ ?لْكَـ?فِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـ?لٍ [غافر:25] . الذلة والصغار محيطة به.

إن طاعة الكفار ذلة، ومعصيتهم عزة، قال الله عز وجل لرسوله: ي?أَيُّهَا ?لنَّبِىّ ?تَّقِ ?للَّهَ وَلاَ تُطِعِ ?لْكَـ?فِرِينَ وَ?لْمُنَـ?فِقِينَ [الأحزاب:1] . علمهم محصور في الدنيا، ومع هذا يقول شيخ الإسلام - رحمه الله:"جميع أعمال الكافر وأموره لا بد فيها من خللٍ يمنعها أن تتم منفعته بها، وكل أموره إما فاسدة وإما ناقصة" [1] ، وأما علم الآخرة التي هي الباقية، فهم بها جاهلون، يقول تعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مّنَ ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ?لآخِرَةِ هُمْ غَـ?فِلُونَ [الروم:7] . ويقول جل وعلا: وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [الأنعام:111] . وأموالهم وأولادهم محنة عليهم، يعيش في حيرة وتيه، همته في الحياة التمتع والمأكل والمشرب، ومطعمه ومشربه منزوع البركة، القليل لا يشبعه، يقول النبي: (( الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمسلم يأكل في معًى واحد ) ) [2] . ليتعبَّد؛ ثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه، وطعام المؤمن مبارك، يقول الرسول: (( طعام الاثنين يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة ) ) [رواه البخاري] [3] .

ولبُعد الكافرين عن نور الهداية هم أحزاب متفرقون، وفي آرائهم منقسمون، وفي أفكارهم مختلفون، يقول عنهم خالقهم جل وعلا: فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ?للَّهُ وَهُوَ ?لسَّمِيعُ ?لْعَلِيمُ [البقرة:137] . والنزاع بينهم قائم إلى قيام الساعة بنص الكتاب المبين وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ?لْعَدَاوَةَ وَ?لْبَغْضَاء إِلَى? يَوْمِ ?لْقِيَـ?مَةِ [المائدة:64] .

إنهم عند اللقاء جبناء، المسلم يغلب اثنين، قال الله تعالى: فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ?للَّهِ [الأنفال:66] .

بالبخل يتواصون، وفي الإنفاق شحيحون، وعن إكرام الضيف متثاقلون، قال جل وعلا: ?لَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ?لنَّاسَ بِ?لْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتَـ?هُمُ ?للَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـ?فِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا [النساء:37] .

الكافر للخير مانع، وللسحت آكل، وللجميل ناكر، نِعم الله لا يشكرها، وآلاء ربه يجحدها، يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ?للَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ?لْكَـ?فِرُونَ [النحل:83] .

يعيش في الجهالات والأهواء والضلالات، لا يهتدي إلى منفذ، ولا يوفّق إلى مخرج، جوارحه التي هي سبب الهداية لم ينتفع بها، فقلبه أصم، وأذنه فيها وقر، وعينه عليها غشاوة، لا يسمع حقًا، ولا يبصر هدى.

الشياطين تؤزُّه إلى المعاصي أزًا، أقبل على تحصيل اللذات، وموافقة الهوى، فأصبحت أعماله هباءً، يعمل وعلى عمله لا يجازى، في الدنيا ينصب، وفي الآخرة يُعذّب، وربنا جل وعلا لا يحبه، وأخبر أنه سبحانه عدو للكافرين، وما من عبد يعمل خيرًا أو شرًا إلا كساه الله رداء عمله، (( وإذا أبغض الله عبدًا دعا جبريل: يا جبريل، إني أبغض فلانًا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم يوضع له البغضاء في الأرض ) ) [متفق عليه] [4] .

يقول الإمام أحمد - رحمه الله:"إذا رأيتُ الكافر أغمضت عيني مخافة أن ترى عدو الله".

الجماد ينطق بكفره، والأراضي المباركة تنبذه في آخر الزمان، (( تقول الشجرة: يا مؤمن هذا كافر، ويقول الحجر: يا مؤمن هذا كافر ) ) [رواه أحمد] [5] .

وإذا خرج الدجال ترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج الكافر من مدينة المصطفى.

في البعد عن الله آلام نفسية، معاناة لآلام الذنوب، صدرٌ ضيقٌ حرج ٌ، وحرمان من لذة الإيمان والسكينة، اللعنة محدقة به، والغضب نازل عليه، إنهم شرّ من خلق الله، قال تعالى: أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ ?لْبَرِيَّةِ [البينة:6] .

وأما عددهم فهم أكثر أهل الأرض، قال تعالى: وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَ ?لنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ [هود:17] . ويقول النبي: (( قال الله: يا آدم، أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ) ) [رواه البخاري] [6] . وفي لفظ: (( من كل مائة تسعة وتسعين ) ) [7] .

وبموت الكافر يستريح العباد والبلاد، يقول النبي: (( العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد، والشجر والدواب ) ) [رواه البخاري] [8] .

يودُّ الكافر أن يعمّر في الحياة ألف سنة، فإذا حضره الأجل كرهه، فتضرب الملائكة وجهه ودبره لإخراج روحه، وإذا وضع في قبره ضيق فيه عليه حتى تختلف أضلاعه، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين، وفي لفظ: (( لو ضرب بها جبل لصار ترابًا ) ) [9] ويفرش قبره نارًا، والعذاب متوالٍ عليه، فإذا قام من قبره للحساب، قام ووجهه أسود كالح، عليه غبرة، عابس باسر، تعلوه قترة، وقلبه واجس، وعيناه زرقاوان من الفزع، يحضر ويمشي بين الخلائق على وجهه، قال أنس رضي الله عنه: إن رجلًا قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال: (( أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟! ) ). [رواه البخاري] [10] .

والأغلال والسلاسل في عنقه، ويساق المجرمون مقرنين بعضهم مقيد إلى بعض، وهم في هذا عطاش ظماء، وهم صم بكم عمي، يتبرّأ منهم الأصدقاء، ويتبرؤون هم من الأصدقاء، فَمَا لَنَا مِن شَـ?فِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:100-101] .

طعامهم من الزقوم، وشرابهم الماء المغلي من الحميم، يتجرعه تارة، فيقطّع أمعاءه وأحشاءه، ويصب فوق رأسه أخرى، فيذيب جلده وما في بطنه، وهو في غمرات النيران يتلظى، يُعظَّم جسده وضرسه، مضاعفة في إيلامه، يقول النبي: (( ضرس الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث ) ) [رواه البخاري] [11] . وفي لفظ: (( ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع ) ) [12] جَزَاء وِفَـ?قًا [النبأ:26] . وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـ?مٍ لّلْعَبِيدِ [فصلت:46] .

وبعد أيها المسلمون:

هذه صفات الكافرين، وتلك خلالهم، وذلك جزاؤهم، قبائح مترادفة، وشنائع متتابعة، فاخشَ على نفسك من الوقوع فيها، يقول النبي: (( بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ) ) [رواه أحمد] [13] .

واحذر مشابهة الكافرين، واسلك سبيل المتقين، وأدّ الصلوات المفروضة، وحافظ عليها في المساجد فمن تركها لحق بالركب المشؤوم، يقول المصطفى: (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ) ) [14] .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لاَ يَسْتَوِى أَصْحَـ?بُ ?لنَّارِ وَأَصْحَـ?بُ ?لْجَنَّةِ أَصْحَـ?بُ ?لْجَنَّةِ هُمُ ?لْفَائِزُونَ [الحشر:20] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

[1] اقتضاء الصراط المستقيم (ص57) .

[2] أخرجه البخاري في الأطعمة [5393] ، ومسلم في الأشربة [2060] من حديث ابن عمر ، وأخرجه البخاري أيضًا [5396] ، ومسلم [2062-2063] من حديث أبي هريرة ، وأخرجه مسلم كذلك [2062] من حديث أبي موسى ، ومن حديث جابر.

[3] أخرجه البخاري في الأطعمة [5392] ، ومسلم في الأشربة [2058] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[4] أخرجه البخاري في بدء الخلق [3209] ، ومسلم في البر والصلة [2637] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[5] أخرجه أحمد في مسنده [17443] من حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه.

[6] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء [3348] ، ومسلم في الإيمان [222] من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[7] أخرجه البخاري في الرقاق [6529] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[8] أخرجه البخاري في الرقاق [6512] ومسلم في الجنائز [950] من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه.

[9] أخرجه أبو داود في السنة [4753] ، وأحمد في مسنده [18140] من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.

[10] أخرجه البخاري في الرقاق [6523] ، ومسلم في صفة القيامة [2806] .

[11] أخرجه مسلم في الجنة [2851] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[12] أخرجه البخاري في الرقاق [6553] ، ومسلم في الجنة [2852] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[13] أخرجه مسلم في الإيمان [118] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[14] أخرجه الترمذي [2621] ، والنسائي في الصلاة [463] ، وابن ماجه في إقامة الصلاة [1079] من حديث بريدة رضي الله عنه ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه.

أما بعد، أيها المسلمون:

المشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة في الأمور الباطنة، ومشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين تزيد العقل والدين والأخلاق، والتشبه بغير المسلمين في الظاهر سبب في مشابهتهم في الأخلاق والأفعال الذميمة، وتورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، فخالف المشركين في سلوكهم ومذاهبهم، واحذر موالاتهم، ولا تتولّهم وأبغضهم وعادهم، وتبرّأ منهم، ومن دينهم، واعتزّ بدينك، واحرص على هدايتهم ودعوتهم إلى الإسلام.

وأكثر من الثناء عليه جل وعلا أن هداك، واسأله دوام الثبات واصدق مع الله يصفُو لك الحال، واسلل سخَم القلب يحبّك الخلق.

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم التنزيل: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت