سيرة وتاريخ
السيرة النبوية, معارك وأحداث
فهد بن سالم الحامد
الأحساء
جامع ابن درعان
1-تاريخ المعركة. 2- سبب المعركة. 3- أمراء الجيش ووصية رسول الله لهم. 4- توديع الجيش الإسلامي وبكاء عبد الله بن رواحة. 5- تحرُّك الجيش الإسلامي. 6- المجلس الاستشاري بمَعَان. 7- الجيش الإسلامي يتحرك نحو العدو. 8- بداية القتال وتناوب القواد. 9- نهاية المعركة. 10- قتلى الفريقين. 11- أثر المعركة.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعرفوا نعمة الله عليكم بما أمدّ به رسولَ الله وأصحابَه من النصر العزيز والفتح المبين، وهذه سنة الله التي لا تبديل لها، فمن ينصر الله ينصره، إن الله لقوي عزيز.
عباد الله، في جمادي الأولي سنة 8هـ وقعت معركة مؤتة، وهي من أعظم الحروب الدامية التي خاضها المسلمون في حياة رسول الله ، وهي مقدّمة وتمهيد لفتوح بلدان النصارى، وهي قرية بأدنى بلقاء الشام، بينها وبين بيت المقدس مرحلتان.
وسبب المعركة: أن رسول الله بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى عظيم بُصْرَى، فعرض له شُرَحْبِيل بن عمرو الغساني ـ وكان عاملًا على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر ـ فأوثقه رباطًا، ثم قدّمه، فضرب عنقه. وكان قتلُ السفراء والرسل من أشنع الجرائم، يساوي بل يزيد على إعلان حالة الحرب، فاشتدّ ذلك على رسول الله حين نقِلت إليه الأخبار، فجهّز إليهم جيشًا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وهو أكبر جيش إسلامي لم يجتمع قبل ذلك إلا في غزوة الأحزاب.
أمراء الجيش ووصية رسول الله إليهم:
أمّر رسول الله على هذا الجيش زيد بن حارثة، وقال كما في صحيح البخاري (2/611) : (( إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة ) )، وعقد لهم لواءً أبيض، ودفعه إلى زيد بن حارثة، وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا مَنْ هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعانوا بالله عليهم وقاتلوهم، وقال لهم: (( اغزوا بسم الله، في سبيل الله، مَنْ كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليدًا ولا امرأة ولا كبيرًا فانيًا ولا منعزلًا بصومعة، ولا تقطعوا نخلًا ولا شجرة، ولا تهدموا بناء ) ).
توديع الجيش الإسلامي وبكاء عبد الله بن رواحة:
ولما تهيأ الجيش الإسلامي للخروج حضر الناس، وودّعوا الأمراء وسلموا عليهم، فبكي أحد أمراء الجيش وهو عبد الله بن رواحة، قالوا: ما يبكيك؟! قال: أما والله، ما بي حبّ الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا [مريم:71] ، فلست أدري كيف لي بالصدور بعد الورود؟! فقال المسلمون: صحبكم الله بالسلامة، ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين غانمين، فقال عبد الله بن رواحة:
لكننِي أسأل الرحْمن مغفرة وضربة ذات فرع تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة بِحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي أرشدهُ الله مِن غاز وقد رشدا
ثم خرج القوم، وخرج رسول الله مشيعًا لهم حتى بلغ ثنية الوداع، فوقف وودّعهم.
تحرُّك الجيش الإسلامي ومباغتته حالة رهيبة:
وتحرك الجيش الإسلامي في اتجاه الشمال حتى نزل مَعَان من أرض الشام، ونقلت إليهم الاستخبارات بأن هرقل نازل بمآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لَخْم وجُذَام وبَلْقَيْن وبَهْرَاء وبَلِي مائة ألف.
المجلس الاستشاري بمَعَان:
لم يكن المسلمون أدخلوا في حسابهم لقاء مثل هذا الجيش العرمرم، وهل يهجم جيش صغير قوامه ثلاثة آلاف مقاتل فحسب على جيش كبير عرمرم مثل البحر الخضم قوامه مائتا ألف مقاتل؟! أي: مقاتل واحد مقابل 66 مقاتلا.
حار المسلمون، وأقاموا في مَعَان ليلتين يفكّرون في أمرهم، وينظرون ويتشاورون، ثم قالوا: نكتب إلى رسول الله فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له، ولكن عبد الله بن رواحة عارض هذا الرأي، وشجع الناس قائلًا: يا قوم، والله إن التي تكرهون لَلَّتِي خرجتم تطلبون: الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنَيَين: إما ظهور وإما شهادة. وأخيرًا استقر الرأي على ما دعا إليه عبد الله بن رواحة.
الجيش الإسلامي يتحرك نحو العدو:
تحرك الجيش الإسلامي إلى أرض العدو، حتى لقيتهم جموع هرقل، ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى مؤتة، فعسكروا هناك، وتعبؤوا للقتال.
بداية القتال وتناوب القواد:
وبدأ القتال المرير، ثلاثة آلاف رجل يواجهون هجمات مائتي ألف مقاتل في معركة عجيبة، يشهد لها التاريخ، ولكن إذا هبت ريح الإيمان جاءت بالعجائب.
أخذ الراية زيد بن حارثة حِبُّ رسول الله ، وجعل يقاتل بضراوة بالغة وبسالة لا يوجد لها نظير إلا في أمثاله من أبطال الإسلام، فلم يزل يقاتل ويقاتل حتى شاط في رماح القوم وخر صريعًا.
ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب، وطفق يقاتل قتالًا منقطع النظير، حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه الشقراء فعقرها، ثم قاتل حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله، ولم يزل بها حتى قطعت شماله، فاحتضنها بعضديه، فلم يزل رافعًا إياها حتى قتل، فأثابه الله بجناحيه جناحين في الجنة، يطير بهما حيث يشاء؛ ولذلك سمي بجعفر الطيار، وبجعفر ذي الجناحين، قال ابن عمر عن جعفر بن أبي طالب: وجدنا في جسده بضعًا وتسعين بين طعنة ورمية.
ولما قتل جعفر أخذ الراية عبد الله بن رواحة، وتقدم بها، وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردّد بعض التردّد، حتى حاد حيدة ثم قال:
أقسمت يا نفس لتنزلِنَّه كارهة أو لتطاوعِنَّه
إن أجلب الناس وشدّوا الرنّه ما لي أراكِ تكرهين الجنة؟!
ثم نزل، فأتاه ابن عمّ له بعَرْق من لحم فقال: شدّ بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده فانتهس منه نَهْسَة، ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم، فقاتل حتى قتل.
ثم انتقلت الراية إلى سيف من سيوف الله، تقدم رجل من بني عَجْلان اسمه ثابت بن أقرم، فأخذ الراية وقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية قاتل قتالًا مريرًا، قال خالد بن الوليد كما في صحيح البخاري: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية.
قال رسول الله يوم مؤتة مخبرًا بالوحي قبل أن يأتي إلى الناس الخبر من ساحة القتال كما في صحيح البخاري: (( أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب ـ وعيناه تذرفان ـ ، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم ) ).
نهاية المعركة:
ومع الشجاعة البالغة والبسالة والضراوة نجح هذا الجيش الصغير في الصمود، وأظهر خالد بن الوليد مهارته ونبوغه في تخليص المسلمين؛ وذلك أن خالد بن الوليد نجح في الصمود أمام جيش الرومان طول النهار في أول يوم من القتال، ففكر خالد في مكيدة حربية تلقي الرعب في قلوب الرومان حتى ينجح في الانحياز بالمسلمين من غير أن يقوم الرومان بحركات المطاردة، فقد كان يعرف جيدًا أن الإفلات من براثنهم صعب جدًا لو انكشف المسلمون وقام الرومان بالمطاردة، فلما أصبح اليوم الثاني غيّر أوضاع الجيش، وعبّأه من جديد، فجعل مقدمته ساقة، وميمنته ميسرة، وعلى العكس، فلما رآهم الأعداء أنكروا حالهم، وقالوا: جاءهم مدَد، فرعبوا، وصار خالد بعد أن تراءى الجيشان وتناوشا ساعة يتأخر بالمسلمين قليلًا قليلًا، مع حفظ نظام جيشه، ولم يتبعهم الرومان ظنًّا منهم أن المسلمين يخدعونهم، ويحاولون القيام بمكيدة ترمي بهم في الصحراء. وهكذا انحاز العدو إلى بلاده، ولم يفكر في القيام بمطاردة المسلمين، ونجح المسلمون في الانحياز سالمين، حتى عادوا إلى المدينة.
قتلى الفريقين:
واستشهد يومئذ من المسلمين اثنا عشر رجلًا، أما الرومان، فلم يعرف عدد قتلاهم من كثرتهم.
أثر المعركة:
وهذه المعركة وإن لم يحصل المسلمون بها على الثأر، لكنها كانت كبيرة الأثر لسمعة المسلمين، ألقت العرب كلها في الدهشة والحيرة، فقد كانت الرومان أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض، وكانت العرب تظن أن معني جلادها وقتالها هو القضاء على النفس وطلب الحتف بالظِّلْف، فكان لقاء هذا الجيش الصغير الذي قوامه ثلاثة آلاف مقاتل مع ذلك الجيش الضخم العرمرم الكبير مائتي ألف مقاتل ثم الرجوع عن الغزو من غير أن تلحق به خسارة تذكر كان كل ذلك من عجائب الدهر، وكان يؤكد أن المسلمين من طراز آخر غير ما ألفته العرب وعرفته، وأنهم مؤيَّدون ومنصورون من عند الله، وأن صاحبهم رسول الله حقًّا؛ ولذلك نرى القبائل اللّدودة التي كانت لا تزال تثور على المسلمين جنحت بعد هذه المعركة إلى الإسلام، فأسلمت بنو سُلَيْم وأشْجَع وغَطَفَان وذُبْيَان وفَزَارَة وغيرها، فكانت هذه المعركة توطئة وتمهيدًا لفتوح البلدان الروم على أيدي المسلمين.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم...
لم ترد.