الإيمان
نواقض الإيمان
عبد الله العلوي الشريفي
فاس
الجامع المحمدي
1-القرآن تولى كشف المنافقين وبين خطورتهم وصفاتهم. 2- صفات المنافقين وأفعالهم. 3- خوف الصالحين وحذرهم من النفاق. 4- عاقبة النفاق في الآخرة.
أما بعد: فيا إخوة الإيمان، قد سبقَ الحديثُ عن المنافقين وخطرِهِمْ، وبَليَّةِ الإسلامِ بهم، ومحنةِ المسلمين معهم، وانخداعِ البعضِ بهم لخفائِهِم، ووعدتُ في هذه الخطبةِ بالحديث عن سِماتِهم وصِفاتِهم التي تُميطُ اللِّثَامَ عن وجوههمُ الكالحة البغيضة، مسترشدًا ومستهديًا بالكتاب والسنة.
فقد ذكر الله عز وجل من صفات المنافقين شيئًا كثيرًا، وكذلك عدَّدَ رسولُ اللهِ بعضَ صفاتِهم، لكي نحذر الوقوعَ فيها، ولنعلم أيضًا المنافقين بصفاتهم، سواء كانت مجتمعة كلّها أو معظمها، ولنحذِّر غيرنا من الوقوع فيها. فهي سببٌ للانحرافِ عن منهجِ اللهِ، والبعدِ عنِ الإسلامِ وتعاليمِهِ من حيث يشعر مرتكبها أو لا يشعر.
فمن أبرز صفاتهم، بغض الرسول ، وازدراؤُهُ، وتَنقُّصُهُ، فالذين عاشوا معه كانوا يؤذونهُ بأفعالهم وأقوالهم.. وأخلافُهُمُ اليوْمَ يُؤَلفُونَ الكتبَ، ويحرِّرون المقالاتِ في جرائدِهمْ، ويعقدون الندواتِ والمحاضراتِ سعيًا في تشويه حياة النبي ودعوتهِ.
ومن صفاتهم، بغضهم لشرائع الإسلام، فتجدهم يتذمرون من الفرائض والأحكام الدينية، ويقيمون الحملاتِ لمحادَّةِ هذه الأحكام والتلاعب بها باسم الإصلاح والمرونة، ويستخرجون الفتاوى الملفقة المصطنعة تحقيقًا لأمانيهم، أو تقربًا إلى سادتهم وأولياء نعمتهم.
ومن صفاتهم، أنهم يأخذون من الدين ما سهل عليهم، أو ما فيه مصلحتهم، ولا يفعلون ذلك لوجه الله بل رياءً للمؤمنين، وإذا أدَّوا شيئًا من العبادات فإنما يستكرهون أنفسهم عليه، ويؤدونه بتكاسل وتثاقل... قال تعالى: وَإِذَا قَامُواْ إِلَى ?لصَّلَو?ةِ قَامُواْ كُسَالَى? يُرَاءونَ ?لنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ?للَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا [النساء:142] .
ومن صفاتهم، أنهم يسعون للإفساد في الأرضِ بتيسير سبل الفساد التي تحطم الأخلاقَ وتقضي على الفضائلِ الإنسانيةِ.. قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ?لارْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ?لْمُفْسِدُونَ وَلَـ?كِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة:11، 12] .
نعم فهم إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض، برَّروا سلوكَهُمُ المنافق المفسد بأنه من الأعمال الإصلاحيةِ، وجعلوا الباطلَ حقًا، والحقَّ باطلًا دونَما حياءٍ... يفتتحون الكازينوهات وعلبَ الليل، ويقولون: نشجعُ الفنَّ... ويُحْيُونَ الشعوذةَ والدَّجلَ، ويقولون: نحيي التراث والثقافة... ويسمون الأشرطة التي تدعو إلى الإسلام وتمسك الناس بدينهم أشرطة التطرُّف، والأشرطة التي تدعو إلى المجون والرذيلةِ وإفسادِ عقولِ وقلوبِ الشبابِ أشرطةَ الفنِّ الرفيع.
ومن صفاتهم، أنهم متكاتفون مع بعضهم، ويعين بعضهم بعضًا على الشر، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، قال تعالى: ?لْمُنَـ?فِقُونَ وَ?لْمُنَـ?فِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِ?لْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ?لْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ ?للَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ هُمُ الْفَـ?سِقُونَ [التوبة:67] .
فهم يشجعون ويحرضون على الزنا، والقمار، والعُريِ... وإذا رأوا إنسانًا سائرًا في طريق الخير سفَّهوه واحتقروه، بل يستغلون كلَّ فرصة للطعن في المتمسكين بتعاليم الإسلام وتشويههم والتحريض عليهم.
ومن صفاتهم، أنهم يتحاكمون إلى الطواغيت الذين يحققون لهم رغباتهم في ظلم الآخرين، ولا يتحاكمون إلى ما أنزل الله وإلى رسوله ، قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى? مَا أَنزَلَ ?للَّهُ وَإِلَى ?لرَّسُولِ رَأَيْتَ ?لْمُنَـ?فِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا [النساء:61] .
فمن أعرض عمدًا عن حكم الله ورسوله كان منافقًا.
ومن صفاتهم، أنهم يوالون الكفار، ويخدمونهم، ويتجسسون لهم ضدَّ المؤمنين، ويعينوهم على المسلمين، قال تعالى: تَرَى? كَثِيرًا مّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ?للَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ?لْعَذَابِ هُمْ خَـ?لِدُونَ [المائدة:80] .
فولاؤهم للكافرين وإن عاشوا بين ظهراني المسلمين، وقلوبهم مع أعداء الدين وإن كانوا بألسنتهم وأجسامهم في المسلمين، يخشون الدوائر فيسارعون للولاء والمودة للكافرين ويسيئون الظن بأمتهم، فيرتمون في أحضان أعدائهم، ويزعمون إبقاءَ أيادٍ عند الكافرين تحسُّبًا لظفرهم بالمسلمين فَتَرَى ?لَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـ?رِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى? أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى ?للَّهُ أَن يَأْتِىَ بِ?لْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى? مَا أَسَرُّواْ فِى أَنفُسِهِمْ نَـ?دِمِين [المائدة:52] .
ومن صفاتهم، أن ظواهرَهُمْ قد تعجب الناظرين، وأن أقوالَهُم ترضي السامعينَ.. قال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـ?مُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ [المنافقون:4] .
فهم يتصنعون الظواهر التي تخدع الأنظار حتى تظن فيهم خيرًا.
كما ترى أحدَهُمْ ـ عند حديثه ـ تسبق يمينُه كلامَه، لعلمه بشكِّ المؤمنين في كلامه وارتيابهم منه. قال تعالى: ?تَّخَذُواْ أَيْمَـ?نَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ?للَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [المنافقون:2] .
ومن صفاتهم أن لهم أكثرَ من وجهٍ، لهم وجهٌ يستعلنون به، وآخرُ يتوارون به ولا يظهرونهُ.
ترى أحدَهُم يسعى إليكَ مُبديًا تودُّدَهُ ومحبَّتهُ، مُظْهِرًا لك أتمَّ استعداده ليكون أخاك الذي لم تلدهُ أمك، ويمدحك بما فيك وما ليس فيك.
وإذا تواريت أو غبت عنه، كادَ لك بلا تورُّعٍ، وقرضَ لحمك بلا حياءٍ، واستطال على عرضكَ بغير حقٍّ، وطعنك من الخلف طعناتِ غدرٍ.
ومن صفاتهم التي قد يتلبَّسُ بها بعض المؤمنين ما ورد في الحديث الصحيح عن النَّبِيِّ قَالَ: (( أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ) )وفي رواية لمسلم: (( وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ) ).
فمتى اجتمعت تلك الخصال الأربع في شخص مَا، ذكرًا كان أو أنثى كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلةٌ من هذه الخصالِ كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يتركَها ويبتعدَ عنها، ويرجعَ إلى إيمانه النقي الصافي الخالصِ من علاماتِ النفاق.
وسياسة التجويع عند المنافقين منهج وطريقة ابتدعوها، وهم يقصدون منها إضعاف انتماء المؤمنين لدينهم، وإبعادهم عن هدي نبيهم، وغاب عنهم أنَّ خزائنَ السماواتِ والأرضِ بيد الله، وذلك من قلة فقههم كما حكى الله عنهم: هُمُ ?لَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَى? مَنْ عِندَ رَسُولِ ?للَّهِ حَتَّى? يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ وَلَـ?كِنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ [المنافقون:7] .
ومن مراتب النفاق الكبرى، أن يجلس جالسهم مجلسًا يَسمع فيه آياتُ اللهِ يُكفر بها ويُستهزأُ بها فيسكتُ ويتغاضى، ملتمسًا لنفسه أعذارًا ومسوغاتٍ من التسامح واللباقة والدهاء والكياسة وسعة الأفق وحرية الرأي، وما درى أن هذه هي الهزيمةُ تدب في أوصاله، وتنحر في فؤاده، وما فرّق بين حرية الفكر وجريمة الكفر وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ?لْكِتَـ?بِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـ?تِ ?للَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى? يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مّثْلُهُمْ إِنَّ ?للَّهَ جَامِعُ ?لْمُنَـ?فِقِينَ وَ?لْكَـ?فِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء:140] .
إخوة الإسلام، هذه بعض صفات القوم، وتلك بعض ملامحهم وأماراتهم، ومن رام المزيد فكتابُ الله حافل بذكر صفاتهم وفضائحهم، وسنة المصطفى وسيرتُه زاخرةٌ بكثير من مواقفهم وعدوانهم وحيلهم.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله الذي أسعد بجواره من أطاعه واتقاه، وقضى بالذل والهوان على من خالف أمره وعصاه، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا إخوة الإيمان، لقد خاف النفاقَ على أنفسهم خيارُ هذه الأمة وصفوتُها من أصحاب رسول الله ، ومن بعدهم من أئمة التابعين، وغيرهم من أئمة الإسلام وأهل الدين والصلاح، حتى قال الإمام الحسن البصري رحمه الله:"ما خاف النفاق على نفسه إلا مؤمن، ولا أمنه على نفسه إلا منافق".
وسأل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب حذيفةَ بنَ اليمان صاحبُ سرِّ رسولِ الله وقال له:"ناشدتك الله: هل عدَّني لك رسول الله في المنافقين فقال: لا، ولا أزكي أحدا بعدك". وروى البخاريُ في صحيحه:"قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ".
فإذا كان هؤلاء المتقون الأبرار، والصفوة الأخيار من هذه الأمة يخشون النفاق على أنفسهم، فإننا أولى بأن نحذر منه، وأن نخشاه على أنفسنا.
أيها الإخوة، ولفظاعة هذا الجرم وشدة أثره على أهل الدين والدنيا، فقد لعن الله أصحابه وذمَّهم، وبالعذاب المقيم توعَّدهم، وفي الدرك الأسفل من النار حشرَهم وَعَدَ الله الْمُنَـ?فِقِينَ وَ?لْمُنَـ?فِقَاتِ وَ?لْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَـ?لِدِينَ فِيهَا هِىَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ ?للَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ [التوبة:68] . وقال تعالى: إِنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ فِى ?لدَّرْكِ ?لاْسْفَلِ مِنَ ?لنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:145] .
ولكن الله البر الرحيم ذا الفضل العظيم شرع الباب مفتوحًا لمن رجع وأناب مهما كانت شناعة الفعل، ومهما كان كبر الذنب إذا أصلح عمله، واعتصم بربه، وأخلص لله دينه إِلاَّ ?لَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَ?عْتَصَمُواْ بِ?للَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ ?لْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ?للَّهُ ?لْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:146] .
هذا وصلوا وسلموا على محمد سيد الأولين والآخرين، وأفضل الخلق أجمعين، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.