فقه
البيوع
حسين بن عبد العزيز آل الشيخ
المدينة المنورة
المسجد النبوي
1-وجوب معرفة أحكام الله تعالى في المعاملات. 2- حكم بيع الثمار قبل بدو صلاحها. 3- صور النجش وحكمه. 4- حكم بيع المضطر.
أمّا بعد: فيا أيّها المسلمون، خيرُ وصيَّة وأفضلها وأوجبُها تقوَى ربِّنا وطاعتُه واجتنابُ نهيِه، فيا فلاحَ مَن اتَّقاه، ويا خيبةَ من عصاه.
معاشرَ المسلمين، مِنَ الواجب على المسلمِ أن يعلَمَ حكمَ الله في كلِّ تصرُّف يقدِم عليه، وفي كلِّ شأن يكون فيه. وإنَّ مما تعمّ به البلوَى بعضَ البيوع التي يتعامَل بها الناس، وتكثُر في أوساطِهم خاصّةً في مثل هذه المواسم، وهاتان مسألتَان مهِمَّتان لا بدَّ من معرفةِ حكمِهما وكيفيَّة التعاملِ الشرعيِّ فيهما:
المسألة الأولى: حكمُ بيع الثِّمارِ قبل بدوِّ صلاحها.
المسألة الثّانية: النجَش وحكمه الشرعيّ.
فأمّا المسألة الأولى فإنّ من المقرَّر شرعًا أنّه لا يجوز بيعُ الثمارِ على رؤوس الأشجار قبلَ بُدُوِّ صلاحِها، فلا يجوز بيعُ النخل في رؤوسِه حتى يبدُوَ صلاحُه بأن يتغيَّر لونُه فتظهَر فيه الحمرةُ فيما تظهَر فيه الحُمرة، أو الصفرة فيما يصفَرّ، ولا يجوز بيعُ العِنَب حتى يتَمَوّه أي: يبدُوَ فيه الماءُ الحلو ويلين ويصلُح للأكل، ولا يجوزُ بيع بقيَّة الثمارِ فيما لا يتلَوَّن كالرُّمّان مثلًا حتى يَبدوَ فيه النضجُ ويحلو ويطِيبَ [ويؤكل ما به] ، وهكذا بالنِّسبة للزَّرع الأخضر، لا يجوز بيعُه في سُنبله إلا إذا اشتدَّ الحب وطاب، وعلى هذا دلالةُ السنّة الصحيحةِ في أكثر مِن حديثٍ، ومنها ما جاءَ عَن ابنِ عمر رضي الله عنهما قالَ: نهَى النبيُّ عن بيعِ الثّمَرةِ حتى يبدوَ صلاحُها، وكان إذا سئِل عن صلاحِها قال: (( حتى تَذهَب عاهتُه ) )متفق عليه، وعند مسلمٍ من حديث ابنِ عمر رض الله عنهما قال: نهى النبيُّ عن بيعِ النخل حتى يزهوَ، وعن بيع السنبُل حتى يبيضَّ ويأمَن العاهةَ، نهى البائع والمشتري.
ولكن عباد الله، متى باع الإنسان مزرعةً أرضًا وبناء شجرًا وغرسا دخلتِ الثمرة حينئذ ودخَل الحبّ تبعًا ولو لم يبدُ صلاحه كما قرر ذلك الفقهاء، مع مراعاةِ أن الثمرة للبائع إذا أبِّرت إلاّ أن يشتَرِطَها المبتاع.
إخوةَ الإسلام، ومما هو جديرٌ بالتفصيل ما يتعلَّق بالنخيل لكثرة التعامل فيه بين المسلِمين، فبيعُ ثمرةِ النخلِ على ثلاثةِ أقسام:
أن يبيعَ ثمرةَ نخلِة بمُفرَدِها، فمتى تلوّنَت ولو في ثمرَة واحدَة جازَ بَيعها، وإلا وجَبَ الانتظار، وهذا بِلا خِلاف بين العلماءِ أنَّ بدوَّ الصلاحِ في بعضِ ثمَرة النّخلةِ أو الشّجرة صلاحٌ لجميعِها.
القِسم الثاني: أن يبيعَ ثمرةَ نوعٍ معيَّن منَ النَّخل، مثل أن يَبيع ثمرةَ جميعِ السُّكَّريِّ مثلا أو العَجوَة مثلًا التي في البُستان ببَيعة واحدةِ، فيكفي أن يتَلوَّن مِن هذا النوعِ بعضُه ولو في نخلةٍ واحدةٍ على الرّاجِح من قولَي العلماء.
القسم الثالث: أن يبيعَ ثمرة نخلِ البستان كلّه بجميع أنواعه المتعدِّدَة في البستانِ، فلا بدَّ أن يكونَ كلُّ نوعٍ قد بدا فيه الصلاحُ ولو في نخلةٍ واحِدَة مِن كلِّ نوعٍ على الأظهَرِ مِن أقوال العلماء، فإذا وُجِد في البستان ثلاثَةُ أنواعٍ مثلًا: برحيّ وسكّريّ وعجوة، وكل نوعٍ من هذه الأنواع الثلاثة قد تلوَّن بعضُه، كفى ذلك، ولكن إذا لم يتلَوَّن شيءٌ مِن النوعِ الواحد كأن لم يَتَلوّن شيءٌ منَ العجوة بعدُ فلا يجوز بَيعُ هذا النوع من العَجوَة حتى يتلوَّنَ ولو في بعضِه.
أما المسألةُ الثانية ـ عبادَ الله ـ فهي مسألة النَّجش، وما أكثرَها في التعاملات.
النجشُ صورتُه الغالبة أن يزيدَ أحدٌ في ثمنِ السِّلعَةِ وليس له غرضٌ في شرائِها، وإنما غرضُه زيادَةِ الثمَن على المشتَرِي؛ بأن يَغتَرّ غيره بسَومِه فيزِيد على هذا السَّومِ الصُّوريّ، إمّا لأجل مصلحَةِ البائع، أو لأجلِ مضرّة المشتري، أو لأجلِ الأمرين معًا.
ومِن صُوَرِه أيضا أن يمدَحَ سلعةَ غيره لتُباع، أو أن يذمّها لئَلاّ تنفق عنه.
ومِن صُوَرِه أيضا ـ كما ذكرَه ابن عبد البرّ عن الشافعي وغيره ـ أن يفعَلَ البائع طريقةً يعطِي فيها سلعتَه ثمنًا أكثَر من ثمنِها ليغُرَّ الناس بذلك وهم لا يعرِفون فعلها، كما يحصُل ذلك الآن في سوقِ الأسهُم مثلا.
إخوةَ الإسلام، ومِن صوَرِ النجش أن يحضُرَ المزايدةَ عِدّة أشخاص يتَّفِقون فيما بينهم على عدَمِ المزايَدَة حتى يشتَروا البِضاعة بسعرٍ قليل، ثم بعدَ انتهاء المزايَدَة ورسُوِّهِ على أحدِهم يبيعون السِّلعَة ويشتَرِكون في ربحِها، ويقبُح هذا الفعل ويعظُم ضرَرُه حينَما يكون في مزادٍ في سلعة لبيتِ مال المسلمين.
وإنَّ مما ينبغي فهمُه أنَّ الدلاَّل الذي يقوم بالحَراج على السلعة لا يجوز لَه أن يَبدَأ سعرَها أو أن يزيدَ فيها هو بنَفسِه وهو لا يريد شراءَها، فهذا منَ النجش المحرَّم، بل لا يَبدَأ ذكر سِعرٍ لهذه السِّلعة حتى يَبدَأ الحاضِرون المريدون للشِّراء.
والنّجش بصوَرِه ـ عبادَ الله ـ حكمه التحريم، وفاعِلُه عاصٍ وخدَّاع، ومتى حصَل النجش بأيِّ صورةٍ منَ الصّوَر المذكورةِ فلِلمشترِي الخيارُ حينئذٍ إذا حصَل غَبنٌ لم تجرِ العادةُ بمثلِه، الخيار بين الفسخِ والإمضاءِ على الراجِحِ من أقوال أهلِ العلم.
عن عبدِ الله بنِ عمر رضي الله عنهما قال: نهى النبيُّ عن النجش، وقال عبدُ الله بنُ أبي أوفى رضي الله عنه: النَّاجِشُ آكل رِبا خائِن، وهو خِداع باطِلٌ لا يحلّ. أخرجه البخاري تعليقًا وأخرجه البيهقيّ في السنن الكبرى.
أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ [البقرة:229] .
بارَكَ الله لي ولَكم في القرآنِ، ونَفَعَنا بما فيهِ منَ الهَديِ والبيان، أقول هَذا القَولَ، وأستَغفِر الله لي ولَكم ولِسائر المسلِمين من كلّ ذَنب، فاستغفروه إنّه هو الغفورُ الرّحيم.
الحمدُ لله علَى إحسانه، والشكرُ لَه على توفيقِه وامتنانِه، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وَحدَه لا شَريكَ لَه تعظيمًا لشَأنه، وأشهَد أنَّ سيِّدنا ونَبيَّنا محمَّدًا عبدُه ورسوله الدَّاعي إلى رِضوانه، اللّهمّ صَلّ وسلِّم وبارك عَليه وعلى آله وأصحابه.
أمّا بعد: فيا أيّها المسلمون، أوصِيكم ونفسِي بتقوَى الله عَزّ وجلّ؛ فهِي وصيَّةُ خالقِنا وربِّنا للأولين والآخرين.
إخوةَ الإسلام، دينُ الإسلامِ دينُ المحبَّة والأخوَّة، دينُ الرحمة والرِّفق، دين السماحةِ والتيسير والتَّسهيل ورفعِ الحرج. وممَّا تُبتلَى به بعضُ المؤسَّسات الماليّة الجشَع الشَّديد وتقمُّص الفُرَص للإضرارِ بالآخَرين، ورسولنا يقول: (( رَحِم الله عبدًا سَمحًا إذا باع، سَمحًا إذا اشتَرَى، سَمحًا إذا اقتَضَى ) )رواه البخاري.
وممّا أرشدَت إليه قواعدُ الشَّرع عدمُ استغلال حاجةِ المحتاج إلى البَيعِ لدَينٍ ركِبَه أو مؤنةٍ أرهَقَته، وأن لا يَجعَل المسلم حاجةَ أخيه فُرصةً لهَون قِيمَة سلعتِه وبخسِها عن ثمن مِثلِها، فهذه خصلةٌ لا تتَّفِق مع أخلاق المسلمين ولا مع مسالِكِ المؤمنين، وقد أخرج ابن أبي شيبةَ عن ابن عمَر رضي الله عنهما أنه قال: (لا يُباع مِن مضطرّ) ، كما أخرج عن شُريحٍ أنه كان لا يجيز بيعَةَ الضَّغطَة أي: اضطرار، ومثل هذا النهي عن غير واحد من السلف رضي الله عنهم. وكلُّ ذلك محمولٌ على أنَّ المسلمَ ينبغي له أن يتَّقيَ الله جل وعلا في إخوانِه، وأن لا يبخَسَهم قيمةَ سِلَعهم بسبَبِ ظروفهم الحرِجَة وحاجاتهم النازلة، وعلى النهيِ عَن بيع المضطرّ توارَدَت نصوص الفقهاءِ لأدلّةٍ نقليّة ومصلحيّة مذكورة في مواضِعِها مبسوطَة في مواطنها، بل وقد نَصّ بَعضهم كفقهاء الحنفيّة والشّوكاني من المحقِّقين [على] أنّ بيع المضطرِّ وشراءَه فاسد.
فالحذرَ الحذرَ ـ أيها المسلمون ـ من مسالِكِ الجشعين وطمَع الطامعين.
ثم إنَّ الله جلَّ وعَلا أمرَنا بأمرٍ عظيمٍ، ألا وهوَ الصّلاة والسلام على النَّبيِّ الكريم.
اللّهمّ صلِّ وسلِّم وبارِك على سيّدنا ونبيِّنا وقدوتِنا محمّد بن عبد الله، وارضَ اللّهمّ عن الخلفاء الراشدين...