فهرس الكتاب

الصفحة 5053 من 5777

موعظة للمساهمين

الرقاق والأخلاق والآداب

الزهد والورع, الكبائر والمعاصي

خالد بن محمد العمري

المخواة

جامع الفرقان

1-وجوب إطابة المطعم والابتعاد عن المكاسب الخبيثة المحرمة. 2- مفاسد المكاسب الخبيثة. 3- الابتعاد عن المشتبهات. 4- حرمة الربا وعظم جرمه وخطره. 5- فضل الورع. 6- واجب العوام عند اختلاف العلماء.

عباد الله، اتقوا الله جل وعلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فمن اتقى الله جعل له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب.

عباد الله، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (( إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين؛ فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [المؤمنون: 51] ، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: 172] ، ـ ثم ذكر ـ الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟! ) ).

فالمؤمن كله طيب، قلبه ولسانه وجسده؛ بما سكن في قلبه من الإيمان، وظهر على لسانه من الذكر، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان وداخلة في اسمه، فهذه الطيبات كلها يقبلها الله عز وجل. ومن أعظم ما يحصل به طيبة الأعمال للمؤمن طيب مطعمه وأن يكون من حلال، فبذلك يزكو عمله.

وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وأن أكل الحرام يفسد العمل ويمنع قبوله. وفيه أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال وبالعمل الصالح، فما دام الأكل حلالًا فالعمل صالح مقبول، فإذا كان الأكل غير حلال فكيف يكون العمل مقبولًا؟! وذكر مثلًا لذلك: الدعاء كيف يتقبل مع الحرام؟! فأشار إلى أن التوسع في الحرام أكلًا وشربًا ولبسًا وتغذية مما يمنع إجابة الدعوة.

وحث أصحابه على إطابة المطعم وتحري الكسب الحلال، وبين لهم فضيلة ذلك فقال لسعد بن أبي وقاص: (( أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ) ). فعمل سعد بهذه الوصية الغالية، فوجد أثرها في دعائه، فقد قيل له: تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله ؟ فقال: ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا عالم من أين مجيئها ومن أين خرجت.

قال مالك بن دينار:"أصاب بني إسرائيل بلاء فخرجوا مخرجًا، فأوحى الله تعالى إلى نبيه أن أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة وترفعون إلي أكفًا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن اشتد غضبي عليكم، ولن تزدادوا مني إلا بعدًا".

وهنا وقفة أيها الإخوة، كم مرة نخرج فيها للاستسقاء؟! هل سأل كل واحد منا نفسه: ما الذي أخر نزول الغيث؟! ما الذي وقف مانعًا من قبول الدعاء؟! قال بعض السلف:"لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طرقها بالمعاصي"، وكما قيل:

نحن ندعو الإله فِي كل كرب ثم ننساه عند كشف الكروب

كيف نرجو إجابة لدعاء قد سددنا طريقها بالذنوب

عباد الله، ما سبق من الحديث عن وجوب تحري الكسب الطيب والمطعم الحلال هو أصل هام يجب الاعتناء به، خصوصًا في هذه الأيام التي كثرت فيها المساهمات والاكتتاب في الشركات، فيجب على كل مساهم سؤال أهل العلم الراسخين عن حلالها وحرامها قبل أن يقدم، وأن يكون قصده الوصول إلى الحق لا البحث عمن يجيز له ذلك.

ومن الأصول الهامة التي يجب أن يستحضرها المسلم في مثل هذه الأيام الابتعاد عن الأمور المشتبهة بين الحلال والحرام، فعن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله يقول: (( إنَّ الحلال بين، وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وأن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه ) )رواه البخاري ومسلم. قال سفيان بن عيينة:"لا يصيب عبد حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال، وحتى يدع الإثم وما تشابه منه".

ومن الأمور التي يجب أن يستحضرها المسلم في مثل هذه الأيام حرمة الربا وإثمه وخطورته على الأفراد والجماعات، فها هو الله جل وعلا يقول في محكم كتابه: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ [البقرة: 275] ، أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان به، وذلك أنه يقوم قيامًا منكرًا، قال ابن عباس: (آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا يخنق) .

وروى البخاري عن سمرة بن جندب في حديث المنام الطويل، قال: (( فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح، ثم يأتي ذلك الذي وضع الحجارة عنده فيفغر له فاه فيلقمه حجرًا ) )، وذكر في تفسيره أنه آكل الربا.

وقد أعلنها الجبار المنتقم حربًا على من لم يتب من التعامل بالربا، فقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: 278، 279] . قال ابن عباس: (يقال لآكل الربا يوم القيامة: خذ سلاحك للحرب) ، ثم قرأ الآية السابقة.

وقد لعن رسول الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وأخبر: (( إ ن درهمَ ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ست وثلاثين زنية ) )، وقال أيضًا: (( الربا ثلاثة وسبعون بابًا، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ) )، وقال: (( الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قلّ ) )، فهو يذهب البركة ويمحق المال، كما قال تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة: 276] .

واسمع معي إلى قصة هذه المرأة وتأمّلها جيدًا، ففيها عبرة وعظة، تقول: كنا معًا في أطيب حال وأهنأ بال، زوجين سعيدين متعاونين على طاعة الله، وعندنا القناعة والرضا، طفلتنا مِصباح الدار وضحكاتها تفتق الأزهار، إنها ريحانة تهتز، فإذا جنّ علينا الليل ونامت الصغيرة قمنا معًا نسبح الله، نرتل القرآن، وتصلي معنا الدموع في سكينة وخشوع، وذات يوم أردنا أن تكثر فيه الفلوس، اقترحت على زوجي أن نشتري أسهمًا ربويّة لتكثر منها الأموال فندّخرها للعيال، فوضعنا فيها كلّ ما نملك، ثم انخفضت أسهم السوق وأحسسنا بالهلكة، فأصبح الدينار فلسًا، وشربنا من الهموم كأسًا، وكثرت علينا الديون والتبعات، وعلمنا أن الله يمحق الربا ويربي الصدقات. وفي ليلة حزينة خوت فيها الخزينة، تشاجرت مع زوجي فطلبت منه الطلاق، فصاح: أنت طالق، أنت طالق، فبكيت وبكت الصغيرة، وعبر دموعي الجارية تذكرت جيدًا يوم أن جمعتنا الطاعة وفرقتنا المعصية.

فانظر كيف كان الربا سببًا في ذهاب بركة البيت وسعادته وهناءته، ليحل محل ذلك الشقاء والعناء وألم الفراق والتشتت؛ ولذلك كان من عادة نساء السلف إذا خرج الرجل من منزله أن تقول له زوجته أو بنته: إياك وكسب الحرام؛ فإننا نصبر على الضر والجوع ولا نصبر على النار.

عباد الله، ما أجمل أن يتصف المسلم بالورع، والورع ترك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس، وقيل: ترك التسرع إلى تناول أعراض الدنيا.

عن عائشة رضي لله عنها قالت: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج ويأكل أبو بكر من خراجه، فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كلّ شيء في بطنه.

كان الإمام أبو إسحاق الشيرازي على خشونة شديدة من الفقر والإملاق وفي غاية من الورع والصلاح، دخل المسجد يومًا ليأكل فيه شيئًا فنسي دينارًا، فذكره في الطريق، فرجع فلما وجده تركه ولم يمسه، وقال: ربما وقع من غيري ولا يكون ديناري.

قال سفيان الثوري: عليك بالورع يخفّف الله حسابك، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وادفع الشك باليقين يسلم لك دينك.

قال العلامة القسطلاني:"بالله عليك، ما لم تعلم حله يقينًا اتركه، كتركه تمرة خشية أن تكون من تمر الصدقة، وأعلى الورع ترك الحلال مخافة الحرام، كترك إبراهيم بن أدهم أجرته لشكه في وفاء عمله وطوى عن جوع شديد. وقالت أخت بشر الحافي لأحمد بن حنبل: إنا نغزل على سطوحنا فيمر بنا مشاعل الظاهرية ـ أي: الحرس ـ ويقع الشعاع علينا، أفيجوز لنا الغزل في شعاعها؟ فقال: من أنت عافاك الله؟ قالت: أخت بشر الحافي، فبكى وقال: مِن بيتكم يخرج الورع الصادق، لا تغزلي في شعاعها. وأقامت السيدة بديعة الإيجية من أهل عصرنا هذا ـ أي: القرن العاشر ـ بمكة أكثر من ثلاثين سنة، لم تأكل من اللحوم والثمار وغيرها المجلوبة من بجيلة لما قيل: إنهم لا يورّثون البنات. وامتنع أبوها نور الدين من تناول ثمر المدينة لما ذكر أنهم لا يزكّون. ومن ترخص ندم، والأورع أسرع على الصراط يوم القيامة"انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

عباد الله، إنّ السعي في الأرض لكسب الرزق وتوفير القوت للعيال أمر مندوب إليه ومحمود صاحبه، وإن سلوك طريق التجارة المباحة أيًا كان نشاطها أمر مرغوب فيه كذلك، ولكن الذي أريد أن أصل إليه من خلال هذه الخطبة هو ترسيخ القضايا الأربع التي سبق طرحها بالتفصيل وهي:

أولا: وجوب إطابة المطعم والابتعاد عن الكسب الخبيث المحرم.

ثانيًا: الابتعاد عن الأمور المشتبهة بين الحلال والحرام.

ثالثًا: حرمة الربا وعظم جرمه وخطره وما فيه من محق لبركة الرزق الحلال.

رابعًا: سلوك سبيل الورع هو شعار الصالحين وطريقة أئمة الهدى والدين.

واعلم يقينًا ـ عبد الله ـ أن المتورّع عن الحرام لن يعدم فتوحًا من الحلال، ومن ترك شيئًا لله عوضه الله تعالى خيرًا منه.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على رسوله المصطفى ونبيه المجتبى نبينا محمد، وآله وصحبه منارات الهدى ومصابيح الدجى، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله، اتقوا الله جل وعلا، فمن اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده.

عباد الله، مع كل اكتتاب جديد وطرح أسهم للتداول تأتيك التساؤلات من الناس حين يسمعون التضارب في الفتاوى بين محلّ ومحرّم: بأي فتوى نأخذ؟

وإجابة على هذا السؤال نقول: الرجال والنساء والعلماء والعامة متعبَّدون لله عز وجل بما دلّ عليه الكتاب والسنة والإجماع والأدلة الشرعية المعروفة، فإذا اختلف العلماء سواء كان الخلاف قديمًا أو حديثًا بين العلماء المعاصرين أو مستمرًا كما في كثير من المسائل نأخذ بالقول الأقرب إلى الكتاب والسنة، ويكون ذلك بأحد طريقين:

الأول: أن يكون عندك علم وقدرة على التمييز بين الأدلة، فتأخذ بأقواهما وأقربهما إلى الكتاب والسنة، ولا تأخذ ما تشتهيه نفسك ويوافق هواك ورغبتك، فليس الدين بالتشهي.

الثاني: إذا لم يكن لديك قدرة على التمييز ولا تحسن الأدلة فتأخذ بقول من هو أعلم وأورع وأتقى لله عز وجل.

عباد الله، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] .

اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت