فهرس الكتاب

الصفحة 3404 من 5777

من صفات المربي(2)

الأسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد

الأبناء, التربية والتزكية

مازن التويجري

الرياض

جامع حي النزهة

1-التربية بالقدوة. 2- تأثر النفس البشرية بالقدوة. 3- خلق النبي. 4- احتجاج المتربي بمربيه. 5- تحذير المربين من يكونوا قدوة في المعاصي.

من السهل أن يتكلّم المرء عن المُثل والمبادئ، ومن اليسير أن يأمر بطيب الفعال وجميل الخصال، قد نقرأ كلامًا رصينًا عن الخلق وحسن التعامل فنتأثر به ونميل إليه، ولكن قد يكون هذا الميل وذاك التأثّر وقتيًا لا يثمر عملًا أو يربي في النفس سلوكًا. وعليه فثمة وسيلة هي الأقدر والأجدر على ترجمة الخصال الحميدة والأخلاق الفاضلة واقعًا عمليًا ومنهجًا يتربى عليه الجيل بعد الجيل، إنها نداءٌ، ولكنه خالٍ من الكلمات، أمرٌ بعيد كل البعد عن صِيَغه وجُمَله، إنها دعوة إلى منهجٍ متكامل، بيد أنه لا يحتاج إلى كبير جهد وكثير وقت، إنها دعوة صامته إلى فعل الخيرات بجميع أنواعها وأشكالها، ونبذ الشرور وإن تعددت صورها. تلك الوسيلة هي القدوة الحسنة في شخص المربي يعيش في كنفها جمهور المتربين.

لقد مضى الحديث عن صفات عديدة للمربي، واليوم نعيش مع هذه الصفة ولنفرد المقال فيها.

لقد أمر الله جل وعلا عموم الصحابة والأمة من بعدهم باتخاذ سيرة النبي وأحواله وأقواله أسوة ومثلًا يُحتذى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ [الأحزاب:21] .

فالنفس البشرية إذا أحبت رأت فيمن تحب مثلًا وقدوة فيما يقول ويفعل، لذلك لم تكن الرسالات محصورة في تبليغ خطاب الشارع سبحانه للناس وأمرهم بالقيام بما أوجب الله عليهم من العبادات وفضائل الأعمال والأخلاق، بل كان كل رسول يطبق الأمر الرباني في نفسه قبل أن يأمر به قومه، ولهذا كان الرسل يعتلون هامة الهرم في كمال الشخصية عقيدةً وعبادة وتعاملًا، وهذا ما توضحه آية الأنعام: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ [الأنعام:90] .

ولهذا كان الداعية الأول والمربي الحكيم يعرض المنهج الرباني كما أراده الله وكما جاء في القرآن، ولما سأل سعد بن هشام بن عامر عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله كما في صحيح مسلم قالت: ألست تقرأ القرآن؟! قلت: بلى، قالت: فإن خلق نبي الله كان القرآن.

فالله تعالى وتقدس جعل في شخص النبي الصورة الكاملة للمنهج الإسلامي، وأراده قدوة دائمة للبشرية، فيؤمنوا بهذا الدين على واقع تراه عيونهم وتدركه عقولهم. كل هذا لعلم الخالق سبحانه بما تحتاجه النفس البشرية كي تتأثر بالبشر من حولها، فهي قد تستجيب للأمر والنهي، ولكن لفترة محدودة ثم تمل وتسأم، وفي المقابل هي تنقاد من حيث لا تشعر إلى الاقتداء ومحاكاة ما تراه واقعًا عمليًا من خير أو شر.

ولهذا ففي دراسة أجراها الدكتور مسعد عويس على 560 شابًا تتراوح أعمارهم بين 12 إلى 30 سنة، وذلك حول حاجة الشباب إلى قدوة، ظهرت النتائج بأن نسبة الذين يرون الحاجة إلى القدوة 75 في المائة.

معاشر المربين الأكارم، إن مسألة التربية ليست تنظيرًا وتقعيدًا يصبّ في قالب الأمر والنهي، كلا، ولكنها منهج يتمثله المتربون، يرونه صورة واقعية في شخص المربي وحياته في أقواله وأفعاله وتصرفاته. والذي لا بد أن نعيه جميعًا ـ أيها الإخوة ـ أن المربي دائمًا ما يكون تحت عدسة مجهر المتربي ابنًا وتلميذًا وأخًا، فكلماته محسوبة، وحركاته معدودة، والخطأ منه كبير قد لا يغتفر.

والواقع يشهد، فكثيرًا ما تسمع احتجاجًا من ابنك الصغير على فعل ما، فإذا سُئل أخبر أن المدرس لا يفعله أو قد نهى عنه، بل تراه أحيانًا يفعل الفعل لأنه رأى أستاذه يفعله، أو يتكلم بالكلمة بطريقة المعلم، بل قد يحاكي حركاته ومشيته، وقد تكون خطأ أو نسيانًا من معلمه، أو قد لا يعرف معناها وأبعادها ولماذا عملها، وكل ما في الأمر أن أستاذه المحبوب قالها وعملها.

بل قد يترسخ في ذهن الناشئة أحيانًا فعل يرونه حسنًا وهو قبيح، وغاية ما في الأمر أنه صدر عن أبيه أو من يتولى تربيته، يكذب لأنّ والده كذب، يظن حلق اللحية أو إسبال الثوب أمرا لا بأس به لأنه يرى صورة معلمه هكذا، لا يرى في التدخين معصية وعيبًا لأنه اعتاد رؤية لفافاته بين أنامل والده، كذلك من تربى بين أبوين محافظين وفي جوّ مستقيم اعتاد رؤية شعائر الدين تقام قولًا وفعلًا، لا يستسيغ رؤية المنكر أو السكوت عن المخالفة.

حدثني أحد الأساتذة الأفاضل في جامعة الملك سعود عن طفل من أقاربه في الصف الثاني الابتدائي، بينما هو في فصله الدراسي إذ قدم معلم جديد على المدرسة فأخذه المدير في جولة تعريفية على الفصول، فدخلوا على الفصل الذي يوجد فيه هذا الطفل، فأخذ المدير يعرف بالمدرس الجديد ويثني عليه وأنه من خيرة المدرسين، وكان هذا الأخ المدرّس حليق اللحية، وبينما المدير يمدح ويطري إذ قاطعه ذلكم الطالب الصغير: كيف يكون من خيرة المعلمين وقد حلق لحيته؟! عندها تلعثم المدير وخرج مع ضيفه لا يدري ما يقول.

معاشر الآباء والدعاة والمعلمين، إننا بحاجة إلى أن نكون أكثر صدقًا ووضوحًا في تربيتنا لأبنائنا ومن تحت أيدينا، أن يقع المربي في المعصية أو الخطأ فذاك أمر يخصه لا يتعداه لغيره يحمل وزره يوم القيامة، ولكن أن يكون وقوعنا في الخطأ وتجاوزنا حدود الله ذريعة لأن نقنع من حولنا أنه عين الصواب فذاك الخزي وتلك النكسة.

ولمزيد وضوح إذا كان الأب أو المعلم قائمًا على معصية من المعاصي كحلق اللحية مثلًا أو إسبال الثياب ـ وما يمثل بهما إلا لكونهما ظاهرين ـ فلا يجب أن يكون إفهام المتربي بجوازه هو السبيل لتبرئة النفس من الخطأ. إننا بحاجة أن نربيهم بأن الخطأ خطأ وإن وقع مني، وتلك مرحلة لا يستطيعها إلا الأقوياء من المربين.

أيها الإخوة، إنه من المأسوف عليه أن تبقى التربية انتصارًا للنفس، وبحثًا عن كمالٍ مزيّف يظهر المعصية للمتربي جائزة الفعل وحرية في الاختيار، يبقى قصور بعض المربين عن بلوغ الفضيلة مدعاة لأن يصوّروا قبيح فعلهم حسنًا، فيُخرج جيلًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه.

أيها المربي، إنّ وقعَ حركاتك وأفعالك على من تحتك له الأثر البالغ في تغيير سلوكهم وتقويم أخطائهم، وآلاف الكلمات والعظات تذهب أدراج الرياح، يغني عنها موقف صدق وحق، وفي حياتك أنت كم هي المرات التي دُعيت فيها إلى الصدقة مثلًا أو بر الوالدين، قد يكون التأثر فيها وقتيًا ولكن لم تزل صورة لواقعة ما عالقة في ذهنك عندما رأيت بارًا بأمه أو متصدقًا أخفى صدقته.

ولهذا جاء في إجابة نفس الدراسة التي أجريت على عينات الشباب حول تجديد صفات القدوة أن 83 في المائة رأوا أن من صفات القدوة أن يكون له مواقف إنسانية، و82.30 في المائة أنه يتحلّى بالتواضع، و79.10 في المائة أنه متدين، و59.50 في المائة أنه طيب القلب.

وميزات الدعوة بالفعل أنها: 1 - خالية من أسلوب الأمر والنهي الذي تأباه النفس البشرية من مثلها، 2 - لا تحتاج إلى وقت وجهد، 3 - تعمق روابط المحبة وعلاقات الإخاء بين المتربي ومربيه، 4 - أنها سريعة الأثر طويلة التأثير.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت