فهرس الكتاب

الصفحة 4089 من 5777

توضيح العباد في مساهمة بنك البلاد

فقه

قضايا فقهية معاصرة

عبد العزيز بن محمد القنام

وادي الدواسر

جامع النويعمة القديم

1-خطورة تهافت الناس على المكاسب والأرباح. 2- انتشار المعاملات والمكاسب المحرمة بين الناس وتلبيسها لباس الحلال. 3- فتوى لفضيلة الشيخ ابن عثيمين في حكم المساهمة في البنوك. 4- فتوى اللجنة الشرعية لبنك البلاد. 5- حفظ المال من الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة الإسلامية بها. 6- حرمة استحلال الحرام بأدنى الحِيل.

الحمد لله الذي أباح لنا من المكاسب أحلّها وأزكاها وأقومها بمصالح العباد وأولاها، وحرم علينا كل كسب مبني على ظلم النفوس وهواها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الخليقة وبراها، وبين لها طرق رشدها وهداها، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أزكى الخليقة عبادة ومعاملة وأتقاها، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما.

أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله عز وجل وكثرة حمده على آلائه إليكم ونعمائه عليكم وبلائه لديكم، فكم خصكم بنعمة، وأزال عنكم نقمة، وتدارككم برحمة، أُعوِزتم له فستَركم، وتعرّضتم لأخذه فأمهَلكم، فإن تتوّلوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم.

عبادَ الله، إنّ تنافسَ الناس في نيلِ مطامعِ الدّنيا لهو الدَّيدَن المعهود في غابِرِ الأزمان وحاضِرها، وإنِّه ليزدَاد هذا التنافُس معَ الطّمَع كلّما ازداد اللّهَث وراءَ المكنون من زينتِها ومفاتنها، حتى إنَّ النفسَ المغامرة لتشرئبّ أمامَ السّرابِ في القيعةِ تحسَبه ماءً وليس بماءٍ، وما ذلك إلاَّ مِن شدَّة ولع النّاس بالدنيا وزخرفها. وإنَّ على رأس هذهِ المفاتن المالَ، المال الذي أودَعه الله بين عباده، يتناقلونه فيما بينهم، يبيع بعضهم لبعض، ويرابِح بعضهم لبَعض. يجِد الناس في هذا المالِ طاقاتٍ متفتّقةً بين الحين والآخر في إذكاءِ المضاربات والمرابحات، حتّى يصبِح التنافس والتهافُت سِمةُ مِن سماتِ مغامرات الناسِ ومخاطراتهم، وكأنهم بذلك يفرّون من فقرٍ محقَّق يدَعّون إليه دَعًّا، حتى وقَعوا فيما حذَّر منه النبيّ بقوله: (( فوالله، لا الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسَطَ عليكم الدّنيا كما بسِطَت على مَن كان قبلكم، فتنافَسوها كما تنافَسوها، وتهلِكَكم كما أهلَكتهُم ) )رواه البخاريّ ومسلم. ثمّ إنَّ هذا التنافسَ المحمومَ لم يسلم التعامل به من الكذب والظّلمِ والبُهتان والكيدِ والحسَد وأكلِ أموالِ الناس بالباطل؛ إذ ما مِن تَنافسٍ يخرجُ عن إطارِ الاعتدالِ والتوسُّط إلاَّ وتكون العواقبُ فيه وخيمة، والآفات المتكاثِرة عليه أليمة. ومِن هنا تنشأ الفِتنة بين النّاس، فيبغِي بعضهم على بعض، ويلعَن بعضهم بعضًا، وهذِه النتيجةُ إنما هِي مصداقٌ لقولِ المصطفى: (( إنّ لكلِّ أمّةٍ فِتنةً، وفتنة أمّتي المال ) )رواه الترمذي.

أيّها الناس، جاءَ في مسند أحمدَ أنّ النبيَّ ذكر أنّ الساعةَ لا تقوم حتى يفيضَ المال، وإنّ من المقرَّر المشاهَد في هذا الزّمن ـ عباد الله ـ كثرةَ المال وتنوّعَ موارده، وامتلاءَ الساحة بالأطروحات الاستثماريّة والمساهماتِ الربحية؛ ما جعل الناس يتهافتون إليها تهافُت الفراشِ على النِّبراس، حتى إنّها لم تدَع بيتًا إلاَّ وأصابته بدخَنها. وليس هذا هو العجبَ عباد الله، فإنّ النبي قد أخبرنا بهذا التنافس، وإنما العجَب حينما يكون هذا الانكبابُ والانغماس في حمأة الطّفرَة الماليّة، لدى المستثمِرين عاريًا عن الأناةِ والوضوح والفَرز بين ما أحلَّه الله وبين ما حرّمه، وهذا ناتج من قلة العِلم وضَعف الحرص على استجلابِ المال من طُرُقه الواضحة البيّنة من حيث الحِلّ والحرمةُ. وما نشاهِده اليومَ من عروضٍ استثماريّة متنوِّعة يعتريها شبَهٌ وشكوك، بل يعترِيها ظنٌّ راجح بأنها ملتاثةٌ بشيءٍ من الطّرق المحرَّمة في المعاملات، إنّما هو يذكِّرنا بقول النبيِّ: (( ليأتيَنَّ على الناسِ زمانٌ لا يبالي المرءُ بما أخذَ من المال بحلالٍ أو بحرام ) )رواه أحمد.

وإن من أخطر الأمور تهافت الناس على الدنيا وأخذها من حلها ومن غير حلها، وأصبح همّ الواحد الحصول على المال، لا يبالي أمن حلال هو أم من حرام، همّه أن يكون من الأثرياء، فضلّ بذلك عن الهدى واتبع الهوى، أَفَمَن يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى? أَمَّن يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الملك:22] ، ويقول الرسول: (( إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه. والذي نفسي بيده، لا يُسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمَن جاره بوائقه ) )، قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: (( غشمه وظلمه. ولا يكسب عبد مالًا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدّق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار. إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث ) )أخرجه الإمام أحمد في المسند. إن في هذا الحديث لعبرة وعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

ولقد أصبح هم كثير من الناس جمع المال من أي طريق سواء كان حلالًا أو حرامًا، وهذا تصديق لحديث الرسول الذي قال فيه: (( يأتي على الناس زمان لا يبالي الرجل من أين اكتسب ماله؛ من الحلال أم من الحرام ) )، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (( يأتي على الناس زمان لا يبقى بيت إلا ويدخله الربا، وإن لم يدخله نالهم من غباره ) ).

وهذا الواقع المؤلم في مجتمعات المسلمين مؤذن بحلول غضب الله ونقمته التي سوف تعمّ الصالح والطالح، حيث قال سبحانه وتعالى محذرًا ومنذرًا من شؤم المعاصي والذنوب: وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:25] . فهمُّ كثير من الناس اليوم هو جمع المال واستغلال حاجة بعضهم بعضًا؛ لنهب ما في أيديهم وإثقالهم وتحميلهم الديون بالحيل الموقعة في المعاملات الربوية، والاحتيال على شرع الله، ومشابهة اليهود الذين يرتكبون المحرمات بأدنى الحيل، وقد أصبح هذا الشبه والخلق اليهودي في مجتمعات المسلمين بما يروجه شياطين الإنس والجن من تزيين المكاسب المحرمة وتلبيسها لباس الحلال باسم البيع، حيث دخلت المعاملات الربوية تأخذ أشكال الحلال في الظاهر، ولكن القصد منها هو الوقوع في الربا والتعامل به، ولكن بطرق ملتوية ظاهرها الحِلّ وباطنها الحرمة، ظانين بأن ذلك يخفى على ربّ العزَّة والجلال إذا هو خفي على البشر.

فما أقل الورع في هذه الأيام، وما أكثر الوقوع في المحرمات وفي الشبهات التي أخبر الرسول بأن من وقع فيها فسوف يقع في الحرام لا محالة بقوله عليه الصلاة والسلام قبل نهاية الحديث: (( ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ) ).

فكما أنه يعلن في الأسواق عن مساهمات تكون في هذه البلاد، مثل ما أعلن في هذه الأيام عن مساهمة في أحد البنوك، حتى إن الناس على جميع طبقاتهم الفقير والغني ومتوسط الحال ساهم بها، وتراهم عند البنوك جماعات وفرادى في زحام لم يشهد له مثيل، لن نراهم بهذا الحضور غير الطبيعي كمثل حضورهم في صلاة الاستسقاء يطلبون ما عند الله ويتضرعون إليه ويستغفرونه، لماذا؟ لأنّ ذلك لأجل المال وحبّ التنافس في الدنيا. فمن الناس من يسأل عن تلك المساهمة، وكثير لا يبالي بحلالها وحرامها.

يقول سماحة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله لما سئل عن المساهمة في البنوك، قال رحمه الله:"لا شك أن الأصل في المعاملات الحل حتى يقوم الدليل على التحريم، وإذا كان التحريم واضحا فإنه لا يجوز لأحد أن يشارك في مساهمة تفعل الحرام، فإذا كانت المساهمة في بيوت الربا مثل البنوك فإنه لا يحل لأحد أن يساهم فيها؛ وذلك لأنها إنما أنشئت وقامت على الربا، وما يكون فيها من المعاملات الحلال فإنها معاملات قليلة بالنسبة للربا الذي يمارسه أهل البنوك. أما إذا كانت المساهمات فيما يراد به الاتجار بزراعة أو صناعة أو ما أشبهها فإن الأصل فيها الحل، ولكن فيها شبهة؛ وذلك لأن الفائض عندهم من الدراهم يجعلونه في البنوك فيأخذون الربا عليه، وربما يأخذون من الربا وربما يأخذون من البنوك دراهم ويعطونهم الربا، فمن هذا الوجه نقول: إن الورع أن لا يساهم الإنسان في هذه الشركات، وإن الله سبحانه وتعالى سوف يرزقه إذا علم من نيته أنه إنما ترك ذلك تورّعا وخوفا من الوقوع في الشبهة، وقد قال النبي: (( الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ) ). ولكن ما الحال إذا كان الإنسان قد ساهم أو كان يريد المساهمة دون أن يسلك الطريق الأفضل وهي طريق الورع؟ فإننا نقول: الحل في هذه الحال أنه إذا قدمت الأرباح وكان فيها قائمة تبين مصادر هذه الأرباح فما كانت فما كان مصدره حلالا فإنه حلال، وما كان مصدره حراما مثل أن يصرحوا بأن هذه من الفوائد البنكية فإنه يجب على الإنسان أن يتخلص منها بالتصدق بها، لا تقربا إلى الله، ولكن تخلّصا من إثمها؛ لأنه لو نوى بها التقرب إلى الله لم تقرّبه منه؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، ولم يسلم من إثمها لأنه لم ينو التخلص منها، أما إذا نوى التخلص منها فإنه يسلم من إثمها وربما يؤجر على صدق نيته وتوبته. وإذا كانت هذه الأرباح ليس فيها قوائم تبين المحذور من المباح فإن الأولى والأحوط أن يخرج نصف الربح، ويبقى نصف الربح له حلالا؛ لأن المال المشتبه بغيره إذا لم يعلم قدره فإن الاحتياط أن يخرج النصف لا يَظَلِم الإنسان ولا يُظلَم".

أسأل الله تعالى أن يرزقني وإياكم الفقه في دينه، وأن يرزقنا جميعا رزقا طيبا حلالا نستغني به عمّا حرم الله عز وجل.

فاتقوا الله أيها المسلمون، واعلموا أنكم لم تخلقوا لكسب الأموال، ولم تخلقوا للمعاملات التي يكون فيها شبهة، وإنما خلقتم لعبادة الله، والدين أغلى ما يكون عند المرء، والدنيا وسيلة له، فلا تجعلوا الوسيلة غاية والغاية وسيلة.

اللهم أغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تجعل لنا نصيبا في الحرام، وحُل بيننا وبينه حتى نلقاك.

بارك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعَني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صوابًا فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفِر الله إنّه كان غفّارًا.

أما بعد: وأما الحكم الشرعي في هذه المساهمة فقد أفتت اللجنة الشرعية لبنك البلاد الذي طرح أسهمه في الأسواق للمساهمة في الفتوى التالية، فنذكرها لكم ـ أيها الإخوة ـ لكي يعلم الناس المتورّعين من الحرام.

أولًا: يجوز الاكتتاب في بنك البلاد؛ لأن البنك يخضع لسياسة شرعية تلزمه بعرض جميع أعماله على الهيئة الشرعية والالتزام بقراراتها ومراقبة تطبيقها من خلال إدارة الرقابة الشرعية، وتنص السياسة الشرعية للبنك على ما يأتي: بتوفيق من الله التزم بنك البلاد على نفسه منذ بداية تأسيسه تطبيق الشرع المطهر في جميع معاملاته. كما يحمل على عاتقه مراعاة مقاصد الشريعة وغايات الاقتصاد الإسلامي. ولتحقيق هذا الهدف السامي التزم في نظامه بوجود هيئة شرعية مستقلة عن جميع إدارات البنك، يعرض عليها البنك جميع أعماله؛ للتأكد من مدى موافقتها لأحكام الشريعة الإسلامية.

ثانيًا: يجوز بيع أسهم البنك وشراؤها وتداولها بعد الإذن بتداول الأسهم في السوق؛ لأنه يملك موجودات ذات قيمة معتبرة شرعًا، ومنها التراخيص الممنوحة للعمل كبنك، ووجود مبنى رئيس للإدارة العامة للبنك، وعدد من الفروع العاملة للبنك بتجهيزاتها يعمل فيها أكثر من ستمائة موظف، فضلًا عن وجود العديد من الأنظمة والأجهزة، إضافة للعلاقات التعاقدية مع مؤسسة النقد العربي السعودي، ومع أكثر من مائة بنك مراسل على مستوى العالم، ولأن التغيرات في قيمة السهم بعد بدء التداول لا ترتبط ارتباطا كليا بالتغير في قيمة الموجودات العينية للشركة أو مطلوباتها، بل يؤثر فيها عوامل أخرى كالعرض والطلب على الأسهم والمؤشر العام والحقوق المعنوية وغير ذلك.

ثالثًا: لا يجوز للمكتتب أن يستعمل اسم شخصٍ آخر في الاكتتاب، سواء أكان ذلك بعوض يدفعه لصاحب الاسم أم بغير عوض؛ لما في ذلك من تجاوز الحد المستحق له نظاما، وتعديه على حق غيره ممن التزم بالنظام، إذ إن مقتضى العدالة أن تتكافأ فرص المساهمين في الحصول على الأسهم، ولا يتحقق ذلك إلا بأن يحدد لكل واحد من المكتتبين سقف أعلى لا يتجاوزه، فالمنع من استخدام الشخص اسم غيره من السياسة الشرعية التي تتفق مع مقاصد الشريعة من جعل المال دولة بين الناس كلهم فقيرهم وغنيهم، لا أن يكون محصورًا بأيدي فئة قليلة. وفضلا عن ذلك فإن هذا التصرف نوع من التدليس، وهو مظنة الخلاف والخصومة بين الأطراف.

رابعًا: يجوز للمكتتب اقتراض قيمة الاكتتاب بقرضٍ حسنٍ يرده للمقرض بمثله بدون زيادة، فإن كان القرض مشروطًا بزيادة يدفعها المقترض للمقرض فهو محرم، سواء أكانت الزيادة المشروطة نسبية أم بمبلغ مقطوع، وسواء سمي ذلك تمويلًا أم تسهيلات بنكيّة أم غير ذلك؛ لأنّه من الربا. وعوضًا عن ذلك يجوز للمكتتب الذي لا يجد ما يكفي من المال الدّخول مع صاحب المال في عقد مشاركة، وما يتحقق من ربح بعد بدء التداول يتقاسمانه بينهما بحسب اتفاقهما. ويشترط أن تكون الحصة المشروطة لكل منهما من الربح شائعة؛ كأن يقول: خذ هذا المال وما كان من ربح فيه فلك 2 بالمائة منه، ولي 8 بالمائة، أما لو حددت حصة الواحد منهما بمبلغ مقطوع فلا يجوز، كما لو قال: خذ هذا المال فاكتتب به ولك ألف ريال من الربح ولي ما زاد على ذلك؛ لأن هذا يؤدي إلى قطع المشاركة في الربح، فقد لا تربح تلك الأسهم إلا المبلغ المذكور أو أقل، أو قد تربح أرباحا كبيرة فيشعر بالغبن.

ولا يخفى أن دخول صاحب المال في عقد مشاركة مع من سيسجل السهم باسمه أقرب إلى تحقيق العدل بينهما من استئثار صاحب المال بكامل الربح، لا سيما أن هذه المشاركة لا يظهر ما يمنع منها نظامًا، فقد نص نظام الشركات على جواز أن يكون السهم مملوكًا بالاشتراك لشخصين فأكثر، على أن يكون مسجلًا باسم شخص واحد في مقابل الشركة.

أقول: وبالنسبة لشراء الأسماء فقد أفتى الشيخ عبد الله المطلق عضو هيئة كبار العلماء بعدم شرعية شراء هويات المواطنين السعوديين لشراء أسهم الاكتتاب في الشركات والبنوك، وقال الشيخ المطلق: إنه لا يجوز أيضا أخذ الهويات من المواطنين دون مقابل لشراء الأسهم؛ لأن الهوية لا يصحّ استخدامها إلا لصاحبها. وأوضح أن شروط الاكتتاب لا تجيز للإنسان أن يكتتب باسم غيره، ويلزم الاكتتاب فتح حساب لرد الفائض فيه، وأن هذا الموضوع قد حصل فيه إشكاليات كثيرة وتجاحد ونزاع وخصومة بين الناس.

يذكر أن ظاهرة شراء الهويات انتشرت خلال اليومين الماضيين وأفرزت سوقا سوداء للحصول على أكبر قدر من الأسهم عند التوزيع النهائي لها، ما يؤدي إلى حرمان صغار المساهمين من الحصول على الحد الأدنى. وارتفعت وتيرة التنافس لشراء أكبر قدر ممكن من الأسماء للدخول بها في مساهمة بنك البلاد المزمع انطلاقها غدا، وبلغ سعر الهوية أعلى معدل وهو ألف ريال. واشترط عدد من الذين طرحوا الشراء عبر لوحات إعلانية في المكاتب والطرقات ورسائل الجوال أن يكون أعداد أفراد الأسرة أكثر من خمسة أشخاص، ويتم بعد الاتفاق تسجيل وكالة شرعية لإنهاء إجراء الاكتتاب. وهذا ـ عباد الله ـ أمرٌ قلَّ من يتفطَّن له من التّجّار والمرابحين؛ لأنَّ المعاملةَ قد تحرُم بسبَب نُقصانها شرطًا من شروطِ صِحّة البيع المعلومة وإن لم تكن على صورة رِبا. فالبركة كلّ البركة في الكسب الحلال، والمحقُ كلّ المحقِ في الكسبِ الحرام.

أيها المسلمون، إن الشريعةَ الإسلامية قد جاءت موافقةً لبقيّة الشرائع السماويّة في حفظ الضرورات الخمس، وهي الدين والنفسُ والعقل والنّسل والمال. فالبيعُ والشّراء والمرابحة كلُّها تندرِج تحت ضرورةِ حِفظ المال، وانطلاقًا مِن حِفظ هذه الضّرورة فإنّ الشارعَ الحكيم لم يدَعِ الفردَ المسلم حرًّا في التصرّف المالي دون ضوابط، لئلاّ يخرج بالمال عن مَقصدِه الذي أُكرِم به بنو آدم من كونِه نِعمة ومنّة إلى كونه نِقمة على صاحبه، ووبالًا يُسأل عنه يومَ القيامة، فقد صحّ عند الترمذيّ وغيره أن النبي قال: (( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ) )وذكر منها: (( وعن مالِه: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ ) ).

وعلينا ـ يا عباد الله ـ أن نبتعد عن طريق اليهود في العمل بالحيل التي لا تحل الحرام أبدًا، والتي انتشرت بين المسلمين في معاملاتهم، واتخذت أشكالًا وصورًا متعددة، وهي محرمة شرعًا مهما تحايل أصحابها المتعاملون بها، قال رسول الله فيما رواه البخاري ومسلم: (( قاتل الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا ثمنها ) )، وفي رواية للجماعة قال رسول الله: (( قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه ) )أي: لما حرمت عليهم شحوم البقر والغنم التي حول المعدة والكليتين احتالوا على التحريم بِجَمْلِهَا على النار في القدور وبيعها وأكل ثمنها، كذلك الحال في احتيالهم على صيد السمك يوم السبت عندما اختبرهم الله وامتحنهم بذلك، فاحتالوا على انتهاك محارم الله بما تعاطوه من الأسباب الظاهرة التي هي في الباطن تعاطي الحرام، قال رسول الله: (( لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ) ).

وهذه الحيل تنطبق على أعداد ليست بالقليلة من المسلمين في التحايل على المعاملات الربوية التي ظاهرها البيع، ولكن حقيقتها هو استحلال الربا بتلك الطرق الملتوية، والتي أخذت أشكالًا وصورًا مختلفة، هدفها صيد الفريسة وإيقاعه في شباك الحيل، أي: صاحب الحاجة الذي أتى للشركات أو المعارض أو المصارف أو الأفراد، والذي يريد الحصول على نقود يحتاجها في زواج أو خلافه، ثم يصطاده أولئك المتربصون به وبأمثاله من الملايين، ولا أقول: العشرات أو المئات أو الألوف وعشراتها ومئاتها؛ لأن غالب الناس اليوم واقعون في تلك الديون المتراكمة عليهم منذ عشرات السنين بسبب حاجتهم الأولى لبعض النقود التي أدت نتيجتها وسلبياتها الحتمية إلى هذه المآزق التي قد لا يتخلص منها كثير من الناس في حياتهم وقبل موتهم، بل تبقى ذممهم مرهونة لتلك الديون التي لم تنفك عنهم طوال حياتهم، وذاقوا مرارة الحياة من استغلال أصحاب الأموال من الأغنياء لحاجات الفقراء والضعفاء وعامة الناس، ومن خلال استدراج المصارف المسماة بالبنوك الربوية وغيرها التي تستدرج الناس بما تنشره من دعايات لتوفير حاجاتهم وإصدار البطاقات التي يغترّ بها كثير منهم، ومن ثم يقعون في الربا خطوة خطوة، وقد أصاب الإفلاس بعض أصحاب مئات الملايين بعد تعاملهم بالربا مع تلك المصارف، فاستمراء الناس للربا وانتشاره وتسمية الأموال التي تأتي عن طريق التعامل به الفوائد والأرباح لا يغيّر من الواقع شيئًا، ولا تحوِّل تلك الأسماء المسميات من الحرام إلى الحلال أبدًا، فهي ربا صريح محرم في دين الإسلام.

فعلينا أن نتقي الله تعالى ونخشى عذابه وبطشه في الدنيا ويوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يتخلى عنا أقرب قريب لنا، ولا يبقى إلا الحسنات والسيئات، وتأتي كل نفس تجادل عن نفسها، وتوفى ما عملت في هذه الحياة الدنيا. وتذكروا دائمًا الآية القرآنية التي جاءت بعد آيات تحريم الربا والتحذير من عواقبه، وقد جاءت آيتان كريمتان بعدها مباشرة، فيهما الحلول الشافية الكافية الكفيلة ـ بإذن الله ـ بما يبعد الناس عن الربا والوقوع فيه، فلنتأمل هذه والتي بدأت بالحث على الإنفاق، ولنربط بين كل الآيات ابتداءً من الآية التي قبل آية الكرسي، ونتأمل ونتدبر كلام ربنا ونعمل به ونطبقه في حياتنا، فذلك خير لنا في الدنيا والآخرة، قال تعالى: وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى? كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [البقرة:281] .

فاتقوا الله في مكاسبكم يا عبادَ الله، وخلِّصوا أنفسَكم قبلَ لقاءِ الله، أسأل اللهَ أن يجعلَنا وإياكم من الصادِقين في القولِ والعمل.

اللهم أبرد لاعج القلب بثلج اليقين، وأطفئ جمر الأرواح بماء الإيمان. اللهم ألق على النفوس المضطربة سكينة، وأثبها فتحا قريبا. يا رب اهد حيارى البصائر إلى نورك، وضلال المناهج إلى صراطك، والزائغين عن السبيل إلى هداك...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت