العلم والدعوة والجهاد
العلم الشرعي
عادل بن أحمد باناعمة
جدة
محمد الفاتح
1-كلمات في رثاء الشيخ محمد الصالح العثيمين. 2- مصيبة فقد العلماء. 3- فضل العلماء.
4-بعض فضائل الشيخ ابن عثيمين.
ورحلت يا زين الشيوخ ...
رحلت والأيام يسكنها الحزنْ
وقلوب من يهواك غلفها الشجنْ
بكت المحاريب التي شهدت سناكْ
وبكاك حتى عود منبرك الذي يهوى صداكْ
وبكتك أرض كان يطربها حفيف من خطاكْ
رحلت مثل الطيف سلم ثم آذن بالرحيلْ
كالشمس تشرق ثم يبكي نورها شفق الأصيلْ
كالبدر بعد التم يأكله الأفولْ
كالزهرة الفيحاء أرهقها الذبولْ
وتركتنا في لجة الإعصار في رجف الزلازلْ
وتركتنا في وحشة كبرى
هي وحشة الروض الندي تغربت عنه البلابلْ
هي وحشة الأغصان غادرها الحيا فالغصن ذابلْ
هي وحشة النهر الذي جفت مشارعه فأقفرت المنازلْ
هي وحشة الأيتام ضاعوا في الفلا والليل لائلْ
ها إننا يا شيخ في حلقات درسك قاعدون
ما بال صوتك لا يجيء؟
ما بال طلعتك البهية لا تضيء؟
ما بال مجلسك البهي العذب يغشاه السكونْ
يا شيخُ إنا هاهنا...
يا شيخ إنا هاهنا في طهر مكة في بريدة جالسونْ
فعلام لا تأتي إلينا؟
أين ابتسامتك الرضية أين ذاك الشرح أينا؟
يا شيخ قد بحت حناجرنا فلا تبخل علينا.
مهلا... لقد مات الذي تدعون فانصرفوا جميعًا
لن تبصروا من بعد هذا اليوم صبحه
لن تسمعوا يا قوم شرحه
عودوا فليس سوى الصدى والذكرياتْ
وصراخ محزون يقول: الشيخ ماتْ
ونداء مكلوم يقول: الشيخ ماتْ
وبكاء مجروح: يقول الشيخ ماتْ
ماذا تقول؟ لقد جرحت فؤادي وقدحت من ألمي أحر زناد
ماذا تقول لقد أثرت مواجعي ونثرت في عيني جمر سهاد
رفقا بقلبي أيها الناعي فقد ألقيت غصن الشوك فوق وسادي
مات الحبيب أراك حين نقلتها أذكيت نار الحزن بالإيقاد
رفقًا بوجدان المحب فإنني بشر وما حسي بحس جماد
أحقا يا تلاميذ ابن عثيمين ومحبيه لن تروه بعد اليوم يحيي المجالس بذكر الله، ويؤنس الجلاس بوجهه المتهلل، ويدير على الطلاب كأسًا من العلم روية؟
أحقا يا تلاميذ ابن عثيمين ومحبيه لن تسمعوه بعد اليوم يؤصل المسائل، ويبني الفرع على الأصول، ويرجع كل مسألة إلى دليلها، وكل قضية إلى بابها؟
أحقًا عباد الله سكت البلبل، تحطم الجام، وتقوض المجلس، وانفض السامر وتفرق الشمل وأقفر الربع، وأصبح العلامة العثيمين خبرًا وأثرًا وذكرى؟
قد استوى الناس ومات الكمال وصاح صرف الدهر أين الرجال
هذا العثيمين في نعشه قوموا انظروا كيف تسير الجبال
عليك سلام الله يا شيخ محمد ورحمته ما شاء أن يترحما
كيف وسع قبر هذا العلم كله وهذا المجد كله؟
فيا قبره قد كنت أول حفرة من الأرض خطت للسماحة مضجعا
ويا قبره كيف واريت علمه وقد كان منه البر والبحر مترعا
فتى عيش في معروفه بعد موته كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
رباه هل مات الذي تحيا برؤيته القلوب؟
رباه هل مات الطبيب؟
لا يا ابن العثيمين... أنت لم ترحل، أنت باق في كل كلمة هدى خطتها يمناك، باق في كل لفظ حق فاه به فاك، باق في كل موقف صدق تجلى فيه إيمانك وتقاك.
باق أنت يابن العثمين في سويداء القلوب، وفي حدقات الأعين.
باق أنت ياابن العثيمين... وهل يموت العالم الداعية؟
صبرا فؤادي فموت الحر مدرسة فيها يلقى دروس البذل أحرار
مامات من ذكره باق وسيرته في كل قلب لها فيض وأنوار
حسب الدعاة فخارا أن عيشهم بذل وموتهم خصب وإثمار
يبقى العظيم عظيما لو تضمنه لحد وهال عليه الترب حفار
لقد كان الشيخ رحمه الله نسيج وحده، وكان طرازًا فريدًا نادرًا من العلماء، فلم يكن عجبًا أن تبكيه الأرض والسماء، قال ابن عباس رضي الله عنه: (إذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء فقده فبكى عليه، وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله عليها بكت عليه، وإن العالم إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحًا) .
كان عالما حقًا، وفقد العلماء بلية البلايا...
قال الآجري رحمه الله: ما ظنكم رحمكم الله بطريق فيه آفات كثيرة ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء فإن لم يكن فيه ضياء وإلا تحيروا فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم فسلكوه على السلامة والعافية ثم جاءت طبقة من الناس لا بد لهم من السلوك فيه فسلكوا، بينما هم كذلك إذ طفئت المصابيح فبقوا في الظلمة فما ظنكم بهم؟ هكذا العلماء في الناس لا يعلم كثير من الناس كيف أداء الفرائض ولا كيف اجتناب المحارم ولا كيف يعبد الله في جميع ما يعبده به خلقه إلا ببقاء العلماء فإذا مات العلماء تحير الناس ودرس العلم بموتهم وظهر الجهل.
إن ما قاله الآجري رحمه الله دليل بين على أن أهل العلم في كل أمة هم قلبها النابض، وشريانها الحي.
ولا ينتظم أمر أمة إلا إذا وجد فيها العلماء العاملون، قال الإمام أحمد: الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب، لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرتين أو ثلاثًا، والعلم يحتاج إليه في كل وقت.
وقد روى أحمد بسند مختلف فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إنما مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أو شكت أن تضل الهداة ) )، فقد شبه عليه الصلاة والسلام العلماء بالنجوم، والنجوم لها فوائد ذكر الله منها في القرآن ثلاثة:
1ـ علامات: وَعَلامَـ?تٍ وَبِ?لنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16] .
2ـ زينة السماء: وَلَقَدْ زَيَّنَّا ?لسَّمَاء ?لدُّنْيَا بِمَصَـ?بِيحَ [الملك:5] .
3ـ رجوم للشياطين: وَجَعَلْنَـ?هَا رُجُومًا لّلشَّيَـ?طِينِ [الملك:5] .
والعلماء تجتمع فيه هذه الأوصاف الثلاثة.
ومثل العالم كمثل الماء والغيث، انتفاع الناس بهما غير محدود، قال ميمون بن مهران: إن مثل العالم في البلد كمثل العين العذبة في البلد.
بعض الحكماء: مثل العلماء مثل الماء حيثما سقطوا نفعوا.
والعلماء هم المبلغون عن الأنبياء.
والعلماء هم ورثة الأنبياء، أي أنهم ورثوا ما جاء به الأنبياء من العلم، فهم خلفوا الأنبياء في أممهم بالدعوة إلى الله وإلى طاعته والنهي عن معاصيه والذود عن دينه.
والعلماء أبصر الناس بالشر ومداخله.
والعلماء أهل الخشية من الله.
ولذلك كانت نجاة الناس منوطة بوجود العلماء..
(( إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ) ) [البخاري] .
وليس يغني عن العلماء وجود الكتب وإلا لأغنت اليهود والنصارى.
عن أبي أمامة عن رسول الله قال: (( خذوا العلم قبل أن يذهب ) )؟ قالوا: وكيف يذهب العلم يا نبي الله وفينا كتاب الله؟ قال فغضب ثم قال: (( ثكلتكم أمهاتكم أو لم تكن التوراة والإنجيل في بني إسرائيل فلم يغنيا عنهم شيئا؟ إن ذهاب العلم أن يذهب حملته ) ).
وعن أبي الدرداء قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشخض ببصره إلى السماء ثم قال: (( هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء ) )فقال زياد بن لبيد: كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فو الله لنقرأنه ولنقرئنه أبناءنا ونساءنا، فقال رسول الله: (( ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟ ) ).
فذهاب العلم بذهاب العلماء: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أتدرون ما ذهاب العلم؟) قلنا: لا، قال: ذهاب العلماء.
وذهاب العلماء معناه هلاك الناس، عن أبي جناب قال: سألت سعيد بن جبير قلت: يا أبا عبد الله: ما علامة هلاك الناس؟ قال: إذا هلك علماؤهم.
ابن عباس: لا يزال عالم يموت وأثر للحق يدرس حتى يكثر أهل الجهل وقد ذهب أهل العلم، فيعلمون بالجهل ويدينون بغير الحق ويضلون عن سواء السبيل.
ولما كان العلماء في الأمة بهذه المنزلة، كان فقدهم خسارة عظيمة لا عوض لها البتة، وموت عالم عامل هو موت لجزء من هذه الأمة لا يمكن تعويضه، وقد سمع عبد الله ابن الإمام أحمد أباه يدعو للشافعي كل يوم، فسأله عن ذلك فقال الإمام أحمد: يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا والعافية للناس، فهل لهذين من عوض؟
لم يكن العثيمين مجرد عالم، بل كان حقيقة يحمل هم هذه الصحوة المباركة لشباب الأمة ليلًا ونهارًا، حتى باتت شغله الشاغل، واحتلت في عقله وقلبه المكان اللائق بها من عالم سلفي فذ مثله، وقد تجلى اهتمامه بالصحوة وشبابها في مظاهر عدة تتركز في عنصرين:
أولهما: اهتمامه بإنسان الصحوة وهم الشباب الذين تفتحت قلوبهم على الحق وامتلأت نفوسهم بالحماسة فانطلقوا يطلبون العلم وينشرون الدعوة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر... لقد كان الشيخ محبًا لهؤلاء الشباب لصيقًا بها حانيًا عليهم مرشدًا لهم، بل كان رحمه الله من أكثر العلماء قربا من هموم الشباب وقضاياهم، ولعل عدم اشتغاله بمنصب رسمي أتاح له فرصة التفرغ للشباب، وقد أكسبه هذا القرب قدرته على معايشة هموم الشباب والتعرف على قضاياهم، وساعده على اكتساب محبتهم وتعلقهم به.
أما العنصر الآخر الذي اهتم به الشيخ من عناصر الصحوة فهو المنهج، منهج الصحوة لأن الصحوة إذا لم تقم على أساس متين من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كانت صحوة هوجاء عاصفة، ربما تدمر أكثر مما تعمر.
هكذا إذا كان الشيخ للصحوة وشبابها، فمن ثم كان حبيبًا إلى قلوبهم، قريبا إلى نفوسهم، ومن ثم كان فقده عليهم جد عصيب، إن شباب الصحوة بعد غياب شيخهم العثيمين أيتام حزانى لا يخفف عنهم سوى أنه علمهم ـ كما علمه الإسلام ـ ألا يقولوا إلا ما يرضي ربهم.
والواجب على شباب الصحوة أن يستوعب تراثه العلمي، وحذار حذار من أن نتعامل معه بانتقائية، فلا نتيح للناس ولا ننشرالمسائل التي أخذوا فيها بالعزيمة والحيطة وسد الذرائع، أما المسائل التي رجح فيها الرخصة ورفع الحرج فنطويها ولا نرويها، إن الواجب أن نتعامل مع تراثه بكل أمانة، ونرويه كما هو فإنه حق الأمة كلها وليس حق فئة بعينها.
وبعد:
فلم يكن الشيخ رزء أهله ولا طلابه ولا بني وطنه، بل كان رزء الأمة جمعاء، لأنها كان شيخًا لها جميعًا.
فما كان شيخي هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما
ودونك لتعلم صدق ما أقول هذا الخبر: يقول الشيخ الداعية أحمد بن عدب العزيز الحمدان حفظه الله:"في حج عام 1416هـ كنت مرافقًا لسماحته وهو يزور الحجاج ـ كعادته كل سنة ـ ويسلم عليهم ويحدثهم ويجيبهم عن أسئلتهم في مطار الملك عبد العزيز، ودخلنا صالة استقبال كان فيها حجاج من جمهورية من الجمهوريات الإسلامية التي كانت تحت الحكم الروسي، وكان أصغرهم سنًا قد بلغ الستين، وليس فيهم من يتكلم العربية، فسأل الشيخ إن كان معهم من يترجم كلامه إليهم، فلم نجد إلا شابًا سعوديًا كان في استقبالهم ويتحدث بلسانهم، فطلبنا منه أن يترجم فوافق، وفي أثناء ذلك دخل شاب يركض علمنا فيما بعد أنه مرشد الحملة، وإذا به يتحدث العربية بطلاقة فتولى هو الترجمة، حتى إذا فرغ الشيخ من حديثه أقبل الشاب مسلمًا، فقلنا له: هذا الشيخ محمد العثيمين، وإذا بالشاب ينظر إلى الشيخ باستغراب وقد اتسعت حدقتا عينيه وقال: الشيخ محمد بن صالح العثيمين، فاستغربنا من معرفته لاسم الشيخ، وقلنا نعم، وإذا به يضم الشيخ بين ذراعيه ويبكي، ويكرر اسم الشيخ فرحًا، ثم أخذ مكبر الصوت ونادى في أفراد الحملة بكلام لم نفهم منه سوى ترديده لاسم الشيخ، وكانت المفاجأة أن أفراد الحملة أخذوا يبكون ويرددون اسم الشيخ، وقال الشاب: يا شيخ هؤلاء كلهم طلابك، كانوا يدرسون كتبك في الأقبية تحت الأرض لما كان تعليم الإسلام عندنا ممنوعًا، وهم في شوق للسلام عليك فهل تأذن لهم؟ فأقبلوا يقبلون رأس الشيخ ويديه وهم يبكون ويرددون اسمه، فكان هذا الموقف من أشد المواقف تأثيرًا، وما أعلم أحدًا بقي في ذلك المكان إلا بكى تأثرًا بما سمع".