الرقاق والأخلاق والآداب
الآداب والحقوق العامة, مساوئ الأخلاق
عبد الكريم بن صنيتان العمري
المدينة المنورة
جامع الصانع
1-منزلة الثقة والأمانة في حياة الناس. 2- أعظم الغدر أن ينقض الإنسان العهد الذي بينه وبين خالقه. 3- الغدر صفة ذميمة وممقوتة. 4- الغدر طريق إلى تفكك المجتمع واضطرابه.
الثقة صفة محمودة، تطمئن إليها النفوس، وترتاح لها القلوب، وكل إنسان موثوق محبوب للناس، مقرب عندهم، مأمون في أقواله ومعاملاته، وبقدر ما يكون ثقة أمينًا فإنه يكون أهلًا يُعتَمَد عليه بعد الله تعالى، وبقدر ما تفقد الثقة منه ويكون مهزوزًا في تعامله، بقدر ما يبتعد الناس عنه، ولا يأمنون غدره وانقلابه.
والمرء إذا كان معدوم الثقة تنقطع عنه كل الروابط الأخوية والعلاقات الاجتماعية؛ لأن الخيانة ديدنه، والغدر صفته وعادته، يبيعك بأقل ثمن، ويروغ عنك لأتفه سبب، لا يتردد في إلقائك في المهالك والحفر، ولا يتورع عن وصفك بأقبح الصفات ونعتك بأبشع الألفاظ، فلا تطمئن لصداقته، ولا ترتاح لتظاهره بحسن علاقته. لذلك كانت صفة الغدر من الصفات القبيحة التي ذمها الإسلام، ومن الخلال الذميمة التي حذر منها أشرف الأنام.
قال تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء:34] ، وقال جل وعلا: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا [النحل:91] .
وأعظم الغدر أن ينقض الإنسان العهد الذي بينه وبين خالقه، فهو الذي أوجده من العدم، وَأَدَرَّ عليه الخيراتِ والنعم، ثم هو في كل مرةٍ لا يفي بما وعد، ولا يُتِم ما به التزم وتعهد.
ومن اتصف بذلك فإنه على حالٍ خطيرة، وفي موقف قد يؤدّي به إلى السعير، قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة:75-77] .
إن الغدر صفة ذميمة وممقوتة، ولا أدلّ على ذلك من أن الخالق جل وعلا هو خصمه يوم يبعث الخلائق، فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه العمل ولم يوفه أجره ) )رواه البخاري. ومن كان الله تعالى خصمه فقد وقع في أحقر موقف وأذل صورة وأخزى حال، إذ هو أمام رب العالمين وأحكم الحاكمين.
ولقد عاتب رسول الله الغادرين بعقوبة قاسية أليمة، فعن أنس بن مالك أن أناسًا قدموا على رسول الله المدينة فاجتووها ـ أي: استوخموها فلم تناسبهم واعتلت صحتهم ـ، فقال لهم رسول الله: (( إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها ) )، ففعلوا وانطلقوا إليها، فشربوا من أبوالها وألبانها، حتى صحوا وسمنوا قتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فبلغ ذلك النبي فبعث في آثارهم وأتى بهم، فأمر أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ثم أمر بمسامير فأحميت فكحل بِها أعينهم، وطرحهم في الحرة يستسقون فما يسقون حتى ماتوا. رواه البخاري ومسلم.
وهكذا أنزل بهؤلاء هذه العقوبة الصارمة جزاء غدرهم ومقابلتهم الإحسان بالإساءة والمعروف بالنكران، ولعذاب الآخرة أخزى وأشد.
ولو لم يكن في الغدر والخيانة وعدم الوفاء بالعهد إلا أن رسول الله عدّ ذلك من صفات المنافقين لكفى، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي قال: (( أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ) )رواه البخاري ومسلم.
ومما يدل على شؤم الغدر وسوء عاقبته أن الله تعالى يفضح صاحبه على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يُرفع لكل غادر لواء، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان ) )متفق عليه. فتكون عقوبته في ذلك الموقف العظيم التشهير بخيانته وإعلان غدره ونشر فضيحته أمام أهل الموقف، حتى يُعرف بذلك ويُذم بينهم.
وكلما انتشر الغدر بين الناس وشاع بينهم نقضُ العهد وعَدَم الوفاء به أدى ذلك إلى تفكك المجتمع واضطرابه، وفقدان الثقة بين أفراده، وعدم اطمئنانهم لبعضهم، وبعدهم عن تقوية روابط الألفة والتماسك فيما بينهم.
روى بريدة قال: قال رسول الله: (( ما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت الفاحشة في قومٍ إلا سُلط عليهم الموت، ولا منع قوم الزكاة إلا حُبس عنهم القطر ) )رواه الطبراني.
اللهم اجعلنا أوفياء لك، أصفياء في عبادتك، أحباء لعبادك، مطيعين رسولَك، منفذين أوامرك، مجتنبين نواهيك، صفِّ سرائرنا من الضغينة والشحناء، وطهر قلوبنا من النفاق، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين والمسلمات، برحمتك يا أرحم الراحمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
لم ترد.