التوحيد
الألوهية
عبد الحميد بن جعفر داغستاني
مكة المكرمة
ابن حسن
1-الغاية من خلق البشر عبادة ربهم. 2- معنى العبادة الشامل الذي أراده الله منا.
3-الإخلاص لله يجعل كثيرًا من الأفعال الاجتماعية عبادة. 4- أمثلة لذلك من كلام النبي.
أما بعد:
فإن الله سبحانه وتعالى بين الغاية التي من أجلها خلقنا فيقول:
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات:56] . وقال نوح وغيره من الأنبياء لأقوامهم: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره [الأعراف:59] .
وبين الله عز وجل أن بعثه الرسل للأمم من أجل العبادة: ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة [النحل:36] .
ويأمر سبحانه رسوله بعبادته حتى الموت فيقول: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجرات:99] .
وعندما يصف الله حبيبه وخليله وصفوته من خلقه في أكمل أحواله وفي مقام الاصطفاء بالعبودية يقول: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله [الإسراء:1] .
فما هي هذه العبادة التي خلقنا من أجلها وأمرنا في نصوص كثيرة بفعلها ؟
يظن بعض الناس أن العبادة لا تتعدى نطاق ركعات يصليها الفرد وأيام يصومها ، أو فريضة حج يؤديها ، أو زكاة مال يخرجها ؟؟! وهذا الفهم لعمرو الله فهم فاسد للعبادة حرفه أعداء الإسلام عن طريق غزو ديار المسلمين عسكريا، فبقوا قابعين ضمن جدران المساجد وفي عرصات المشاعر المقدسة فقط ليقصروهم عن قيادة البشرية جمعاء.
إن العبادة اسم جامع لكل ما يحب الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام وتربية الأولاد، والوفاء بالعهود إلى آخر مجامع الأخلاق والأعمال ومحاسنها، فهذه كلها من العبادة لا بعضها فقط.
لقد أفسح الإسلام مجال العبادة ، ووسع دائرتها بحيث شملت أعمالًا كثيرة لم يكن يخطر ببال الناس أن يجعلها الدين عبادة وقربة لله ، إن كل عمل اجتماعي يعده الإسلام عبادة من أفضل العبادات ما دام قصد فاعله الخير لا قصد الثناء واكتساب السمعة الزائفة عند الناس، كل عمل يمسح به الإنسان دمعة محزون أو يخفف به كربة مكروب ، أو يضمد به جراح منكوب، أو يتبرع له ببعض من دمه، أو يسد به رمق محروم، أو يعين به مظلوما، أو يقضي به دين غارم مثقل، أو يهدي حائرًا، أو يؤوي غريبا، أو يدفع به شرًا عن مخلوق، أو أذى عن طريق، أو يسوق إحسانا لحيوان، كل واحد مما سبق عبادة مقربة إلى الله إذا صحت فيها النية وكان موافقا لكتاب الله وسنة مصطفاه.
والنصوص في بيان هذا كثيرة أكثر من أن نحصيها في مثل هذا المقام.
ويروي لنا النبي مشهدًا من المشاهد البديعة يوم القيامة في صورة حوار بين الله وعباده أن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين. قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده ؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده. يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني. قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه. أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني. قال: يارب كيف أسقيك وأنت رب العالمين. قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي ) (1) رواه مسلم.
إن الإسلام لا يستحب هذه الأعمال فقط، وإنما يدعو إليها ويأمر بها فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: (( سألت رسول الله ماذا ينجي العبد من النار ؟ قال الإيمان بالله. قلت: يا نبي الله مع الإيمان عمل؟ قال: أن ترضخ مما خولك الله( أي تعطي مما ملكك الله ) قلت: يا نبي الله فإن كان فقيرا لا يجد ما يرضخ ؟ قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
قلت: فإن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ؟ قال: فليعن الأخرق ( وهو الجاهل الذي لا يعلم صنعة ولا يقدرعلى تعلم صنعة ) قلت: يا رسول الله رأيت إن كان ضعيفا لا يستطيع أن يعين مظلوما. قال: ما تريد أن تترك لصاحبك خيرا ، ليمسك أذاه عن الناس. قلت: يا رسول الله أرأيت إن فعل هذا يدخل الجنة؟ قال: ما من مؤمن يطلب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة )) رواه البيهقي.
من هذا الحديث نعلم أن الإسلام لم يخص طائفة معينة من الناس بالعبادة بل الجميع له سبحانه عبيد، فلم يجعل العبادة مالية فقط فينفرد بها الأغنياء ، ولا بدنية فينفرد بها الأقوياء، ولا ثقافية علمية فيختص بها العلماء. بل كل إنسان يؤدي عبادة على قدر طاقته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم فاستغفروه.
(1) صحيح مسلم ، ك: البر والصلة والآداب: فضل عيادة المريض 16/125.
الحمد لله رب العالمين حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده ، وأشهد أن لا إله إلا الله يوفق من أطاعه لهداه ويذل ويخزي من عصاه وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله ورحمته المهداة، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرًا أما بعد:
فمما سبق يتضح لنا شمول وعموم معنى العبادة ، وأن الأعمال العادية كذلك يمكن أن تتحول إلى عبادة ولكن بتحوير بسيط في النية ، فالذي يأكل الطعام يقوم بأمر عادي ، أما إن حوله في نيته فجعل تناول الطعام ابتغاء إعفاف نفسه وتقويتها للعبادة وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون أكله وهضمه للطعام عبادة، والذي يعمل لكسب معاشه يقوم بعبادة بشرط أن يكون العمل مشروعا لا محرما، فلا يعمل والعياذ بالله في جهاز يتعامل بالربا والفائدة، ولا في آخر يتخذ من إلهاء الناس وإفساد أخلاقهم بالباطل مكسبا ومغنما ، وبشرط حسن النية وأن يؤدي العمل بإتقان وإحسان يقول الحبيب: (( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه ) )رواه البيهقي في شعب الإيمان، وبشرط التزام دين الله فلا يظلم ولا يخون ولا يغش، مع الموازنة بين عمله الدنيوي وبقية فروض الدين.
ويجمع جميع هذه الشروط كلمتان إخلاص النية واتباع الكتاب والسنة.
إن الإنسان ليأتي أهله ويقضي منها وطره ويكون له أجر بشرط استحضار النية كذلك، فينوي رضى ربه بإعفاف نفسه وغض بصره ، وتحصيل الذرية الصالحة التي يكون منها العالم العامل، والمجاهد في سبيل الله ، والسائر برضوان الله ، والأنثى التي تصبح أمًا فيما بعد تنجب العالم والمجاهد ، والأم كذلك.
وهو بهذا يكثر أمة النبي الخاتم الذي يقول: (( وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ وكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) )رواه مسلم (1) .
بعد هذا كله يتضح لنا خطأ من يقول:"ساعة لربك وساعة لقبلك"فالوقت عند هذا القائل قسمان: قسم يصلي فيه ويصوم، وآخر ينسى ربه - والعياذ بالله - فيه وقد يعصيه.
فالأوقات كلها لله بشرط حسن النية والاتباع، فأعطى الإسلام الأجر والثواب حتى على الجماع وعلى ترويض الخيل أمامه وبين يديه.
(1) صحيح مسلم: كتاب الزكاة ، باب كل نوع من المعروف صدقة 7/92.