فقه
الأيمان والنذور
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-الحلف نوع من العهد والميثاق. 2- المنافقون يكثرون من الحلف لاستهانتهم بالله عز وجل.
3-الحلف الكاذب لترويح السلعة. 4- الحلف الكاذب في القضاء والخصومات. 5- الحلف على
ترك فعل من الخير. 6- كفارة اليمين. 7- الحلف بغير الله شرك. 8- الحلف وشهادة الزور.
أما بعد:
أيها الناس ، عباد الله: إن شأن حلف اليمين ، عند الله عظيم ، وخطر التساهل بها جسيم ، وقد تساهل الناس هداهم الله ، في هذا الزمان ، بشأن اليمين ، فليست اليمين أيها الأخوة ، مجرد كلمة تمر على اللسان ، ولكنها عهد وميثاق ، ينتهي عند حده ، ويجب أن يوفى حقه ، قال صلى الله عليه وسلم: (( من حلف بالله فليصدق ، ومن حُلف له بالله فليرضى ، ومن لم يرضى فليس من الله ) )والله تعالى يقول في كتابه العزيز: واحفظوا أيمانكم قال ابن عباس رضي الله عنهما ، يريد:لا تحلفوا ، فيكون معنى الآية على هذا ، هو النهي عن الحلف ، فلا ينبغي للإنسان التسرع إلى الحلف باليمين ، إلا عند الحاجة.
وهل تعلمون يا عباد الله أن كثرة الحلف من صفات الكفار والمنافقين ، والعياذ بالله ، لأن كثرة الحلف يدل على الاستخفاف بالمحلوف به ، وهو الله عز وجل ، وعدم تعظيمه ، قال الله تعالى: ولا تطع كل حلاف مهين ففي هذه الآية ، نهى الله عز وجل نبيه عن أن يطيع الكفار ، وذكر من صفاتهم ، أنهم يكثرون الحلف. وقال عن المنافقين: ويحلفون على الكذب وهم يعلمون وقال عنهم أيضًا: اتخذوا أيمانهم جُنّة أي جعلوا الأيمان وقاية يتوقون بها ما يكرهون ، ويخدعون بها المؤمنين ، ومن قبلهم ، حلف إبليس لآدم زوجه ، ليخدعهما باليمين ، قال الله تعالى عنه: وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين.
أي أقسم لهما أنه يريد لهما النصح والمصلحة ،"فدلهما بغرور"أي خدعهما بذلك القسم ، وأوقعهما في المعصية والمصيبة.
أيها المسلمون: لقد تساهل العباد بأيمانهم ، واستخفوا بالحلف ، حتى صار في ألسنتهم ، يطلقونها ولا يبالون بها ، ولها صور كثيرة.
فمن الاستخفاف باليمين ، أن تتخذ وسيلة لترويج السلع ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( الحلف منفقة للسلع ، مُمحقة للكسب ) ) [رواه البخاري ومسلم] . ومعنى هذا الحديث ، أن يحلف صاحب السلعة ، أنه أُعطي فيها كذا وكذا ، أو أنه اشتراها بكذا وكذا ، وهو كاذب في ذلك ، وإنما يريد التغرير بالمشتري ، ليصدقه بموجب حلفه ، فيكون هذا الحالف عاصيًا لله ، آخذًا للزيادة بغير حق ، فيعاقبه الله بمحق البركة من كسبه ، وربما يتلف الله ماله كله.
وقال صلى الله عليه وسلم: (( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم ، أشيمط زان وعائل مستكبر ، ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ، ولا يبيع إلا بيمينه ) ) [رواه الطبراني بسند صحيح ] . ومعنى- (جعل الله بضاعته) - أي جعل الحلف بالله ، وسيلة لترويج بضائعه ، فيكثر من الأيمان ، ليخدع الناس فيشتروا منه ، اعتمادًا على يمينه الكاذبة ، فكان جزاؤه إعراض الله عنه يوم القيامة ، فلا يكلمه ولا يزكيه وله عذاب أليم ، وانظروا أيها الأخوة ، كيف قرنه بالزاني والمستكبر ، مما يدل على عظم جريمته ، نعوذ بالله من غضبه وعقابه.
أيها المسلمون: وقد يتساهل بعض الناس ، أو كثير منهم بالأيمان ، في مجال الخصومات والتقاضي ، فيحلف الخصم ليكسب القضية ، ويتغلب على خصمه بالباطل ، دون مبالاة بحرمة اليمين ، والجرأة على رب العالمين ، واسمعوا يا عباد الله ، ما ورد في حق هذا من الوعيد الشديد ، قال الله تعالى: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.
وروى الإمام أحمد والنسائي ، أن رجلًا من كندة يقال له امرؤ القيس ، خاصم رجلًا من حضرموت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض ، فقضى على الحضرمي بالبينة ، فلم يكن له بينة ، فقضى على امرئ القيس باليمين ، فقال الحضرمي: أمكنته من اليمين يا رسول الله ، ذهبت ورب الكعبة أرضي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ، من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد ، لقى الله عز وجل وهو عليه غضبان ، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا.
وروى الإمام مسلم في صحيحه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه ، فقد أوجب الله له النار ، وحرم عليه الجنة ، فقال له رجل ، وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله ، قال وإن كان قضيبًا من آراك ) ). وروى البخاري في صحيحه ، أن أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم: فقال يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: (( الإشراك بالله ، قال ثم ماذا ، قال اليمين الغموس - قلت وما اليمين الغموس - قال: الذي يقطع مال امرئ مسلم - يعني بيمين هو فيها كاذب ) ).
عباد الله: ومن الأيمان المنهي عنها ، اليمين التي يحلف بها المسلم ليمتنع بها من فعل الخير ، قال تعالى: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ، أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله أي لا تحلفوا ، أن لا تصلوا قراباتكم ، وتصدقوا على المساكين والمحتاجين ، وإذا حلف الإنسان على أن لا يفعل الخير ، فإنه يشرع له أن ينقض يمينه ، ويفعل ما حلف على تركه ، ويكفر عن يمينه ، قال الله تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم. أي لا تجعلوا أيمانكم بالله مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها ، وذلك بأن يُدعي أحدكم إلى صلة رحمه أو عمل بر ، فيمتنع ويقول: حلفت أن لا أفعله ، وتكون اليمين مانعة له من فعل الخير ، بل يكفر عَن يمينه ويفعل الخير.
وفي الصحيحين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( إني والله إن شاء الله ، لا أحلف على يمين ، فأرى غيرها خيرًا منها ، إلا أتيت الذي هو خير ، وكفرت عن يميني ) )وإذا حلف على ترك مباح ، كلبس ثوب ، أو ركوب دابة ، أو أكل طعام ، ونحو ذلك ، فإنه مخيّر بين الإستمرار على يمينه ، وترك المحلوف عليه ، أو استعماله والتكفير عن يمينه ، قال الله تعالى: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم أي شرع تحليلها بالكفارة وهو ما ذكره في سورة المائدة ، في قوله تعالى: فكفارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم فكفارة اليمين ، فيها تخيير وترتيب ، تخيير بين الإطعام والكسوة والعتق ، والترتيب فيها بين ذلك وبين الصيام ، فمن لزمته كفارة يمين ، فهو مخير ، إن شاء أطعم عشرة مساكين ، وإن شاء كساهم ، وإن شاء أعتق رقبة ، فإن عجز عن الطعام أو الكسوة أو العتق ، فلم يستطع واحدًا منها ، لزمه صيام ثلاثة أيام متتابعات.
عباد الله: ومن الأيمان المحرمة ، الحلف بغير الله ، فالحلف بغير الله شرك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من حلف بغير الله ، فقد كفر أو أشرك ) ) [رواه الترمذي] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من كان حالفًا ، فليحلف بالله أو ليصمت ) ) [متفق عليه] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من حلف بالأمانة فليس منا ) ) [حديث صحيح رواه أبو داود] .
فالحلف بغير الله شرك يا عباد الله ، لأن الحلف بالشيء تعظيم له ، والتعظيم الذي من هذا النوع حق لله ، فالحلف بغيره من اتخاذ الأنداد له ، وقد قال الله تعالى: فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون قال ابن عباس رضي الله عنهما ، هو أن تقول: وحياتك ، وحياتي وقد كثر في هذا الزمان ، من يحلف بالشرف ، أو يحلف بالنبي ، أو بالأمانة ، وكل هذا مما نهى عنه الله ورسوله ، فيجب على من صدر منه شيء من ذلك أن يتوب إلى الله تعالى ، ولا يحلف إلا بالله عز وجل، ليسلم من الشرك. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وغيره:"لأن أحلف بالله كاذبًا ، أحب إليّ من أحلف بغيره صادقا".
وذلك لأن الحلف بالله على الكذب محرم ، لكن الحلف بغير الله أشر تحريمًا لكونه من الشرك ، وسيئة الكذب أخف من سيئة الشرك. فاتقوا الله عباد الله ، وعظموا اليمين بالله ، ولا تتساهلوا في شأنها ، واحذروا من الحلف بغير الله لتسلم عقيدتكم ، وتصلح أحوالكم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون.
بارك الله..
أما بعد:
أيها الناس: هناك موضوع يرتبط دائمًا بالحلف ، وهو الحلف الكاذب ، وهي من آفات اللسان ، وهو ما يسمى بشهادة الزور.
إن عقوبة شهادة الزور يا عباد الله عظيمة ، وشرها وخيم ، يقول الله تعالى: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور. روى الإمام أحمد والترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطيبًا ، فقال: أيها الناس عدلت شهادة الزور إشراكًا بالله ، ثلاث مرات ، ثم قرأ: فاجتنبوا الرجس من الأوثان ، واجتنبوا قول الزور وفي الصحيحين ، عن أبي بكر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله ، قال: الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وكان متكئًا فجلس ، فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور ، فما زال يكررها ، حتى قلنا ليته سكت ) ).
وروى ابن ماجه والحاكم ، وقال صحيح الإسناد من حديث ابن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لن تزول قدما شاهد الزور يوم القيامة ، حتى تجب له النار ) ). فتحفظوا يا عباد الله في شهادتكم.وتحرزوا مما تنطق به ألسنتكم ، فإن شاهد الزور قد ارتكب أمورًا خطيرًا ، منها الكذب والافتراء ، وقد قال الله تعالى: إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون وقال سبحانه: إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب.
ومن المحاذير التي ارتكبها شاهد الزور انه ظلم الذي شهد عليه ، فاستبيح بشهادته عليه دمه أو ماله أو عرضه ، ومن المخاطر التي ارتكبها شاهد الزور ، أنه ظلم المشهود له ، حيث ساق إليه بموجب شهادته حق غيره ظلمًا وعدوانا ، فباع دينه بدنياه ، وظلم الناس للناس ، ومن المخاطر التي وقع فيها شاهد الزور ، أنه استباح ما حرم الله من الكذب وأموال الناس ودمائهم وأعراضهم ، فاستباح محرمات كثيرة.
يا شاهد الزور لقد ظلمت نفسك ، وظلمت غيرك ، وبعت دينك بدين غيرك ، إن شاهد الزور من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، شاهد الزور خائن ، يقلب بشهادته الحق باطلا ، والباطل حقا ، شاهد الزور يغرر بالحكام ، ويفسد الأحكام ، ويساعد أهل الإجرام ، كم أخربت شهادة الزور من بيوت عامة ، وضيعت حقوقًا واضحة ، وأزهقت أرواحًا بريئة ، كم فرقت بين المرء وزوجه ، كم منعت صاحب الحق من حقه ، وجرأت المفسدين على الفساد.
عباد الله: وفي وقتنا هذا قد كثر تساهل الناس في الشهادة ، خصوصًا في مجال التزكيات ، فإذا طلب تزكية شخص ، تبادر الكثير إلى تزكيته دون علم منهم بحاله وسلوكه ، ودون اعتبار لما يترتب على هذه التزكية من مخاطر ، فقد يتولى هذا الشخص المزكى منصبًا يسيء فيه إلى المسلمين ، أو يستغل هذه التزكية للتغرير بالمسلمين ، وأخذ ما لا يستحق.
ومن التساهل في الشهادة ، الشهادة لشخص أنه يستحق من مال الدولة ، وهو ما يعرف بالضمان الاجتماعي ، فيشهد أن هذا الشخص محتاج ومستحق ، وهو ليس كذلك ، فهذه الشهادات من الزور الذي حرمه الله ورسوله.
عباد الله: إن شهادة الزور ، تفسد المجتمعات ، وتحول دون تنفيذ أحكام الله ، وتغرر بالقضاء والمفتين ، وتفسد الدنيا والدين ، فيجب على ولاة الأمور أن يعاقبوا شاهد الزور بالعقوبة الرادعة ، ويشهروا أمره حتى يعرفه الناس ، ويحذروه ، ولا يثقوا به.
أيها المسلمون: إن الشهادة ليست مجرد قول باللسان ، ولكنها كلمة يترتب عليها عدل أو جور ، وتبنى عليها الأحكام ، وتنزع بها حقوق ، وتسفك بها دماء ، ويفرق بها بين زوجين ، فاتقوا الله أيها المسلمون فيمن تشهدون عليه ، وفيمن تشهدون له ، وتثبتوا فيما تنطقون به ، أعوذ بالله من الشطيان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا.
واعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه ، وثنى فيه بملائكته المسبحة بقدسه ، وثلث بكم أيها المؤمنون من جنه وإنسه.