سيرة وتاريخ
تراجم
محمد بن سليمان المهوس
الدمام
جامع الحمادي
1-الحاجة لمعرفة السلف الصالح والاقتداء بهم. 2- سمات وميزات الخليفة عمر بن عبد العزيز خُلقًا وخَلقًا. 3- سيرته وهو خليفة المسلمين. 4- وفاته رضي الله عنه. 5- من هو المجدد الأول لهذا الدين؟
أما بعد: فإن أحسن الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي نبينا محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الناس، ما أحوجنا دائمًا إلى معرفة سير سلفنا الصالح أعلام الهدى الذين جمعوا بين العلم والعمل، وامتلأت قلوب المسلمين بحبهم، وشُغِلَتْ ألسنتهُم بالثناء عليهم وذكرهم؛ وذلك لزهدهم وورعهم وخشيتهم لربهم عز وجل وعلو هممهم في طلب العلم النافع والعمل الصالح، حتى نكون على منوال الكرام، لنتبوأ منازل الخير والإنعام.
وفي هذه الجمعة المباركة إن شاء الله تعالى نتكلم عن الخليفة الزاهد والإمام العابد المجدِّدِ الأول لشباب الإسلام على رأس المائة الأولى، والذي أقبلت عليه الدنيا بخيَلها ورَجِلِها فأعرض عنها رغبةً في النعيم المقيم والملكِ العظيم في جوار رب العالمين، أعطر الناس سيرة وأطيبهم سريرة، ملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلِئت ظلمًا وجورًا، وغيّر وجه الأرض في سنتين وخمسة أشهر، قضى بعد ذلك نحبه ولقي ربه، جمع زهدًا وعفافًا وورعًا وكفافًا.
إنه الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي جمع الفضائلَ وتنزهت نفسُه عن الرذائل، ظهرت عليه علاماتُ النجابة منذُ الصغر، فختم القرآن ولم يشتغل بما اشتغل به بعض الناس من الترف والثراء، ولكنه طلب الشرف الحقيقي والعزّ الدائم، فرحل إلى مدينة الرسول وجالس فُقهاءَ المدينةِ وأخذ من علمهم وهديهم وسمتهم، وما تطلع يومًا للخلافة ولم يكن في نَسل من تُصيبه، فقد كان من ولد عبد العزيز بن مروان، وكانت الخلافةُ في نَسل عبد الملك بن مروان، ولكنها إرادة الله عز وجل، اختير لها على حداثة سِنه وقِصَر مدته، فرد المظالم، واستعمل أهلَ الخير والصلاح، وعزل أهل َالجَوْر والفساد، حتى صار استعمالُه للرجل تعديلًا له عند أئمة الجرح والتعديل، يقولون: استعمله عمر بن عبد العزيز.
لقد أعز الله بعُِمرَ الملةَ، ورفع به منارَ السنة، وأخمد نار البدعة، فكثُر الخير وعمّ الصلاحُ وانتظمت أمورُ العباد والبلاد.
ولد بمصرَ، وأمه أمُّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ، كان أسمرَ، رقيقَ الوجه حَسَنَه، نحيفَ الجسم، حَسَنَ اللحية، ولما تولى الخلافة صَعَدَ المنبر، واجتمع إليه الناس فقال:"أيها الناس، إني قد ابتُليت بهذا الأمر من غير رأيٍ كان منّي فيه، ولا طلبةٍ له، ولا مشورة ٍمن المسلمين؛، وإني قد خَلعتُ ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم"، فصاح الناسُ صيحةً واحدةً، كلُّهم يقول: قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضيناك، فلما رأى الأصواتَ قد هدأت رفع صوتَه حتى أسمعهم فقال:"يا أيها الناس، من أطاع الله وجبت طاعتهُ، ومن عصى الله فلا طاعةَ له عليكم".
كان حَسَنَ الخَلقْ والخُلق، كاملَ العقل، حَسَنَ السَّمت، حريصًا على العدل، وافرَ العلم، ظاهرَ الذكاء والفهم، أواهًا منيبًا، حنيفًا زاهدًا، قانتًا بكّاءً، بكى مرةً فأبكى زوجتَه وأبكى أهلَ الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما تجلى عنهم البُكاءُ قالت له زوجتُه فاطمة: بأبي أنت وأمي يا أميَر المؤمنين، مِمّ بكيت؟ قال: تذكرتُ ـ يا فاطمة ـ مُنْصَرفَ القوم بين يدي الله، فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير، ولا أدري من أيِّ الفريقين أنا، ثم صرخ مغشيًا عليه.
كتب عمر بنُ عبد العزيز إلى رجل:"أوصيك بتقوى الله الذي لا يقبل غيَرها، ولا يرحم إلا أهلَها، ولا يثيبُ إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل"، وفي آخر خُطبة خطبها عمر بعد أن صعَد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:"أما بعد: فإن في أيديكم أسْلاب الهالكين، وسيترُكها الباقون كما تركها الماضون، ألا ترون أنكم في كل يوم وليلةٍ تشيّعون غاديًا ورائحًا إلى الله تعالى، وتضعونه في صَدْعٍ من الأرض، ثم في بطن صَدْعٍ غير مُمَهدٍّ ولا مُوسّد، قد خلع الأسبابَ، وفارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب، فقيرًا إلى ما قدم أمامه، غنيًا عما ترك خلفه، أما والله إني لأقولُ هذا وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما عندي"، ثم وضع طرفَ ثوبِه على عينيه فبكى ثم نزل، فما خرج حتى أُخرج إلى حفرته.
يقول رجاء بن حَيوة: كان عمرُ بن عبد العزيز من أعطر الناس وأخيلِهم في مشيته، فلما استُخلف قوّموا ثيابه اثني عشر درهمًا فقط، ويقول آخر: رأيته بعدما استخُلف ولو شئتُ أن أعُدَّ أضلاعه من غير أن أمَسّها لفعلت.
الله أكبر ـ عباد الله ـ كان يتمثل بهذه الأبيات:
أيقظان أنت اليوم أم أنت نائم وكيف يطيق النوم حيْران هائم
فلو كنت يقظان الغداة لَحرّقت مدامع عينيك الدموع السواجم
بل أصبحت فِي النوم الطويل وقد دنت إليك أمورٌ مفظعاتٌ عظائم
نهارك يا مغرور سهوٌ وغفلة وليلك نومٌ والردى لك لازمُ
يغرك ما يفنى وتشغل بالمنى كما غر باللذات في النوم حالِمُ
وتُشْغلُ فيما سوف تكره غِبّه كذلك فِي الدنيا تعيش البهائمُ
قال مالك بن دينار رحمه الله: الناس يقولون عني: زاهد، وإنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها. ويقول مكحول: لو حلفتُ لصدَقت، ما رأيت أزهد ولا أخوفَ لله من عمرَ بن عبد العزيز. ويقول أبو حاتِم: لما مرض عمر بن عبد العزيز جيء بطبيب، فقال الطبيب: به داءٌ ليس له دواءٌ، غلب الخوف على قلبه، أي: الخوف من الله.
اللهم اجعلنا لك من العابدين، لك من الطائعين، لك من الأوابين، اللهم ارزقنا توبة قبل الممات، تمحو بها عنا الزلات، يا رب الأرض والسموات.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا أله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: عباد الله، تمضي الأيامُ على أميِر المؤمنين عمرَ بن عبد العزيز سريعًا، ويدنو الأجلُ، ويكون سببُه السم. كان بنو أميةُ قد تضايقوا منه لكونه شدّد عليهم، وانتزع من أيديهم كثيرًا مما اغتصبوه، قال مجاهد: قال لي عمر بن عبد العزيز: ما يقول الناس فيَّ؟ قلت: يقولون مسحور، قال: ما أنا مسحور، وإني لأعلم الساعة التي سُقِيتُ فيها السم، ثم دعا غلامًا له فقال له: ويحك، ما حملك على أن سقيتني السم؟! قال: ألف دينار أُعطيتُها وعلى أن أُعتق، قال: هاتها، قال: فجاء بها فألقاها في بيت المال، ثم قال: اذهب حيث لا يراك أحد.
وعند احتضاره قال لمن عنده: أَجلسوني، فأجلسوه، ثم نادى ربه فقال: أنا الذي أمرتني فقصّرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله، ثم قال: اخرُجُوا عني فلا يبقى عندي أحد، وكان عنده مسلمةُ بن عبد الملك قال: فخرجوا، فقعد مسلمةُ على الباب هو وفاطمة زوجته، قال: فسمِعُوه يقول: مرحبًا بهذه الوجوه، ليست بوجوه إنس ولا جان، قال: ثم قال: تِلْكَ ?لدَّارُ ?لآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى ?لأرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَ?لْعَـ?قِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83] ، قال: ثم هدأ الصوتُ فقال مسلمةُ لفاطمةَ: قد قُبِضَ صاحبك، فدخلوا فوجدوه قد قبُض، فنظر إليه مسلمة فقال: يرحمك الله، لقد لينتَ قُلوبًا قاسيةً، وأبقيتَ لنا في الصالحين ذكرًا.
تنعى النعاةُ أمير َالمؤمنين لنا يا خيَر من حجّ بيتَ الله واعتمرَا
حُمّلت أمرا عظيمًا فاضْطلَعْتَ به وسرت فيه بِحكم الله يا عُمرَا
الشمسُ طالعةٌ ليست بكاسفةٍ تبكي عليك نُجوم الليل والقمرَا
فرحمك الله يا عمر، ورضي الله عنك، وجمعنا بك في الفردوس الأعلى.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن بقية العشرة المبشرين بالجنة، وعن بقية صحابة رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، واجمعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين...