الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب
الآداب والحقوق العامة, قضايا المجتمع
عبد الرحمن بن الصادق القايدي
جدة
جامع الأنصار
1-السعادة مطلب الجميع. 2- الترابط الوثيق بين الإيمان والعلاقات الاجتماعية. 3- حالة الإنسان بلا إيمان. 4- عناية القرآن والسنة بالجانب الاجتماعي. 5- سعة مفهوم العبادة.
قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [النحل: 97] .
إن الحياة الطيبة الهنيئة هدف يبحث عنه كلّ إنسان، ولكن المولى سبحانه وتعالى اشترط بأن الحياة الطيبة في الدنيا والجزاء الحسن في الآخرة لا يمكن الشعور به أو الحصول عليه إلا إذا كان الإنسان مؤمنًا، ولا يدرك هذا الإيمان إلا إذا عرف كل واحد منا واجبه نحو ربه وواجبه نحو أخيه ونحو الجماعة التي يحيا فيها والأمة التي ينتسب إليها. ولو رجعنا إلى القرآن الكريم وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام لوجدنا بأن القرآن بين ووضّح بأن العلاقات الاجتماعية بين الناس تأخذ مكانتها وأهميتها بعد العقيدة مباشرة، قال تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [سورة الماعون] .
نجد الآيات الأولى تقرّر مبدأ عظيمًا وهو أن الذي يزجر اليتيم وينهره ويهمل المسكين الذي أذلّته الحاجة وعضّه الفقر والبؤس بأنه إنسان مكذّب بلقاء الله وحسابه، ولو أنه آمن بالله وجزائه يوم القيامة لاندفع بقلب مليء بالرحمة والحنان، فأكرم اليتيم وأعطى المحتاج مما أنعم الله به عليه، ونجا بهذا العمل من عذاب الله وغضبه وعقابه. ونجد الآيات الأخيرة من السورة تفضح المتظاهرين بالصلاح والتقوى، فتصبّ عليهم الويل والهلاك والشقاء الأبديّ لأنهم إن صلّوا فصلاتهم رياء وسمعة، ولا تجد لصلاتهم أثرًا في حياتهم الاجتماعية اليومية، بل الآيات تدلّ أيضًا على أنهم يمنعون خيرهم الذي أعطاهم الله من المحتاجين من إخوانهم في العقيده والدين كما قال تعالى: فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون: 4-7] . يراؤون في أعمالهم، ويمنعون الخير لغيرهم، فأيّ رباط أقوى وأمتن من هذا الرباط بين العقيدة الصحيحة والواجبات الاجتماعية الذي جعل الله فيها التراحم الاجتماعي والتعاون على نفع الآخرين أساسًا يبنى عليه تقويم الإنسان وجزاءؤه في الدنيا والآخرة؟!
استمعوا لقوله تعالى حينما يقرّر مصير من يأخذ كتابه بشماله يوم القيامة: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الحاقة: 30-34] . إن هذا الذي أخِذ إلى جهنم في سلسلة عظيمة ثقيلة واجتمعت عليه أسباب الإهانة والذلّ هو أنه كان لا يؤمن بالله العظيم، وبالطبع عدم الإيمان بالله هو أكبر ذنب وأعظم جريمة، فإذا اقترن به ذنب آخر علم أن هذا الذنب كبير ما دام أنه جاء بعده في الترتيب، وهذا الذنب الكبير هو عدم الحضّ على طعام المسكين، مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ [المدثر: 42-45] .
فهل متدبّر كتاب الله وكيف أنّ الله سبحانه وتعالى رفع من شأن الإنسان وحث على الواجبات الاجتماعية بين البشر وجعل مرتبتها تلي مرتبة الإيمان؟! فالإيمان الصادق هو الدافع الوحيد لإنقاذ الضعفاء والمحرومين، وهو الذي يدفع الإنسان إلى التراحم والشفقة على الآخرين والتواصي بالخير على تحمّل المشاق والتواصي بالمرحمة فيما بينهم؛ لأن الغرض الذي يرمي إليه القرآن الكريم هو أن يكون الخير والتراحم خلُقًا اجتماعيًا شائعًا بين المسلمين، فلا يكفي أن يصبر البعض والبعض الآخر لا يهتم بالصبر ولا بالمرحمة، بل الواجب أن يوصي بعضنا بعضًا بالصبر والرحمة حتى يتشبّع الجو الإسلامي الاجتماعي بينهم في جميع المعاملات اليومية؛ لأن الذين تواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة هم أصحاب الميمنة كما قال تعالى: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ [البلد: 17-20] .
فيا أيها المؤمنون، دعونا نتأمل هذا الإنسان قبل أن يعرف الإيمان طريقه إلى قلبه ويعرف ربه وحقوق خلقه، ويقول تعالى: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلاَّ الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المعارج: 19-30] ، فتراه هلوعًا، وإذا مسه الشر والبلاء جزَع وسخط، وإذا جاءه الخير منع وحرم غيره من المحتاجين، أما المؤمن فيعلم أن ما أصابه هو قدر مقدور، فإن كان شرًا صبر، وإن كان خيرًا شكر، كما قال عنه: (( عجبا لأمر المؤمن، إنّ أمره كله خير؛ إن أصابته ضراء صبر فكانت خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ) )أو كما قال. وحين يبلغ الإيمان مبلغه في القلب يصبح هذا المؤمن له شأن آخر في المجتمع، إنه سخي، رحيم بالسائل والمحروم، مشفق من عذاب الله إن قصر في واجب، وهو عفيف اللسان والفرج واليد، فلا يخون أمانة، ولا يغدر بعهد، ولا يكذب، ولا يكتم الحق في شهادة.
ومما يلاحظ في هذه الآيات أن معظمها عبارة عن واجبات اجتماعية وأخلاق تربط المسلم بغيره، ومنها التضحية من أجله وأداء ما له من حقوق وواجبات، ونجد هذا واضحًا جليًا في سور القرآن المكية التي نزلت في مكة أثناء التشريع؛ مما يدل على أهميتها وعلى ضرورة العمل بها.
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله وحده، لا شيء قبله ولا شيء بعده، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، بعثه ربه في الأمّيين يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ولو أخذنا من القرآن مثالًا لهذا الجانب الاجتماعي لوجدناه واضحًا في سورة الإسراء من قوله تعالى: لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا حتى قوله تعالى: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ، نجد سبع عشرة آية منها خمس عشرة وصية كلّها وصايا اجتماعية، مثل قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء: 23] ، وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا [الإسراء: 26] ، وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء: 29] ، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء: 31] ، وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى [الإسراء: 32] ، وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ [الإسراء: 33] ، وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء: 34] ، وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ [الإسراء: 35] . كل هذه وصايا اجتماعية تهتمّ بالمجتمع الذي نعيش فيه، وتتفاعل معه، وتحثّ المسلم على التمسك بها بعد الإيمان بالله وتوحيده.
أما في السنة فقد قال في الحديث المتفق عليه: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ) )، والحديث الآخر: (( من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ) )، فأين نحن ـ أيها المسلمون ـ من تطبيق كتاب ربنا وسنة نبينا محمد ؟! فالجواب الحتمي: نحن بعيدون كلّ البعد عنهما إلا من رحم ربنا.
ومما هو جدير بالملاحظة ويجب علينا جميعًا فهمه وإدراكه جيدًا هو أن هذه الواجبات والآداب الاجتماعية عبارة عن جوانب تعبدية كالصلاة والصيام والزكاة والحج وقراءة القرآن، بل بعضها قد يفوق ثوابه ثوابَ كثيرٍ من أنواع التعبد المعتادة، وليست مجرّد مجاملات اجتماعية يومية، فتصور أن مسح رأس اليتيم عبادة، وصلة الرحم عبادة، وزيارة الأخ في الله عبادة، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، ومصافحتك أخاك صدقة، وقضاء حوائج العباد عبادة. فمعنى ذلك أن كل حركة لصالح إنسان أو حيوان مأذون فيها شرعا إذا فعلتها لوجه الله فهي عبادة. فيستطيع الإنسان المؤمن الحريص على طاعة ربه أن يخرج من بيته في الصباح فيعود مريضًا أو يزور صديقًا أو يتبع جنازة ويرجع قبل العصر مثلًا وقد كتب له جميع وقته عبادة مع أنه لم يصلّ إلا الظهر، أليست هذه سعادة وتجارة مع الله غفل عنها كثير من الناس وحرموا نفعها في أيامنا هذه إلا من وفقه الله وسدد خطاه؟!
استمعوا إلى هذه البشرى من رسول العالمين: صلى رسول الله الفجر ذات يوم بأصحابه، فلما قضى صلاته قال: (( أيّكم أصبح اليوم صائمًا؟ ) )قال أبو بكر: أنا، قال: (( من تبع منكم اليوم جنازة؟ ) )قال أبو بكر: أنا، قال: (( من أطعم اليوم مسكينًا؟ ) )قال أبو بكر: أنا، قال: (( فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ ) )قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الرحمة: (( ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة ) )رواه مسلم. صام وتبع جنازة وأطعم مسكينًا وعاد مريضًا.
ولكي نعرف خطورة إهمال الجانب الاجتماعي في حياة المسلم فعلينا أن نستمع إلى رسول الله في الحديث الذي رواه مسلم حيث قال: (( أتدرون من المفلس؟ ) )قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: (( إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار ) ).
فلا يغترّ إنسان بعبادته وطاعاته إن لم يعمل بمقتضى هذه العبادة، فمن صلى مثلًا وهو لا يزال يفعل المنكرات فلا تنفعه صلاته، فقد قال تعالى: إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ، وقال: (( ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت فيها ) )وقال: (( إن العبد ليصلي الصلاة ما يكتب له فيها إلا عشرها، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها ) )رواه أحمد.
عباد الله، اتقوا الله، اعلموا أن الله صلى وسلّم على نبيه قديما، فقال تعالى ولم يزل قائلًا عليمًا وآمرا حكيما تنبيهًا لكم وتعليمًا وتشريفًا لقدر نبيه وتعظيمًا: إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر من نصر الدين...