فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 5777

ضرورة الثبات على الحق

الرقاق والأخلاق والآداب

فضائل الأعمال

عبد الله بن صالح القصير

الرياض

جامع الأمير متعب

1-التذبذب من صفات المنافقين 2- الإمعة يتذبذب مع الناس 3- من داوم على شيء مات

عليه وبعث عليه 4- نكبات المسلمين سببها ذنوبهم

أما بعد:

فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى وأطيعوه، واشكروه ولا تعصوه، وراقبوه تعالى واحذروه، واعلموا أن من أعظم خصال المسلم الحق وأجلّ مميزاته - الثبات على دينه، والمحافظة على أخلاق نبيه محمد دون أي تذبذب فيه أو انحراف عنه لشبهة عارضة أو شهوة جامحة أو فتنة بين الناس شائعة، فإن التذبذب بين الحق والباطل وترك السنة الثابتة بعد التخلق بها ليس من شأن أهل الإيمان، بل هو من شأن ذوي النفاق والكفران، الموصوفين في محكم القرآن، بالتناقص يبن الأقوال والأعمال، والتقلب في المسلك في سائر الأحوال، قال تعالى: وَمِنَ ?لنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ?للَّهَ عَلَى? حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ?طْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ?نْقَلَبَ عَلَى? وَجْهِهِ خَسِرَ ?لدُّنْيَا وَ?لاْخِرَةَ ذ?لِكَ هُوَ ?لْخُسْر?نُ ?لْمُبِينُ [الحج:11] . وقال سبحانه: وَمِنَ ?لنَّاسِ مَن يِقُولُ ءامَنَّا بِ?للَّهِ فَإِذَا أُوذِىَ فِى ?للَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ?لنَّاسِ كَعَذَابِ ?للَّهِ وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ ?للَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ ?لْعَـ?لَمِينَ وَلَيَعْلَمَنَّ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ [العنكبوت:10،11] .

أما المؤمن الحق فإنه يكون مغتبطًا بإيمانه بالله، محققًا لعبوديته لله، متشرفًا بالانتساب لدينه، والاتباع لنبيه ، فيظل على الدوام معتدًا بإيمانه وعقيدته، معتزًا بشخصيته ورأيه، لا ينقاد لهوى باطل من قبل نفسه، ولا يتابع غيره على خطأ، ولا يرضى بأية خطوة لا تستمد من كتاب الله تعالى وهدي نبيه ؛ لعلمه أن للناس أهواء وغايات، وللبشر أخطاء ونزوات، وليس لذي لب سليم أن يتابع الناس على أخطائهم، أو يجاريهم على أهوائهم، بل لابد من طلب البينة على الدعوى، والحجة على المذهب، يقول تعالى: قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـ?نَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـ?دِقِينَ [البقرة:111] . أي على صدق دعواكم أنه لن يدخل الجنة سواكم، ويقول سبحانه فيمن حرموا ما أحل الله: نَبّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـ?دِقِينَ [الأنعام:143] . أي فيما ذهبتم إليه وشرعتموه لأتباعكم من ضلال البشر أشباه الأنعام.

أيها المسلمون:روي عن النبي أنه قال: (( ومن أعطى الذلة من نفسه طائعًا غير مكره فليس منا ) ) [1] . وفي ذلك الوعيد الشديد التهديد الأكيد لمن ألقى قيادته لغيره ممن لم تكتب له العصمة، ورضي بتقليده وتبعيته له في كل ما يتجه إليه، فإن ذلكم هو الأمعة الذي يرضى بالتبعية والذلة والهوان، ويسلم قيادته لشرار بني الإنسان، وفي الأثر: (( لا يكن أحدكم إمعة يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم؛ إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم ) ) [2] .

فالمؤمن ينبغي أن يكون صلبًا في دينه معتزًا بنفسه، مستقلًا برأيه، ويكون في ذلك كله على هدى من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ؛ حتى لا يقع في شطط أو جور، أو يتردى برداء العظمة والكبر، فيصبح من الهالكين الخاسرين، بل يكون في سائر أحواله مؤمنًا قويًا؛ فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. وإنما تتحقق القوة في اتباع الحق والشجاعة في لزوم الثبات عليه، ولو جانبه سائر الخلق، فلا يقبل الذلة في دينه، ولا المداهنة في عقيدته، ولا المساومة على أخلاقه وقيمه، بل يلازم الحق في كل حال، ويحارب الباطل وأهل الضلال، ويرد الباطل على ما جاء به من الناس كائنًا من كان.

أيها المسلمون: المؤمن الحق هو الذي يدعو الناس إلى الخير ويسبقهم إليه، ويأمرهم بالمعروف ويكون أشد التزامًا به، وينهاهم عن المنكر ويكون أعظمهم بعدًا عنه، ويحب للناس من الخير ما يحبه لنفسه؛ فيتفق قوله وفعله على الخير، ويشهد ظاهره لباطنه على الاستقامة؛ فيجمع بين صلاح السريرة وجمال السيرة، والناس شهداء الله في أرضه، من أثنوا عليه بخير وجبت له الجنة، ومن أثنوا عليه بشر وجبت له النار، وإنما يتحقق النبأ ويصدق الثناء يوم الموت، فيوم الجنائز هو يوم أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله الصادقة في الدنيا للشخص أو عليه، ويوم القيامة هو يوم الجوائز، ففريق جائزته تسره وترضيه، وآخر جائزته تسوءه وتخزيه، فرقت بينهم الأقوال، وتباينوا في الفعال والأحوال، وعلى قدر نياتهم وسعيهم النوال، ولهذا أمر الله سبحانه بملازمة الإيمان والتقوى، واستمرار الاستمساك بالعروة الوثقى، وأخبر أن: (( من مات على عمل بعث عليه ) ) [3] فليلازم السعيد الإيمان، وليتصف بصفات عباد الرحمن، وليحذر الكفر والفسوق والعصيان، وليجانب أهل النفاق والكذب والبهتان.

فاتقوا الله عباد الله وأنبيوا إليه، واثبتوا على الإيمان، وكونوا أقوياء فيه، وتخلقوا بأوصاف أهل التقوى والإحسان، وما أكثرها في القرآن، وحافظوا على سنة نبيكم ، فإنها نجاة لكم من الضلالة والهلكة وفتنة كل فتان، وليكن لكم من انقضاء الأيام وتصرم العمر حافزًا لملازمة الحق والعض عليه بالنواجذ، ونذيرًا لتدارك الخطأ واستصلاح الفاسد وإقامة العوج، فاليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل وَسَيَرَى ?للَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى? عَـ?لِمِ ?لْغَيْبِ وَ?لشَّهَـ?دَةِ فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة:94] .

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وجعلنا من خاصة أوليائه وأحبابه. أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

[1] ضعيف جدًا ، قال في مجمع الزوائد (10/248) : رواه الطبراني ، وفيه يزيد بن ربيعة الرجي ، وهو متروك.

وأشار المنذري في الترغيب إلى تضعيفه حيث قال: روي.. ح (4638 ، 4755) . وانظر السلسلة الضعيفة للألباني (310) .

[2] أخرجه الترمذي ح (2007) بسند فيه ضعف ، وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفًا. أخرجه ابن عبد البر في (( جامع بيان العلم وفضله ) )رقم (145 ، 1874) . وانظر تعليق الألباني على مشكاة المصابيح ح (5129) .

[3] أخرجه مسلم ح (2878) ولفظه: (( يُبعث كل عبد على ما مات عليه ) ).

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين، والناصح المبين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن من الدين والنهج الذي ينبغي أن يكون عليك مسلك أولي النهي البعد عن المعاصي، والتعاون على محاربة الفساد وقمع المفسدين، والقضاء على كل داعية إلى ضلال أو متزعم لفتنة أو مبتغ في الإسلام سنة جاهلية؛ ليحقق الله تعالى للمسلمين وعده الكريم بالنصر والتمكين بقوله المبين: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ?لأَشْهَـ?دُ [غافر:51] . وقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى? قَوْمِهِمْ فَجَاءوهُم بِ?لْبَيّنَاتِ فَ?نتَقَمْنَا مِنَ ?لَّذِينَ أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ ?لْمُؤْمِنينَ [الروم:47] . وقوله: إِن تَنصُرُواْ ?للَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] .

وإن الفرص يا عباد الله ما برحت مواتية، فإن النكبات التي جرعت المسلمين الغصص وألبستهم ثوب العار إنما كانت نتيجة لإعراضهم عن شرع الله، وجرأتهم على معصيته وارتكاب محارمه، وهذا مما يضاعف المسؤولية ويحتم الواجب، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، فعلى الجميع التعاون على البر والتقوى، ونبذ الهوى، واتباع الهدى، والعاقبة للمتقين.

واعلموا عباد الله أننا في زمن جرت فيه أمور، وحدثت فيه حوادث أقضت المضاجع، ينبغي أن يأخذ منه المسلمون العبرة، وأن يعوا الدرس قبل أن يصابوا بأنفسهم بشديد النوازل وعظيم المصائب، فعلى اللبيب الفطن أن يحاسب نفسه على ما سلف من عمله، ويستزيد من الخير، ويجدد التوبة، ويلازم الاستغفار، ويسعى في استصلاح الحال والمآل؛ فإن ذلك من أسباب دفع البلاء وصرف العذاب، فإنه ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، والمجتمع الرشيد هو الذي تتضافر جهود أفراده على استصلاح ما فسد من أمره، والأخذ على أيدي الخارجين فيه على شريعة العدل، وكم في المجتمع اليوم من مظاهر التفريط وبراهين التقصير.

فخلطه الرجل بالمرأة الأجنبية في بيته، أو دخوله دار غيره من قريب ونحوه حال غيابه - من المنكرات التي تورث فظيع العقوبات. والسماح للنساء بمصاحبة الأجنبي، والخلوة به في السيارة عند الذهاب إلى المدرسة أو السوق ونحوهما - من مظاهر ضعف الغيرة، والله تعالى غيور يغار على حرماته حين تنتهك، وقبل ذلك وأعظم منه التخلف عن الصلوات في الجماعات في سائر أو بعض الأوقات، فذلكم زيغ عن الحق يصبح أهله عرضة لأن يزيغ الله قلوبهم، ويسلبهم ما أعطاهم من النعم، ونحو ذلك من الأخطاء الشائعة والمنكرات والواقعة التي ينبغي للجميع أن يبتعدوا عنها.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

عباد الله! إِنَّ ?للَّهَ يَأْمُرُ بِ?لْعَدْلِ وَ?لإْحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى ?لْقُرْبَى? وَيَنْهَى? عَنِ ?لْفَحْشَاء وَ?لْمُنْكَرِ وَ?لْبَغْى يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90] .

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت