فهرس الكتاب

الصفحة 5508 من 5777

رمضان يقرع الأبواب

الرقاق والأخلاق والآداب

فضائل الأزمنة والأمكنة

أيمن سامي زكي

الشارقة

أنس بن النضر

1-قدوم رمضان المبارك. 2- فرحة استقبال شهر رمضان. 3- من خصائص رمضان وفوائد الصيام. 4- فرحتا الصائم. 5- العزم الصادق على اغتنام رمضان.

أما بعد: أيها الأحبة، لا بد من التقوى، فالتقوى هي خير لباس، والتقوى هي خير زاد، وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: 26] ، تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة: 197] .

أيها الأحبة، إذا كان الباب يقرع والقارع للباب أحبّ حبيب إلى قلب الإنسان فإن المحبّ يفرح بهذا القرع ويفرح بهذا اللقاء، حدّث عن أُنس اللقاء وعن طول العناق للغائب المنتظر الذي إذا أقبل ابتهجت بمقدَمه لأنك تحبه، وابتهجت وفرِحت لما يأتي محمّلا به من هدايا عظيمة.

إن القارع هو رمضان، هبت نسائم رمضان، وها هو رمضان يقرع الباب من جديد، رمضان يقرع الباب في عجالة، بالأمس كنّا نودع رمضان، وها نحن نقف قريبا لاستقبال هذا الشهر، فلا إله إلا الله، ما أسرع مرّ الأيام، وهكذا الأعمار تطوى وهنّ مراحل، فالسعيد من تزود فيها للقاء الله، فعمّا قريب للدنيا نغادر وللمقابر ننقَل وبأعمالنا نجزَى،.

ثم وقفة فرحة لاستقبال هذا الشهر، إن هذا الشهر العظيم هو شهر حبيب إلى نفوس أهل الإيمان، إلى نفوس أهل التقى والصلاح، يفرح كل مؤمن صادق في إيمانه بمقدَم هذا الشهر، كيف لا وقد خصه الله جل وعلا بنزول الذكر بنزول النور والضياء؟! تلك نعمة عظيمة كبيرة من الله جل وعلا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة: 185] ، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ. نعم، أنزل القرآن في رمضان، وسبق وبينت لحضراتكم أن هذا النزول على مرحلتين: نزول كامل للقرآن بأكمله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، كان هذا في رمضان، ونزول آخر متتابع منجّم مفرق على مدار ثلاث وعشرين سنة، هي عمر الرسالة، هذا هو النزول التّالي ابتدأ أيضا في رمضان، إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان: 3] ، إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ [القدر: 1، 2] ، وسيأتي الحديث عن هذه الليلة العظيمة وما فيها في ثنايا الحديث عن مزايا هذا الشهر العظيم.

وشهر رمضان اختصه الله تبارك وتعالى بنزول القرآن فيه، القرآن هداية العالمين هداية البشر أجمعين، بل والجنّ أيضا لما سمعوه قالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [الجن: 1، 2] ، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ، فهو الهداية للإنس والجن جميعا، هداية العالم، فاختص الله جل وعلا هذا الشهر بأن يكون مفتتح الهداية ومفتتح تنزّل القرآن من السماء الدنيا إلى الأرض في هذا الشهر العظيم، ومن عظيم منّة السلام، والسلام هو الله تعالى اسم من أسماء الله الحسنى:

من عظيم منّة السلام لطفه بسائر الأنام

وهي أن أرشد الْخلق إلى الوصول مبينا للحق بالرسول

نعمة عظيمة نعمة الهداية، وهي أعظم نعمة على وجه الأرض، فنعمة السمع ونعمة البصر ونعمة الصحة والعافية نِعم كلّها عظيمة، لكن نعمة الهداية هي أعظم نعمة على وجه هذه الأرض، هذه الهداية هذا النور المبين ابتدأ في رمضان، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة: 185] ، ولأجل هذه الهداية العظيمة ولأجل هذا النور المبين في رمضان تصفّد مردة الشياطين، تفتح أبواب الجنان لطلابها، تغلق أبواب النيران، فالمجال مفتوح، شهر الهداية، فيه نزل القرآن، فيه الهداية، والمجال مفتوح بإغلاق أبواب النار وبفتح أبواب الجنة وتصفيد مردة الشياطين، هذه عوامل خارجية للهداية.

إن العامل المساعد على المعصية والمساعد على الوقوع فيما لا يرضي الله مغلق، فيخلو الإنسان بينه وبين نفسه، فمن نفسه يكون الخير، ومن نفسه يكون الشر، العوامل الخارجية من مردة الشياطين التي تسعى لإغواء بني آدم في سائر العام يصفد أي: يوضع في الأصفاد والأغلال، وهي القيود، فيقيد ويسلسل ويمنع من إغواء العباد، هذه عوامل خارجية.

ثم انظر ـ رحمك الله ـ إلى العامل الداخلي العظيم: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: 185] ، فأوجب الله صيام هذا الشهر على كلّ قادر يستطيع بالغ عاقل غير حائض ولا نفساء، أوجب الله على كل مقيم قادر يستطيع الصوم مسلم أن يصوم، فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ والصيام ماذا فيه؟ الصيام حرمان مشروع، حرمان للجسد، والأصل أن الحرمان أنك تمنع جسدك وهو قادر على المباح، وهذا لا يجوز أنك تحرم جسدك من المباح، فالصوم حرمان مشروع جائز، حرمان مشروع وتأديب بالجوع، نعم يتأدب الصائم بأشياء كثيرة جدًا، فمنها أن هذا الصوم يكون لله، (( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به ) )الحديث، (( كل عمل ابن آدم له؛ الحسنة بعشر أمثالها، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به ) )، فالصيام لله جل وعلا، وجزاؤه من الله. ما معنى: لله؟ أليست العبادات كلها لله؟! نعم، ولكن الصائم لا يطّلع عليه إلا الله عز وجل، فلا يعلم أحد أنه صائم إلا الله عز وجل، فالصوم لله، وهو خالص لوجه الله، فهذا أثرى فيك المراقبة الداخلية، وهذا هو الموجود بالآية، وهذا سرّ الصوم الأعظم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 183] ، فسبب فرض الصيام حصول التقوى، الغاية من الصيام الفائدة من الصيام حصول التقوى؛ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ، فالصائم يتقي الله عز وجل ويراقبه في عدم إدخال طعام أو شراب إلى جوفه، ويمتنع عن شهوته على مدار النهار على مدار الشهر؛ مراقبة تامة لله عز وجل؛ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ، فتحصل التقوى، ويحصل مراقبة الله عز وجل بهذه العبادة الصيام، فإذا حصّل الصائم التقوى داوم المراقبة لله جل وعلا في جميع أعماله، هذه من فوائد الصيام، بل هذه الغاية من الصيام، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ، تحصيل التقوى والمراقبة لله عز وجل.

ومن فوائد الصيام أنك تشعر بإخوانك الجياع في العالم في الدنيا كلّها، يوم يكون الإنسان معتادا للشبع فيمنع نفسه شهرًا كاملا طوال النهار وهو صائم لا يفطر إلا إذا غربت الشمس شهرا كاملا فإنه يشعر بألم الجوع وألم الحرمان، فيحصل من هنا دافع داخلي للإحسان بعباد الله، كنا نقول قبل قليل: الدافع الخارجي مردة الشياطين، شهر للهداية، مردة الشياطين مصفدة، فالدافع الخارجي ممنوع، والآن دافع داخلي يحصل لك التقوى، يحصّل لك الإحسان.

وأيضا في الصيام فائدة عظيمة من كلام الأطباء أنّ الطعام إذا دخل المعدة وتبدأ عملية الهضم فينقل للأمعاء لامتصاصه كيف يصل الغذاء إلى البدن؟ تبدأ الشعيرات الموجودة على جدار الأمعاء بالتقاطه، فيبدأ الدم بالتحرك بالجسد بأكمله لتوصيل هذه الفيتامينات الموجودة في الطعام، فتصبح حركة الدم دؤوبة، هذا في داخل جسد كل إنسان، والنبي يقول: (( إن الشيطان يجري مجرى الدم في العروق ) )، فلا طعام لا حركة سريعة للدم الذي ينقل، نعم الدم يتحرك في الجسد، لكن هذه الحركة السريعة تتوقف لأنه لا طعام، فلا يجري الشيطان في الدم.

مردة الشياطين مصفدون من الخارج، ومن الداخل عندك أمان وحصن داخلي، فلا يجري الشيطان العادي ليس المارد والعادي، أنت ضيقت مجرى الدم، قللت عليه وضيقت عليه بعدم الطعام، وأيضا خلوّ الجوف خلوّ جوف الإنسان يصيبه بالسكينة والهدوء، الصائم في فترة العصر بدأت قواه تضعف، أيضا الدافع للمعصية يضعف، فهذا شيء داخلي في جسد الإنسان، وانظر إلى هذا الأثر: (( للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه ) ).

سبحان الله! إذا صمت وأديت الواجب عليك وأفطرت في نهاية اليوم أنهيت رمضان في نهاية الشهر تفرح لأنك أديت الواجب عليك، كيف الطالب يفرح إذا انتهى من واجبات المدرسة؟! المؤمن يفرح إذا أدى ما أوجب الله عليه، (( للصائم فرحتان: فرحة عند فطره ) )بتمام الفطر؛ ولذلك قال الله تبارك وتعالى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ [البقرة: 185] . وهذا التكبير يشرع امتثالا، وفي مشروعيته حكمة أن العبادة تمّت فتفرح فتكبّر الله: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد. فلتكبر الله فرحةً بتمام النعمة. (( للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربّه ) )، وهذه في الآخرة يوم يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب، فثبت عنه أنه قال: (( الصوم نصف الصبر ) )، والله عز وجل يقول: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10] ، يوم ينادى على الصائم: ادخل من باب الريان.

أيها الأحبة، هذه بعض مزايا هذا الضيف الذي يقرع الأبواب، فحقّ لنا أن نبتهج بمقدمه، وخطبنا من الجمعة القادمة إن شاء الله ستتوسّع أكثر وأكثر في الحديث عن هذا الشهر العظيم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله.

أيها الأحبة في الله، إن هذا الضيف العزيز على قلوبنا جميعا لا يقرع بابنا إلا مرة واحدة في العام، إلا مرة واحدة في السنة، فهو ضيف يأتي على اشتياق، والنفوس مشتاقة إليه، والنفوس تتمنى لقاءه، فأكرموا ضيافته، أكرموا ضيافة هذا الشهر العظيم، سنلتقي في الجمعة القادمة ونحن صائمون، فمن قبل أن يأتي رمضان من قبل أن يأتي الصيام ونحن نقول: جهّز نية صادقة لاستقبال هذا الشهر العظيم، هذا الشهر فيه من المزايا ما لا يقدّر ولا يحصى، وكنت وعدت بالحديث عن هذه الفائدة العظيمة ليلة القدر، فهي ليلة خير من ألف شهر، أي: أن العبادة فيها خير من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة قدر، فمن يفوز بهذه الجائزة؟ هل الذي يأتي في آخر رمضان لينشط للعبادة والطاعة يقول: أنا أتكاسل في أول الشهر وأجتهد في آخره؟! التكاسل لا يأتي إلا بتكاسل آخره، لكن من جد وعزم بعزم أكيد ونية صادقة على استغلال الشهر من أوله إلى آخره فإن هذا حري وجدير بأن يوفقه الله تبارك وتعالى. فجهزوا هذه النية ونحن على أبواب رمضان، لا ندري أندركه أم لا، كم ممن شهد معنا رمضان في العام الماضي ليس موجودا معنا الآن، وهذه هي الدنيا، فأنا أقول لكم بصراحة ووضوح: إن على المسلم أن يحسن نيته، والله يقول عز وجل: فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة: 132] .

فأعدّ هذه النية بصدق وإخلاص مع الله عز وجل؛ أنك تقبل على الله، وأنك ترجو لقاء الله، وتريد وجه الله، أعدَّ هذه النية، فإن وافتك منيتك في أي وقت ـ أطال الله أعمارنا جميعا على طاعته ـ إن وافتك المنية في أي وقت فإنك تلقى الله بهذا الحسن وهذا الجمال بنية صادقة أن نحسن فيما بقي من أعمارنا وأن نجتهد في طاعة ربنا، وإن ربنا جل وعلا إن تكرم علينا وأطال في أعمارنا حتى نشهد هذا الشهر ليرينّ الله منّا خيرا، فأعدّوا هذه النية الصادقة تفوزوا وتسعدوا.

فاللهم إنا ندعوك وأنت أحق من دعي، ونرجوك وأنت أحق من رجي، اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها، دقها وجلّها، تبنا إلى الله، ورجعنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا، اللهم فاقبلنا عندك من التائبين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت