فهرس الكتاب

الصفحة 5157 من 5777

كره الحق سبب صارف عن قبوله

العلم والدعوة والجهاد

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, قضايا دعوية

صالح بن عبد الله الهذلول

غير محدد

غير محدد

1-موافقة الفطر السليمة لما جاء به النبي. 2- طبيعة المكذبين والمنافقين واحدة في اتهامهم للأنبياء والمصلحين. 3- كراهية الحق وبغض أهله من أبرز صفات المنافقين في كل عصر ومصر. 4- حال النبي مع اتهامات كفار قريش. 5- الوصية بالصبر على الأذى. 6- ثمار التمرد على الشرائع ومحاربة الفضيلة. 7- لمحة لما يجري في فلسطين وواجبنا تجاه ذلك.

أما بعد: فإن ما جاء به محمد لا يملك من يتدبره أن يظلّ معرضًا عنه؛ لأن فيه من الجمال والكمال وفيه من التناسق والجاذبية وفيه من موافقة الفطرة وغذاء القلب وزاد الفكر وفيه من قويم المناهج ومحكم التشريع ما يستجيش كل عناصر الفطرة ويغذيها ويلبيها.

وإنما شبهة من أعرض عنه إنما هي كراهية أكثرهم للحق، ومرض قلوبهم التي لا تستروح إلا النتن من الأفكار والأنظمة، قال الله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [المؤمنون: 70] ، والمعنى: أنه ليس بمجنون بل هو رسولٌ كريم، جاء بالحق الواضح المؤيد بالمعجزات، الذي يعرف كل عاقل أنه حق، ولكن عاندتم وكفرتم لشدة كراهيتكم للحق. ونفْيُ الجنون عنه تأكّد في مواضع أخرى: في قوله تعالى: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير: 22] ، وفي قوله: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم: 2] .

ومحاولة صرف الناس عن الأنبياء باتهامهم بالجنون لم يكن محمدٌ أولَ من اتهم بذلك، بل سبقه إخوانه من الأنبياء، فقال قوم نوح عنه: إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ [المؤمنون: 25] ، بل بينّ الله تعالى أنه لم يرسل رسولًا إلا قال قومه: إنه ساحر أو مجنون، كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الذاريات: 52، 53] ، فهي جبلة واحدة وطبيعة واحدة للمكذبين على مرّ الدهور وكرّ العصور، طبيعة واحدة في استقبالهم للحق وأهله، فمشابهة بعضهم لبعض في الطغيان هو الذي جمعهم، وكأنهم تواصوا بهذا الاستقبال على مدار القرون، ويؤكد هذا المعنى أيضًا ما جاء في سورة البقرة في قوله تعالى: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة: 118] ، فتشابه مقالات الكفار لرسلهم جاء من تشابه قلوبهم في الكفر والطغيان وكراهيةِ الحق، لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف: 78] ، وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ [الحج: 72] ، وذلك نتيجة شدة كراهيتهم للحق.

معاشر المسلمين، إنّ كراهيةٍَ الحق وبغضَ أهله والتنفير منهم والسعي في إلصاق التهم بهم عبر وسائل الإعلام كافة ودون حياء ولا خجل أمرٌ ليس جديدًا، بل هو عقيدة الكافرين والمنافقين ومن في قلوبهم مرض، لكن الذي يتعين على المسلم أن لا يهوله الأمر أو يُقعده ويسلِمه، وأن لا يحفل بالمعاندين وعنادهم، ولا يترددَ أو يشكَ بصحة ما هو عليه، بل يثبتُ ويوقنُ ويصبر ويصابر، ويمضي في التذكير والدعوة مهما أعرض المعرضون وكذّب المكذبون، فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: 55] ، وما أكثرهم ولله الحمد والمنة، وهم في ازدياد.

وشراسة الحملة الصليبية على المسلمين الآن وما يحشد لها من حشود على كافة الأصعدة العسكرية منها والسياسية والتعليمية والإعلامية تعكس قوة تنامي الإسلام وانتشارِه، فهو وإن كان على الأصعدة الرسمية عالميًا يتراجع وينحسر ويتنازل أهله، إلا أنه يسري ويتوسع ويتنامى في صفوف شعوب العالم قاطبة، فاصبر أيها المؤمن، وثق بما أنت عليه من الحق.

ويا أيها الداعية، واصل مسيرك في الإصلاح، واعلم أيضًا أن الهدى والضلال خارجان عن وظيفة الدعوة، فوظيفتك الدعوة، أما الهدى والضلال فأمرهما إلى الله ليس إليك، فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [الغاشية: 21، 22] .

أيها المؤمنون، إن السخرية والاستهزاء مؤذيان أشد الإيذاء للنفس البشرية، ولو كانت هي نفس رسول، ويزيد ذلك إيلامًا إذا كان المستهدف ضعيفًا.

وإن الإنسان ليأخذه العجب أن يبلغ الغيظ بالناس إلى الحد الذي يدفع مشركي قريش إلى أن يقولوا عن محمد: إنه مجنون وكذاب وإنما يُعلّمه بشر، ويقولون عنه: ساحر وكاهن وشاعر، ويصبّون عليه ألوان الشتائم الغليظة، يقولون هذا عنه مع أنهم أعرف الناس برجاحة عقله حتى حكَّموه بينهم في رفع الحجر الأسود قبل النبوة بأعوام، وهم الذين لقبوه بالأمين، وظلّوا يستودعونه أماناتهم حتى يوم هجرته، ولم يعرفوا أن يسجلوا عليه كِذبةً واحدة قبل البعثة، فكيف يكذب على الله تعالى؟!

ولشدة أثر هذه الاتهامات على نفس الرسول وعلى المؤمنين به ثبّت الله نبيه والمؤمنين به إلى يوم القيامة بقسم أقسم به سبحانه في كتابه الكريم بقوله: وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم: 1، 2] ، فلا تعجب ـ أيها المؤمن ـ حين تسمع الاتهامات في هذا العصر موجهةً إلى المصلحين والدعاة والعلماء عبر وسائل الإعلام واصفةً إياهم أنهم متخلفون ورجعيّون وظلاميون وإرهابيون ومزعزعو أمن وتجّار مخدّرات وسفَكَة دماء ولا يعرفون فن السياسية والحوار، وربما اتهموا أيضًا في أعراضهم، في الوقت الذي يعلم العدو قبل الصديق أن المسلم الداعية أبعد النّاس عن كل تلك الاتهامات وأمثالها، لكن العجب يزول حينما نعلم أن محمدًا وإخوانه من الأنبياء لقوا ذلك وذاقوه، وحين اشتد أثر تلك الاتهامات على نفسه سلاَّه ربه وواساه، وأثنى عليه بقوله: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ، وهذه الآية نزلت في مكة والنبي ملاحق مطارد لا يملك من الوسائل المادية شيئًا يدفع بها تلك التهم، فجاءت هذه الشهادة له من ربه لتكسر كل قلم تعوَّد على تسطير السب والشتائم والتهم له ، فيا عجبًا منه كيف ظلت نفسه متوازنة ومتماسكة تحت ضغط ذلك المدح الذي جاءها من الله سبحانه العليِّ الكبير وسُطِّرت بشأنها آيات تتلى إلى يوم القيامة! ويا عجبًا منه حين لا يتكبر ولا يتعالى على الخلق ولا ينتفخ أو يتعاظم وقد سمع ما سمع من الثناء! لكنّ الله أعلم حيث يجعل رسالته.

وبعد هذا الثناء الكريم على عبده يطمئنه إلى غده مع أعداء الدعوة الذين رموه بذلك البهت اللئيم، ويهددهم بافتضاح أمرهم وانكشاف بطلانهم وضلالهم المبين بقوله سبحانه: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّيكُمْ الْمَفْتُونُ [القلم: 5، 6] ، وهو وعدٌ من الله تعالى بالطمأنينة لرسوله والمؤمنين به، ووعيد وتهديد للمناوئين المفترين عليه، يبعث في قلوبهم التوجس والقلق لما سيجيء.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [القلم: 44، 45] .

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة رسوله، أقول قولي هذا...

الحمد لله على إحسانه وجزيل نعمه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في أسمائه وصفاته وفي ألوهيته وربوبيته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى جنته ورضوانه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه.

أما بعد: فيا أيها المؤمن الواثق المطمئن، قل للشامتين بالمؤمنين، وقل للمنافقين أيًا كان شكل نفاقهم، وقل للكافرين أيًا كانوا: مهلًا، فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، ومن يكون المفتون، وسيعلم الكفار لمن تكون له عاقبة الدار.

لقد كان من مقتضيات حقيقةِ أن الله خلق الخلق وعلّمهم ورزقهم وأكرمهم أن يعرفوا نعمة ربهم ويشكروه عليها، خاصة أنهم راجعون إليه، ومحاسِبهم عليها، غير أن الأشقياء من بني آدم يطغون ويفجرون ويتكبرون ويبغون في الأرض، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ [البقرة: 205] . يفسد ابن آدم حين ينحي شرع الله عن الحكم، وحين يظلم الضعفاء، إنه يفسد حين يسعى بنهمٍ وحرصٍ إلى التمرّد ونزع الحياء وفوضوية الجنس، ويظن أن هذا سينفعه ويجلب له السعادة والراحة وطمأنينة البال والأمن، يسعى إلى ذلك، ويظل يسعى وهو يعلم أن البشرية جرّبت تلك الفوضى فخسِرت، ويعلم أنَّ كلّ من بنى حضارته على العهر وخلع الحياء فمآله إلى الضعف والانهيار، ثم يوم القيامة يُدعى إلى النار، فَلْيَدْعُ نَادِيَه [العلق: 17] ، وليستفزع حينها بصحبه وحزبه ليرى أنهم سبقوه إلى جهنم، فماذا كسب؟! وماذا نفعه كدُّه وحرصه؟!

أيها المسلمون، فجرَ هذا اليوم، بل من الأمس واليهود في فلسطين يحشدون حشودهم على المدن الفلسطينية بما لم يسبق له مثيل، وألغوا الإجازات الرسمية لجميع العسكريين، واستدعوا قوات الاحتياط، وأعلنوا أن العملية العسكرية هذه ستطال المدن الفلسطينية كلها، وتطول مدتها، ولذلك ألغوا إجازة عيد الفصح الذي يبدأ بعد أسبوعين رغم قداسته عندهم؛ مما يؤكد عزمهم على دموية هذه الحملة، ومع أن الإخوة الفلسطينيين يقومون بجهود مشكورة في مقاومة العدو والتصدي له وعدم الاستسلام ويوقعون فيه إصابات بالغة الأثر إلا أن ذلك لا يسقط واجب المسلمين نحوهم بكافة أنواع الدعم، ثبت الله أقدام المجاهدين في سبيله وأعلى كلمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت