العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة
المسلمون في العالم, جرائم وحوادث
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-لمحات عن أحوال أهل العراق. 2- واجبنا تجاه أهل العراق: التوبة، التوكل على الله، الدعاء، الإكثار من العبادة، إبراز المفاهيم العقدية المتعلقة بالحدث، التحذير من معاونة الكافرين، الحض على مساعدتهم، الإعداد للجهاد، التوعية بخطورة هذه الحرب على الأمة، تفويت الفرصة على العلمانيين، رفع الروح المعنوية، بيان جوانب النصر، بيان حقيقة أمريكا وحلفائها، محاربة الكفار المحاربين بكل الطرق المتاحة، عدم الثقة في الأخبار التي ينقلها الكفار، بيان أن تسلط الكافرين نوع من الأذى.
أما بعد: أيها المسلمون، وما يزال الغزو الصليبي الأمريكي مستمرًّا على بلاد العراق، ويعيش إخواننا هناك أوضاعًا لا يعلمها إلا الله.
بكل أسى وحرقة نسمع ونبصر جرائم أمريكا وحلفائها في أرض العراق، من قتلٍ لأنفس بريئة، وإراقةٍ لدماء معصومة، وتدميرٍ لمساكن حصينة، وتشريدٍ للنساء والولدان، وتجويعٍ لأطفال رضّع، وبثِّ روح الأحزان والأسى على الثكلى والأرامل والمستضعفين، وجلب الخوف والقلق على الآمنين، ونهب لأموال محرّمة، وغصب لثروات ممتلكة، وبذل كل الجهود والطاقات في فرض القوة على شعب العراق وبقية الشعوب العربية والإسلامية، وتعبيد العالمين كلهم لبني الأصفر وعُبّاد الصليب، ووضعهم تحت سيطرتها وهيمنتها وسيادتها.
وكل يوم بل كل ساعة تُمطِر على العراق حمم القذائف والنار من الطائرات والصواريخ والدبابات والمدافع في أبشع صور الوحشية والطغيان واللاإنسانية من قبل رأس الكفر العالمي أمريكا، راعية الشر والوحشية، ومحترفة القتل والعنف.
فماذا يمكننا أن نفعل لإخواننا المسلمين هناك؟! وما الواجب علينا تجاه هذه المحنة؟! الواجب علينا أشياء كثيرة، وبوسعنا أن نفعل أمورًا كثيرة، من ذلك:
أولًا: التوبة إلى الله، فهذه الحرب بسبب ذنوبنا، فما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] . فيجب التوبة من الذنوب الفردية والذنوب الجماعية. أما الذنوب الفردية فيرتكبها صاحبها مستترًا، وقد يتوب إلى الله فيتوب الله عليه، ويردف السيئة بالحسنات، فينسى الناس ما كان بدر منه، ومَن تَابَ وعَمِلَ صَالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلَى اللَّهِ مَتَابًا [الفرقان:71] ، هذا النوع من المعاصي خَطْبه سهل مقارنة بالنوع الثاني وهو المعصية الجماعية، فإن لها شأنًا آخر، فهي من حيث التطبيق ينتظم فيها عدد كثير يتواطؤون على فعلها، ولا يزال هذا العدد يكبر ويكبر حتى يشمل المجتمع كله.
إن أثر المعصية الجماعية مدمّر ومخيف؛ لاتساع المساحة التي يظهر فيها شؤم هذا الأثر، فهي تُعرّض المجتمع الذي فشت فيه بأسره لغضب الله وانتقامه، وتجعله فاقد المناعة، يهوي ويندثر عند تعرّضه لأدنى هزّة.
لقد قصّ الله عز وجل علينا في القرآن الكريم خبر كثير من الأمم التي أهلكها بسبب المعاصي الجماعية، مثل قوم عاد: وتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [هود:59] ، ومثل قوم لوط: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ومَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:82، 83] ، ومثل قوم شعيب: ولَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وأَخَذَتِ الَذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ [هود:94، 95] .
وصور وألوان الذنوب الجماعية التي وقعت بها الأمة كثيرة لا عد لها ولا حصر، من رِبًا ومجون وفسق وشرك وبدع وحكم بغير ما أنزل الله وموالاة لأعداء الله وتقصير في تبليغ دعوة الله وإحجام عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتبعية الثقافية والفكرية للغرب، ومن الذنوب الجماعية القعود عن تحصيل العلوم التي توصلنا للتقنية وصناعة الأسلحة. انظر لإسرائيل مثلًا، إسرائيل تعتبر من الدول الحديثة، ومع ذلك فهي تملك 200 رأس نووي، وتملك خبرة معلوماتية هائلة، ربما لا تنافسها إلاّ الولايات المتحدة، لكنها عملت بجدّ وتحدّ ومعاناة طويلة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه.
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ ولَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ أَفَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وهُمْ نَائِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُونَ [الأعراف:96-99] . فالأمة التي تعود إلى طريق الرشاد وتصْدقُ في التوبة والإنابة إلى رب العباد يفتح الله لها، ويرفع من شأنها، ويعيدها إلى عزتها ومجدها، وينقذها من وهدتها التي انحدرت إليها، وينجّيها من الخطوب التي تحيط بها نتيجة الذنوب التي ارتكبتها والمنكرات التي أشاعتها.
وإذا أردت مثالًا على توبة الأمة من القرآن الكريم فتأمل في قول الله تعالى: فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إيمَانُهَا إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ومَتَّعْنَاهُمْ إلَى حِينٍ [يونس:98] . هؤلاء القوم الذين ذُكِروا في هذه الآية هم قوم يونس عليه السلام، وقريتهم هي نينوى التي تقع شرقي مدينة الموصل في شمالي العراق. ومعنى الآية ـ كما قال المفسرون ـ أن قوم يونس عليه السلام لما أظلّهم العذاب وظنوا أنه قد دنا منهم وأنهم قد فقدوا يونس عليه السلام قذف الله في قلوبهم التوبة، وفرَّقوا بين كل أنثى وولدها، وعَجُّوا إلى الله أربعين ليلة، ورفعوا أصواتهم بالتلبية والدعاء، فلما علم الله منهم صدق التوبة كشف عنهم العذاب، وقال: ومَتَّعْنَاهُمْ إلَى حِين [يونس:98] أي: لم نعاجلهم بالعقوبة.
فما أحوج أمتنا اليوم إلى أن ترجع إلى الله منيبة تائبة من جميع الذنوب، خصوصًا الذنوب الجماعية، وفي مقدمتها البعد عن الدين وترك التحاكم إلى ما أنزل الله وموالاة أعداء الله وترك الجهاد في سبيل الله، ليرضى الله عنها، ويرفع عنها هذا البلاء الأمريكي الذي نزل بها.
ثانيًا: التوكل على الله والركون إليه والاعتماد عليه، ومن ذلك الدعاء ليزيح الله هذه الغُمّة عن الناس، وأن نستمر في الدعاء مع الإلحاح على الله، مع فتح أبواب التفاؤل وحسن الظن بالله واليقين بنصر الله لدينه وعباده، ومقاومة أسباب الإحباط والخوف، قال الله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] ، وقال تعالى: فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي [البقرة:186] . ومهما كانت تقديرات البشر فهي في النهاية مربوطة بقدر الله سبحانه، وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30] ، ولذلك يجب الإكثار من الدعاء هذه الأيام، والتوكل على الله وحده، واللجوء الصادق إليه.
ومن الدعاء في هذه المحنة القنوت في الصلوات، وخاصة صلاتي الفجر والمغرب، فينبغي لأئمة المساجد والجوامع القنوت وعدم التوقف، فإن هذا الحدث من النوازل بالأمة التي ينبغي فيها القنوت والمواصلة حتى يكشف الله الغُمّة عن البلاد والعباد، وينبغي الاقتصار في الدعاء على النازلة، وقنوت النوازل ليس له صيغة معينة، فيدعو الإمام بما يناسب الحال، والقنوت يكون في الصلوات الخمس في صلاة الجماعة، أما القنوت في صلاة الجمعة والنوافل وللمنفرد فلم يثبت بذلك حديث أو أثر صريح، والصحيح أيضًا أنه لا يشترط إذن جهة معينة للقنوت، نص على هذا الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى.
الدعاء ـ معاشر الأحبة ـ له أثر عظيم، وأحيانًا لجهلنا ببعض الأمور المتعلقة بالدعاء وعدم رؤيتنا النتائج القريبة قد يترك بعضنا ذلك. فمثلًا: ما يدريكم بأن القنابل والصواريخ التي صبّها العدو الأمريكي على مسلمي العراق كانت ستحدث أضرارًا أعظم من هذا، ولكن الله جل وتعالى خفّف ودفع مكروهًا أعظم عن مسلمي العراق بسبب دعاء الصالحين من أمثالكم؟!
جانب آخر: من المعروف دقة التقنية لدى الغرب عمومًا ولدى القوات المعتدية على العراق خصوصًا، فبماذا نفسر بعض الذي حدث من مثل تصادم بعض طائراتهم وسقوطها وموت طاقمها؟! وبماذا نفسر قصف بعض طائراتهم لمواقعهم العسكرية؟! وبماذا نفسر دهس بعضهم بعضًا بالدبابات والشاحنات؟! وبماذا نفسر غرق بعض قوات المارينز البحرية؟! وبماذا نفسر سقوط بعض طائراتهم الحربية من البوارج في بحر الخليج؟! وكل هذا قد نشروه هم وتناقلته وكالات أنبائهم، وعدد من الأخطاء الفادحة والغريبة، أما هم فتحليلاتهم تقول: كل هذا حصل خطأً! وأما نحن فنقول: لماذا لا يكون كل هذا بسبب دعاء بعض المسلمين الصادقين المخلصين ممن إذا أقسم على الله أبره الله؟!
ثالثًا: الإكثار من العبادة، صح عن رسول الله أنه قال: (( العبادة في الهَرْج كهجرة إليّ ) )، والهَرْج هو القتل؛ لأن معظم الناس في حال الفتن والحروب والمصائب ينشغلون بها، وربما انشغلوا بأنفسهم وأولادهم، والقليل هم الذين يعلمون بأن من الأمور المعينة على تجاوز المحن والمصائب هو الإكثار من العبادة، بل إن أجر العبادة في الهَرْج بأجر الهجرة إلى النبي.
فأكثروا ـ رحمني الله وإياكم ـ في هذه الأيام من الصلاة والصيام والصدقة والدعاء والاستغفار وصلة الرحم والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتركيز على عبادات القلوب من الإخلاص والتوكل والإنابة والخشوع والخضوع لله رب العالمين ومجاهدة النفس في إصلاحها وغيرها من العبادات، لعل الله أن يرحم ضعفنا، ويزيل هذه الكربة عنا وعن المسلمين.
رابعًا: إبراز المفاهيم الإسلامية والأصول العقدية والشرعية المتعلقة بهذا الحدث، من مثل مفهوم الولاء والبراء وأن عداوة الكفار للمسلمين سنة ماضية بيّنها الله تعالى في كتابه، قال عز وجل: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217] ، وقد اقتضت حكمة الله عز وجل أن يبتلي عباده المؤمنين بالكافرين والكافرين بالمؤمنين؛ لينظر من يطيعه سبحانه ويجاهد في سبيله، ومن ينكص على عقبيه ويتولى الكافرين ويتبع غير سبيل المؤمنين، قال الله تعالى: ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد:4] ، وقال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31] ، ولذلك فنحن لا نستغرب ما يخطط له الكفار من القضاء على الإسلام، فهذا هو الأصل عندهم، وإن كان ذلك مستحيلًا، فدين الإسلام باق محفوظ إلى قيام الساعة، ولا يجادل في عداوة الكفار للمسلمين وكيدهم لهم ومكرهم بهم من له بصيرة بما أنزل الله على رسوله وبصيرة بالتاريخ والواقع.
خامسًا: تحذير المسلمين عمومًا وفي العراق خصوصًا من تقديم أي عون مادي أو معنوي أو أي نوع من أنواع التسهيلات لأمريكا ودول التحالف معها في عدوانها الغاشم على العراق، فإن ذلك من الظلم العظيم والبغي البيّن، وعلى الباغي تدور الدوائر، وقد نص العلماء على أن إعانة غير المسلمين في حربهم على المسلمين يحرم بالإجماع القطعي؛ لقوله تعالى في شأن مناصرة غير المسلمين: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51] ، قال الإمام ابن حزم رحمه الله:"هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين"، واحتج الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره بهذه الآية على ردّة من أعانهم، وقد عدّها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من نواقض الإسلام، ونقل الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله الإجماع على ذلك فقال في فتاواه:"أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من أنواع المساعدة فهو كافر مثلهم"، واحتج رحمه الله بهذه الآية: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51] .
فلا يجوز لأي مسلم فردًا كان أو نظامًا أن يقف مع الصليبيين ضد إخوانه في العراق، فإن هذا ردّة عن دين الله، وليس هناك عذر يبرّر للمسلم أن يفعل ذلك، حتى لو أُكره لم يجز له أن يفتدي نفسه بقتل إخوانه. ويدخل في ذلك أيضًا العقود التجارية التي أبرمها عدد من التجار والشركات مع القوات الغازية المعتدية من تأمين المواد الغذائية وغيرها مما هم في حاجة له. ولا يُعرف في تاريخ المسلمين كله ولا في علمائهم من أفتى بجواز إعانتهم على المسلمين، وليس لبعض الذين جوّزوا معاونة الأمريكان في هذه الحرب سلف، اللهم إلا ما كان عن نصير الطوسي الذي شجع التتار على دخول بغداد سنة 656هـ بدعوى رفع الظلم عن أهلها، فقَتل التتار مليوني مسلم.
وهؤلاء الذين استحسنوا ضرب العراق من المسلمين بحجة أن نظامها حكم بعثي كافر، فنحن لا نخالفهم في أن حزب البعث حزب كافر، لا شك أن النظام العراقي نظام بعثي فاجر، وقد كان طيلة وجوده في الحكم حربًا على الإسلام وأهله، وقتل العديد من الدعاة إلى الله تعالى، وحارب الكثير من الأنشطة والأعمال الدعوية، ومن آخر جرائمه ما فعله في حَلَبْجَه، حيث قتل الآلاف من المسلمين بالأسلحة الكيماوية، وقاد بلاده للحصار سنوات عدة، وكانت أعماله سببًا للوجود الغربي في المنطقة. ورغم ما فعله هذا النظام فهذا لا يُسوّغ الوجود الغربي في المنطقة، والخطأ لا يُعالج بخطأ، فالشعب العراقي شعب مسلم، ولا يتحمّل جرائم نظامه الفاجر، ومن واجبنا أن نقف مع هذا الشعب في حصاره قبل هذا الحدث، وقد قصّرنا كثيرًا في ذلك، ويتأكد وقوفنا معه الآن في هذه المحنة، ويجب أن نفرّق بين النظام وبين الشعب، والقول بأن العدوان هو على الحزب لا على العراق وشعبه تضليل واضح؛ إذ لا يمكن فك الارتباط بين الشعب والدولة والنظام، لا واقعيًا ولا سياسيًا ولا قانونيًا، فأي عدوان خارجي على حكومة دولة ما هو عدوان بالضرورة على شعبه وأرضه، وهذا ما لا خلاف فيه بين دول العالم، ولهذا لا يفرق ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي في حكم العدوان الخارجي على الدول بين العدوان على الأنظمة والعدوان على الشعوب والأوطان لاستحالة الفصل واقعيًا؛ إذ الحرب لا تقتصر عند وقوعها على النظام فقط، بل تشمل الأرض والشعب، ويقع الضرر والدمار عليهما قبل أن يقع على النظام، فمن أجاز الاعتداء الأمريكي على العراق بحجة أن نظامها نظام بعثي فقد أجاز ضرورةً الاعتداء على الشعب العراقي المسلم الذي سيضطر أن يدافع عن أرضه ونفسه وماله وعرضه وإن لم يدافع عن النظام، كما أنه لن يكون في مأمن من القصف والتدمير حتى وإن لم يقاتل. ونحن نتمنى زوال الحكم البعثي في العراق، لكن ليس بأيدي الأمريكان النجسة، بل نتمنى زواله بأيدي المسلمين المتوضئة.
سادسًا: حضّ الناس وحثّهم على مساعدة ودعم المسلمين في العراق، وإغاثتهم من خلال المؤسسات الخيرية والإغاثية والقنوات الرسمية وغير الرسمية والشعبية؛ لتخفيف محنتهم وأداء الواجب نحوهم، فلو كان ما يتعرض له المسلمون في فلسطين والشيشان والعراق وغيرهم يتعرض له قطيع من البهائم لما جاز السكوت عليه، فكيف وهم أناس ومسلمون؟! فيجب على المسلمين أن يقفوا مع إخوانهم أهل السنة في العراق، ويمدّوا لهم يد العون والإغاثة بالغذاء والدواء وغير ذلك، ويناصروهم في ردّ العدوان الصليبي الآثم.
سابعًا: إعداد الأمة عقليًا وفكريًا وعسكريًا وإحياء معاني الجهاد والرجولة والشجاعة والبطولة في نفوس الأمة وتربيتها على ذلك، فالجهاد ماض في الأمة إلى يوم القيامة كما أخبر النبي بذلك، فهو سياحة الأمة ودرعها الذي تواجه به عدوها، وما ذلت الأمة إلاّ يوم أن تخلّت عن الجهاد، وأصبح شبابها غزلانًا وحملانًا جَفُولةً وديعة، بعد أن كانوا أسودًا ضارية وصقورًا حامية. ويجب استلهام السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي في ذلك، فلا مكان للبطّالين والمخذّلين خصوصًا في الأزمات. إن عدد المسلمين الآن يزيد على المليار مسلم، ولو استطعنا توظيف 5 في المائة فقط لكان هذا عددًا ضخمًا يمكن أن نصنع من خلاله الشيء الكثير.
ثامنًا: دور العلماء والدعاة والخطباء وأئمة المساجد وطلبة العلم في التوعية بخطورة هذه الحرب على مستقبل الأمة في مختلف جوانب حياتها الدينية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، من خلال الكلمات والدروس والمحاضرات والخطب، وكيف يمكن مقاومة هذه المخاطر وسبل مواجهتها وتحريك الشعوب ليكون لها دور في مقاومة هذا العدوان. ويحسُن إخراج مطويات ونشرات صغيرة مخصوصة لهذا الحدث، تُوصّل من خلالها الفتاوى والبيانات والمعاني الشرعية الصحيحة للناس.
تاسعًا: عدم ترك الفرصة للعلمانيين للتحدث باسم الأمة والنيل من دينها وتاريخها وثوابتها، وبيان أن كل ما أصاب الأمة بسبب النظام القائم في العراق إنما هو إحدى الثمار المرّة للفكر العلماني، وقد سبقها الكثير وما هزائم (48) و (67) أمام اليهود، وما جنته الأمة في ظل المد الناصري العلماني إلا ثمار أخرى، وستبقى أمتنا تعيش هذه المآسي ما دام هذا الفكر العقيم الغريب يعشِّش في واقعها وينخر في جسدها.
عاشرًا: رفع الروح المعنوية للأمة، وبيان معنى النصر وحقيقته الشرعية، والتحذير من الهزيمة النفسية والمعنوية، والحذر من ترويج الشائعات ومن محاولات عرض أحكام الشريعة عرضًا اعتذاريًا منهزمًا، ومكافحة محاولات البعض للتنازل والمداهنة باسم المصلحة أو الضرورة أو الحالة الراهنة، وبيان أن النصر الحقيقي هو في الثبات على الدين خاصة أوقات الفتن والمحن، والحذر من الوقوع فريسة للحرب الإعلامية والنفسية الضخمة التي تدور رحاها هذه الأيام، والحذر من المواقف الرخوة التي تزيد من وهن الأمة وضعفها.
الحادي عشر: بيان جوانب النصر في هذه الأمة، والتي تتحقق على أرض الواقع والتقدم الذي يحرزه الإسلام وأهله في ميادين شتى، جهاديًا كالشيشان وأفغانستان وفلسطين، وشعبيًا كهذه الصحوة المستمرة والمتنامية اليوم في كل مكان والحمد لله، والإقبال على الإسلام في أمريكا وأوربا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر رغم الهجمة الشرسة، ورضوخ العالم إلى الاعتراف بالأمر الواقع الذي تجاهلوه طيلة قرون، وتعاملهم مع هذا الدين كواقع عالمي حتمي. فتصريحات فرعون أمريكا عن الإسلام ومدحه في كل مناسبة وإن كانت تأتي في سياق مَكْرِه بالمسلمين وحملته على الإرهاب إلا أنها تدل على ما نحن بصدده.
اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب، اللهم اهزم أمريكا ودمرها، وأبعد شرها عنا يا رب العالمين.
أما بعد: أيها المسلمون، ومن واجبنا تجاه العراق أيضًا:
الثاني عشر: بيان حقيقة الولايات المتحدة الأمريكية خصوصًا والغرب عمومًا، وأن جزءًا من هيبتها إنما هو وَهْمٌ صنعه الإعلام، وصنعه الآخرون المنهزمون، وصنعه بعض الدعاة والسياسيين، وبيان أن أمريكا لا تملك أن تصنع شيئًا في العالم الإسلامي دون تعاون دوله معها كما حصل في حرب أفغانستان، وكما يتوقّع في حرب العراق، ونسأل الله أن لا يكون، وأن قوة أمريكا هو في قدرتها على تفريق الآخرين والتفرد بهم واحدًا واحدًا كما يحصل الآن، وأنه يمكن تحييد ترسانة أسلحتها الضخمة من خلال حروب الاستنزاف الطويلة كما في أفغانستان، ومن خلال العمليات الاستشهادية كما في فلسطين، وأن السياسة الأمريكية واجهت فشلًا وهزائم عديدة في عصرها الحديث منذ الحرب الأهلية الأمريكية عام 1861م إلى حرب أفغانستان عام 2001م مرورًا بحرب فيتنام في السبعينات ثم لبنان فالصومال وهجمات الحادي عشر من سبتمبر التي حطمت جانبًا من الأسطورة الأمنية الأمريكية، والحذر من أن نصنع الوهم بأنفسنا لعدونا بتقليل انتصاراتنا وتقليل هزائمه أو تضخيم واقعه.
الثالث عشر: إبراز طبيعة الغرب الصليبي، وأنه مهما تحالف معه المسلمون وقدّموا له التنازلات فلن يرضى عنهم، كما قال الله تعالى: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] ، وقال عز وجل: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:118] ، وشواهد التاريخ على ذلك كثيرة.
الرابع عشر: كشف حقيقة الدعاوى الأمريكية بالتحضر والإنسانية ببيان ممارساتهم العنصرية ضد الآخرين، خاصة الجاليات والمؤسسات الإسلامية داخل أمريكا، وانتهاكهم لحقوق الأسرى في جوانتانامو، وبيان أن قيم الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية هي قيم عنصرية يمارسونها مع شعوبهم الأصليين وداخل أوطانهم، فمعاييرهم مزدوجة، ومكاييلهم مطفّفة، فمعسكر الأسرى في كوبا أقيم هناك للخروج من طائلة القانون الأمريكي الداخلي، وإقامة مركز للتحقيق في الأردن لمن تعتقلهم أو تختطفهم أمريكا لتمارس أساليب في التحقيق لا يسمح بها القانون الأمريكي، ويتعارض مع قيم حقوق الإنسان.
الخامس عشر: إيصال كل أذى ممكن للأعداء المحاربين من المقاطعة التجارية لبضائعهم، والردّ عليهم باللسان والقلم لإخزائهم وإغاظتهم وبيان كفرهم وشركهم وإيذائهم لله ورسوله والمؤمنين، ونشر ما أمكن من المواد المسموعة والمقروءة حول هذا الموضوع الخطير بكل الطرق، ومنها وسائل الإعلام وشبكة الإنترنت، مع ربط ذلك بالعقيدة الإسلامية وكلام الله وكلام رسوله.
السادس عشر: عدم الاعتماد على أخبار الكفار وتحليلاتهم، فإن أمريكا تعتمد في حروبها على الحرب الإعلامية والكذب وترويج الشائعات ومحاولة بلبلة الطرف الآخر؛ لذا رأينا أنها حاولت منذ بداية الحرب تعطيل الإعلام العراقي بضرب محطاته ومحاولة تعطيل التلفاز لعدم وصول الصورة والرأي الآخر للعالم، لكي يتحكموا هم في كل ما يراه العالم ويسمعه، ومثله تعطيل صفحة الجزيرة الإخبارية على شبكة الإنترنت.
ومن كذب أمريكا المكشوف ادعاؤها تحرير العراق وجعله بعد نظامه القائم دولة الرفاهية والديمقراطية، وأن هذه الحرب هي معركة تحرير للشعب العراقي، وأنها قد رصدت المليارات لإعمار العراق بعد الحرب، وكل هذا من الدجل والكذب المكشوف، فقد سمعنا مثل هذه الأسطوانة عند غزوها الصليبي لبلاد الأفغان، فأين هو إعمار أفغانستان؟! لكنها شنْشنة نعرفها من أخزم. لقد دكّت أمريكا أفغانستان، وخرّبت بلاد المسلمين هناك، وهدمت بيوت المدنيين الآمنين ومساجدهم ومدارسهم، ثم تركتهم يعانون الفقر والجوع والمرض، وستفعل لو تمكنت نفس الأمر بالعراق، وقضية إعمار العراق والتي يطنطن بها أيضًا ـ مع كل أسف ـ بعض المحطات العربية المجاورة للعراق كذب ودجل.
ومن الكذب الأمريكي أيضًا اتهام الدولة التي تحاربها بأنها تستخدم دروعًا بشرية لتجد مخرجًا ومبرّرًا سياسيًا إذا ضربت المدنيين، فتقول: هؤلاء هم الدروع البشرية التي استخدموها في الحرب.
وأيضًا من الكذب الأمريكي عمل مسرحية بإرسال بعض الصواريخ على الكويت مثلًا واتهام العراق بذلك، وأن مضاداتها تمكنت من إسقاطه، كل هذا لتهيئة الرأي العام لقبولها ودعمها.
السابع عشر: بيان أن التحدي الذي يواجهه المسلمون من قبل أمريكا هو من نوع الأذى الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في قوله: لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى [آل عمران:111] ، وإلاّ فإن العاقبة للتقوى والمتقين، وهم أهل الإسلام الصادقون، وخاصة أن العدوان الصارخ والظلم الجارح الواقع على المسلمين سيكون بإذن الله سببًا في إيقاظ الأمة من سباتها وانتشالها من غفوتها، فالأمة ضعفت كثيرًا ونامت عميقًا، فبقدر ما تكون الصدمة عنيفة يكون الاستيقاظ سريعًا، وبقدر ما يكون التحدي بقدر ما يكون سببًا في استدعاء روح المقاومة، وبوادر ذلك تحدث فعلًا على أرض الواقع إن شاء الله تعالى.
يا ألف مليون تكاثر عدّهم إن الصليب بأرضنا يتبخترُ
فالحرب دائرة على الإسلام يا قومي فهل منكم أَبَيٌّ يثأرُ
إنا سئمنا من إدانة مُنكرٍ إنا مللنا من لسانٍ يزأرُ
يتقاسم الأعداء أوطاني على مرأى الورى وكأننا لا نشعرُ
أين النظام العالَمي ألا ترى شعبًا يُباد وبالقذائف يُقبرُ
أين العدالة أم شعار يحتوي سفك الدماء وبالإدانة يُسترُ
مادام أن الشعب شعب مسلمٌ لا حَلّ إلا قولهم: نستنكرُ
يا أمتي والقلب يعصره الأسى إن الْجراح بكل شبرٍ تُسعِرُ
والله لن يَحمي رُبَى أوطاننا إلا الْجهاد ومصحف يتقدّر
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين.
اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أعزّ الإسلام وانصر المسلمين، وأذل الشرك والمشركين والكفرة الملحدين، واحم حوزة الدين...