الرقاق والأخلاق والآداب
فضائل الأعمال
محمد النمر
الطائف
الهويش
-شُرعت النوافل لِحِكَم وثمرات تحصل عند أدائها - بعض ثمرات الحرص على النوافل -
أحوال بعض السلف في حرصهم على النوافل
وبعد:
فيا عباد الله: فرض الله عز وجل على المؤمنين خمس صلوات في اليوم والليلة وأمرهم بالمحافظة عليها وعدم التهاون بشأنها، وبين سبحانه، أن أحب عمل يتقرب به العبد إليه هو أداء فرائضه، ففي الحديث القدسي: (( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ) ).
وللترقي في مدارج الخير والفلاح والصلاح شرع الله لعباده النوافل والسنن، وأوحى بها إلى نبيه ، والنافلة تكون من جنس فريضة، وفي الحديث القدسي: (( وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ) )، وما ثمرة هذه المحبة؟ وأينا لا يحرص على محبة الله له، وأينا لا يسعى إليها، واسمعوا ما أعظم هذه الثمرة يقول عز وجل في الحديث: (( وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ) ).
وعلى كل المعاني التي قيلت في الحديث فإنها ثمرات كبيرة ينالها من تنفل لله طاعة، والنافلة مجال عظيم للخير، وفيه يتنافس المتنافسون، وتتفاوت منازل الصالحين، وأعلى المقامات بين الناس هو مقام النبوة، فقد كان النبي الهادي أصبر الناس على طاعة الله، وأشدهم خوفا وأعظمهم إخلاصا ومحبة، حتى لقد تورمت قدماه من طول القيام بين يدي الرحمن، فيسأل عن ذلك إشفاقا عليه فيقول: (( أفلا أكون عبدا شكورا ) )وإن من ثمرات النوافل جبر الفرائض كما جاء في مسند الإمام أحمد: (( انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملوا به فريضته ) ).
ولقد كان من سنته المداومة على اثنتي عشرة ركعة موزعة قبل الفرائض وبعدها في اليوم فقد سأل عبد الله بن شقيق رحمه الله أم المؤمنين عائشة عن تطوع رسول الله فقالت: (( كان يصلي قبل الظهر أربعا في بيتي ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يرجع إلى بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب ثم يرجع إلى بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي بهم العشاء ثم يدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، وكان يصلي ليلا طويلا قائما وليلا طويلا جالسا فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين ثم يخرج فيصلي بالناس صلاة الفجر ) )، وفي صحيح الإمام مسلم عن أم حبيبة زوج النبي قالت: سمعت رسول الله يقول: (( من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة، بني الله له بهن بيتًا في الجنة ) )قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله.
ألا ما أشد حرص المؤمن على الخير، وما أنشطه في المنافسة فيه ذلك لأنه عرف حق ربه عليه وأدرك تقصيره في طاعته فاجتهد في الطاعة وأقبل على العبادة وهو يردد قوله الله عز وجل في ثنائه على محمد وصحبه: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون إنهم الأيقاظ في جنح الليل والناس نيام أو مستغرقون في اللهو والعبث والآثام، إنهم المتوجهون إلى ربهم بالاستغفار والاسترحام لا يطعمون النوم إلا قليلا، ولا يهجعون في ليلهم ويخف بهم التطلع إلى الثواب فلا يثقلهم المنام.
قال الحسن البصري رحمه الله: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل إلا أقله ونشطوا فمدوا إلى السحر، حتى كان الاستغفار في سحر، وقال قتادة: قال الأحنف بن قيس: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون كانوا لا ينامون إلا قليلا، ثم يقول: لست من أهل هذه الآية. ونُقل عنه أنه كان يقول: عرضت عملي على عمل أهل الجنة، فإذا قوم قد باينونا بونا بعيدًا، وإذ نحن قوم لا نبلغ أعمالهم، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وعرضت عملي على عمل أهل النار، فإذا قوم لا خير فيهم، مكذبون بكتاب الله وبرسل الله، مكذبون بالبعث بعد الموت، فقد وجدت من خيرنا منزلة قومًا، خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا.
هكذا يتطلع المؤمن إلى آفاق أثنى الله على من وصلوا إليها هذا الثناء وعدّهم في المحسنين، فأين تقضى ساعات نهارنا وفيما نزجي ساعات ليلنا، روى الإمام أحمد رحمه الله عن سعد بن هشام قال: قلت يا أم المؤمنين: أنبئيني عن خلق رسول الله قالت: ألست تقرأ القرآن؟، قلت: بلى، قالت: فإن خلق رسول الله كان القرآن، فهممت أن أقوم، ثم بدا لي قيام رسول الله ، قلت: يا أم المؤمنين: أنبئيني عن قيام رسول الله ، قالت:ألست تقرأ هذه السورة: يا أيها المزمل ؟ ، قلت: بلى، قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام رسول الله وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها فصار قيام الليل تطوعا بعد الفريضة، فهممت أن أقوم ثم بدا لي وتر رسول الله فقلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن وتر رسول الله قالت: كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله لما يشاء أن يبعثه من الليل فيتسوك، ثم يتوضأ، ثم يصلي ثمان ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة فيجلس ويذكر ربه تعالى ويدعو ثم يسلم تسليما يسمعنا ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني.
صلى الله عليك يا خير من عرف حق الربوبية فوفاه وربى على ذلك أتباعه فاجتهدوا، هذا ابن مسعود كان إذا هدأت العيون قام، فيسمع له دوي كدوي النحل حتى يصبح، وكان طاووس رحمه الله إذا اضطجع على فراشه يتقلى كما تتقلى الحبة في المقلاة، ثم يثب ويصلي، ثم يقول: طير ذكر جهنم نوم العابدين.
وكان للحسن بن صالح جارية، فباعها من قوم، فلما كان في جوف الليل قامت الجارية فقالت: يا أهل الدار، الصلاة الصلاة، فقالوا: أأصبحنا، أطلع الفجر؟، فقالت: وما تصلون إلا المكتوبة، قالوا: نعم، فرجعت إلى الحسن فقالت: بعتني إلى قوم لا يصلون إلا المكتوبة، ردني فردها، وأترك لكم مقارنة هذا مع أحوالنا.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه... وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فاللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون: إن أحسن الحديث كتاب الله عز وجل وإن خير الهدي هدي محمد بن عبد الله وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة فاهتدوا بكتاب الله وسنة رسوله واحذروا كل مخالفة عن أمره فإن السعادة والفلاح في الاتباع وإن الشقاوة والخسران في الابتداع، واعلموا رحمكم الله أن النافلة وخاصة ما كان منها في الليل لها طعم خاص وأثر متميز والله عز وجل يقول عنها: إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا إنها وإن كانت أجهد للبدن لكنها أثبت في الخير، ففيها إعلان لسيطرة الروح واستجابة لدعوة الله، وإيثار للأنس به، ومن ثم فإنها أقوم قيلا، لأن للذكر فيه حلاوته، وللصلاة فيه خشوعها وللمناجاة فيها شفافيتها، وإنها لتسكب في القلب أنسا وراحة وشفافية ونورا، والله الذي خلق هذا القلب يعلم مداخله وأوتاره، ويعلم ما يتسرب إليه وما يوقع عليه.
وإن مما يسهل قيام الليل: عدم إطالة السهر وعدم ترك القيلولة بالنهار فإنها مفيدة للاستعانة على قيام الليل، ومما يسهل القيام عدم الإكثار من الطعام، ومنها أن يعرف فضل قيام الليل بسماع الآيات والأخبار حتى يستحكم في العبد الرجاء والشوق إلى الثواب ومنها وهو أشرفها: الحب لله وقوة الإيمان فإن من أحب الله تلذذ بالمناجاة، قال الفضيل بن عياض: إذا غربت الشمس فرحت بالظلام لخلوتي بربي، وقال بعضهم: لذة المناجاة ليست من الدنيا إنما هي من الجنة أظهرها الله تعالى لأوليائه لا يجدها سواهم، وقال محمد بن المنكدر: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان والصلاة في الجماعة.
فأين الجادون المشمرون المتقون لله في أوقاتهم وفي طاقاتهم.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله....