قضايا في الاعتقاد
الاتباع, البدع والمحدثات
إحسان بن صالح المعتاز
مكة المكرمة
مسجد الربوعي
1-حقيقة محبة الرسول. 2- حجج وأدلة إقامة الموالد ودحضها. 3- البديل الشرعي من إقامة الموالد. 4- واجبنا تجاه أهل البدع.
أما بعد: فقد تحدثنا فيما مضى عن محبّة النبي ، وأنها من أهم الواجبات والأعمال التي يتعبد فيها الإنسان المسلم لربه سبحانه وتعالى، وبيَّنا أن محبته تستلزم دوام ذكره واقتفاء أثره واتباع هديه والائتمار بأمره والانتهاء عما نهى عنه ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، كما أن محبته يجب تقديمها على كل محبوب ومرغوب، فيجب تقديم حبه على حبّ النفس والولد والوالد والناس أجمعين، وأن هذا الحب لا بد أن يترجم إلى واقع عملي محسوس، وإلا فما الذي يثبت صدق هذه المحبة؟! لأن كل من ادعى دعوى فإن الواجب عليه تقديم ما يدل على صدق دعواه وحجته، وكما قال رسول الله: (( لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء أقوام وأموالهم، ولكن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ) ). فهذه قاعدة جليلة عظيمة تعمل بها جميع المحاكم، بل والقوانين والأنظمة حتى الكافرة منها، أن كل من ادعى شيئًا فيلزمه تقديم ما يثبت دعواه وإلا بطلت، وكما قال الشاعر:
والدعاوى إن لم يقيموا عليها بيّنات فأصحابها أدعياء
ويلزم من ذلك أن يحبّ الإنسان ما أحبه رسول الله ، وأن يبغض ما أبغضه، وأن لا يعبد الله إلا بالطريقة التي شرعها له رسول الله وبيَّنها له؛ لأن الجميع يؤمن ويقر ويصدِّق بأن رسول الله قد بين كل ما يلزم بيانه عن ربه عز وجل، ولذلك امتن الله على عباده المؤمنين بقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] . جاء يهودي إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين، آية تقرؤونها لو نزلت علينا معشر يهود لاتخذنا اليوم الذي أنزلت فيه عيدًا، وقرأ الآية السابقة، فقال عمر رضي الله عنه: (والله، إني لأعلم اليوم والساعة التي أنزلت فيه، نزلت ورسول الله على بعيره في يوم عرفة في حجة الوداع) . فالدين كامل والشرع واضح أيها المسلمون، وكلنا متفقون على ذلك، إذن فكل ما كان دينًا على عهد رسول الله وأصحابه الكرام فهو الدين، وكل ما لم يكن دينًا حينذاك فليس بدين اليوم ولا غدًا.
وهذه قاعدة جامعة نافعة ينبغي لكل مسلم أن يعيها ويتدبرها ويعمل بها، وإذا أردنا تطبيق ما سبق على ما نجده في حياتنا المعاصرة فإننا سوف نجد الخلل الكبير الذي أصاب طائفة من المسلمين بابتداعهم واختراعهم بعض العبادات والقربات استحسانًا منهم، وظنا منهم أنها من البدع الحسنة التي لا بأس من فعلها والعمل بها.
ومن ذلك إقامة الموالد مثل مولد النبي واعتبار ذلك من البدع الحسنة، وكل ما ذكرناه فيما سبق إنما هو رد على ذلك، باعتبار أنك لا تستحسن شيئًا إلا إذا كان الذي أمامك بشرًا مثلك يصيب ويخطئ، ولكن إذا كان المرسِل هو الله سبحانه وتعالى جل وعلا الذي لا يخفى عليه شيء في السموات ولا في الأرض وكان المُرسَل هو رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى وكان الواسطة جبريل عليه السلام الذي وصفه ربه سبحانه بأنه قوي وأمين فأي شيء ستستدركه على هذه السلسلة؟! وأي شيء سيجده عقلك البشري القاصر؟! وهل قد فات على ربك سبحانه وتعالى؟! تعالى الله عن كل نقص وتقصير.
ثم إن قولك: إنها بدعة حسنة يردّ عليه بقول نبيك وحبيبك في الحديث الصحيح الذي رواه العرباض بن سارية رضي الله عنه فقال: وعظنا رسول الله موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال: (( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ) ).
فهذه الوصية من رسول الله التي أوصى بها أمته من بعده كأنها وصية مودع، وتعرفون أن المودع إذا أوصى فإنه لا يوصي إلا بأهم الأشياء وأعظمها على الإطلاق وأشدها خوفًا على أمته، وقد بينت هذه الوصية أن كل البدع ضلالة، وبالتالي فليست هناك بدعة حسنة.
وثبت في الصحيحين عن النبي قوله: (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) )، كما ثبت في صحيح مسلم عن النبي قوله: (( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) ). ومعنى (( رد ) )أي: مردود على صاحبه، فأي فائدة يجنيها المسلم من عمل يكون ردًا عليه، أوَليس من الأولى والأوجب الانشغال عما قد كلفنا به؟!
ومن الحجج التي يوردها المحتفلون بالمولد النبوي أن المولد ذكرى سنوية يتذاكر فيها المسلمون نبيهم فيزداد حبهم وتعظيمهم له، وهذه الحجة يجاب عنها بأن المسلم لا يحتاج إلى تذكر رسوله في يوم واحد في السنة؛ لأن المسلم لا يصلي صلاة من ليل أو نهار إلا ذكر فيها رسوله. إن الذي تقام له ذكرى خشية النسيان هو من لا يُذكر، أما من يذكر ولا ينسى بل ولا يعيش المسلم لحظة من لحظاته ولا ساعة من ساعاته إلا وهو يعيش مع رسول الله في هديه وسنته وجهاده ودعوته وسائر شؤونه، فكيف تقام له ذكرى من هذا شأنه؟! أليس هذا من تحصيل ما هو حاصل؟!
وأما قضية سماع بعض الشمائل المحمدية الطاهرة والنسب الشريف فينبغي للمسلم أن يقرأها ويتعلمها ويتدارسها طيلة العام، ولا يكفي في ذلك مجرد تلاوة قصة المولد هكذا عابرًا.
وأما حجتهم في إعلان الفرح في يوم مولده فإما أن يكون الفرح بالرسول فليكن الفرح دائمًا كلما ذكر الرسول ولا يختص بوقت دون وقت، وإما أن يكون الفرح باليوم الذي ولد فيه، فهذا اليوم هو نفسه اليوم الذي مات فيه، ولا أحسب عاقلًا يقيم احتفال فرح وسرور باليوم الذي مات فيه حبيبه، وموت الرسول أعظم مصيبة أصابت المسلمين، حتى إن كل من أصيب بمصيبة فإن عليه أن يتذكر مصيبته بموت النبي ، حتى يتم العزاء والسلوان في مصيبته، كما أخبر بذلك رسول الله فيما صح عنه.
وأما الاجتماع على الذكر فالاجتماع على الذكر بصوت واحد لم يكن معروفًا عند السلف، فهو في حد ذاته بدعة منكرة. وأما المدائح والقصائد بالأصوات المطربة الشجية فهذه بدعة أقبح ولا يفعلها إلا المضطربون في دينهم والعياذ بالله تعالى. وفي الغالب فإن الدافع لمثل ذلك هو محبة رسول الله وتعظيمه، ولكن لا تنال طاعة الله ومحبته إلا بما يحبه الله ويرضاه ويشرعه.
ومن الدوافع لدى البعض لإقامة مثل تلك الاحتفالات التقليد الأعمى والعصبية الممقوتة، فهو ينظر إلى آبائه وأجداده وقرابته، فلا يرى منهم إلا ذلك، ويرى أن من ينكر عليه في الغالب إنما هم أناس من غير جماعته وقبيلته ومنطقته، فيأتيه الشيطان ويقول له: أتترك ما عليه قرابتك وجماعتك وقد عاشوا على ذلك قرونًا لمثل قول هؤلاء؟! أوَكلُّ من سبق وسلف من آبائك وأجدادك على الباطل وهؤلاء الجهلة على الحق؟! وبالتالي يحثه الشيطان ويدفعه لمتابعة من سلف من أقاربه وجماعته، حتى لا يكون عدم فعله للمولد بمثابة تحقير الآباء والإخوان والقرابات والحطّ من قدرهم وشأنهم واتهامهم بأنهم لم يكونوا على صواب. وقضية اتباع الآباء والأجداد فيما هم عليه من الباطل واتباعهم على ذلك كانت من أكبر العقبات التي صدت كثيرًا من الناس عن الحق، حتى إنها صدت مشركي الأمم السابقة ومشركي قريش حتى قال قائلهم: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23] .
والحق لا يعرف بالرجال، وإنما الرجال يعرفون بالحق، فمن قال بالحق واتبعه ودعا إليه استجبنا له ولو كان أبعد بعيد، ومن ترك الحق واجتنبه وتنكب الباطل تركناه ولو كان أقرب قريب.
وقد يقول قائل بعد كل هذا الكلام الطويل: فما البديل؟ والجواب: إن البديل عن ذلك أن يأخذ المسلمون أنفسهم بالجد والاجتهاد، وأن يلزم المسلم نفسه باتباع سنة نبيه كل وقت وحين، سواءً على نفسه أو أهله وأولاده، فإن كثيرًا من الناس حتى الصالحين منهم لا يعنى بشؤون أهله وأولاده وتعليمهم أمور دينهم وإرشادهم للحق والهدى ولا يولي ذلك أيّ اهتمام، وهذا كله من التفريط في هذا الواجب لأن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: 6] .
كما أن من الوسائل المفيدة لتدارس سيرة الرسول اقتناء الكتب الموثوقة، والتي تحدثت عن سيرة النبي ، وقراءتها دائمًا مع الأهل والأولاد والأصدقاء والإخوان وغيرهم، وبالتالي يكون المسلم في ذكر دائم لرسول الله وشوق إليه.
ومما يعين على ذلك الاطلاع على كتب الحديث النبوي كصحيح البخاري ومسلم وبقية كتب السنن، ففيها تفصيل كبير عن كافة تفاصيل حياة النبي في جميع شؤونه وأحواله. ومن الكتب الجيدة في هذا مجال السيرة كتاب السيرة النبوية الصحيحة لأكرم ضياء العمري، وكتاب الرحيق المختوم للمباركفوري وغيرهما كثير، وكلاهما في السيرة النبوية، والأفضل للمسلم أن يقتني هذين الكتابين، ثم يحثّ أفراد أسرته على قراءتهما، ولو عمل مسابقة ووضع فيها أسئلة متنوعة عن مواقف متعددة في حياة رسول الله بحيث يستطيع الإجابة من اطلع على الكتابين وقرأهما ورتب على ذلك جوائز قيمة لكان ذلك حسنًا؛ إذ بهذه الطريقة يشجع أهله وأولاده على قراءة سيرة النبي ، وفي نفس الوقت يشغل وقت فراغهم بالنافع من الأعمال، كما أن هناك تفصيلًا كاملًا عن السيرة النبوية بكل دقائقها وتفاصيلها موجودا على الأشرطة في حقائب مستقلة للعديد من العلماء والدعاة الموثوقين، وهي مجموعة مفيدة وتصلح لجميع الطبقات، ومن أولاهم النساء والفتيات في البيوت وغيرهم من الشباب والشيوخ وغيرهم.
وأما عن الذكر الذي يقال في مثل تلك المناسبات التي ما أنزل الله بها من سلطان فالبديل عنها هو دوام ذكر الله والاطلاع على هدي رسوله طيلة الوقت والاقتداء بهديه واتباع سنته، والمسلم مندوب إلى أن يحافظ على أذكار الصباح والمساء والأذكار الشرعية الواردة عن رسول الله ، وهي سهلة ومتوافرة وموجودة في كل مكان.
كذلك يحافظ المسلم على الصلوات الخمس في المساجد، خاصة البردان، لحديث: (( من صلى البردين دخل الجنة ) )، والبردان هما الصبح والعصر. وكذلك المحافظة على السنن الرواتب وعددها اثنتا عشرة ركعة، ثنتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر، وثنتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، والمحافظة على صلاة الليل والذكر بعدها، كما كان رسول الله يفعل ذلك ويحث أمته عليه، وأن يحافظ على سماع إذاعة القرآن الكريم والقنوات الهادفة، ففيها الخير الكثير بإذن الله، واقتناء الأشرطة النافعة من تسجيلات القرآن الكريم والمحاضرات والدروس النافعة.
وفي الختام نود أن ننبه إلى قضيتين:
أولاهما: ما يفعله ويقوله بعض من يقيم أو يحتفل بتلك الموالد من أنه إذا نصحه أحد أو كلمه في شأنها وأنها بدعة لا يجوز فعلها فتجد بعضهم لا يتورع أن ينسب من ينكرها بوصفها بدعة محدثة أن ينسبه إلى الكفر والمروق من الدين، بقوله: فلان يبغض الرسول ، لأنه لا يحب المولد أو يكره الاحتفال بالمولد. وهو يعلم أن من يكره الرسول أو لا يحبه فإنه يكفر بإجماع المسلمين، وتكفير المسلم لا يحل أبدًا، ومع العلم أنه لا ينكر البدعة ولا ينهى عنها ويحذر منها إلا مؤمن وصالح أيضًا، فكيف يُكفَّر أو يُتهم بالكفر والعياذ بالله؟! وقد قال رسول الله: (( من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه ) ). فهل من جزاء الإحسان والنصيحة الإساءة والجحود والنكران؟!
والأمر الثاني الذي ينبغي التنبيه عليه: هو أن من رأى أخاه المسلم مبتلى بمثل هذه الأفعال فإنه يجب عليه أن ينظر إليه نظرة شفقة، فينبغي عليه أن يبذل له كل الأسباب الممكنة لكي يخرجه مما هو فيه، وذلك بالنصيحة الصادقة المخلصة التي تصدر من قلب مشفق غيور، ويكون قصده من ذلك هو إنقاذ أخيه المسلم وليس التشفي والتعيير والإساءة، وليعلم أنه غالبًا ما دفع هؤلاء للاحتفال بالمولد إلا حبهم لرسول الله وتعظيمه، ولكنهم أخطؤوا الطريق، فينبغي تصحيح المسار وتعديله لهم، وذلك بسلوك أفضل الطرق الموصلة إلى هدايتهم وإخراجهم مما هم فيه من البدعة إلى السنة، وذلك باللين والتلطف وعدم الغلظة والشدة فهي تضر ولا تنفع.
فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، وأن يجعل محبته أحب إلينا من أنفسنا وأولادنا ووالدينا والناس أجمعين، وأن يرزقنا محبته المحبة الشرعية التي يحبها الله عز وجل دون غلو ولا تفريط، وأن يجعل لنا من ثمرات محبته اتباعه والاقتداء به والاهتداء بهديه في كل شؤوننا وأحوالنا...