العلم والدعوة والجهاد
القتال والجهاد, المسلمون في العالم
محمد بن عبد الله الهبدان
الرياض
جامع العز بن عبد السلام
1 ـ دعاء. 2 ـ نازلة الأمة العظمى. 3 ـ جهاد الأفغان. 4 ـ حركة طالبان. 5 ـ اعتداء الصليبيين على أفغانستان والمجازر والجرائم التي ارتكبوها. 6 ـ أوضاع اللاجئين والفارين. 7 ـ الأوضاع الصحية. 8 ـ نداء للضمير الإسلامي والحس الإيماني. 9 ـ إنفاق النصارى في سبيل نشر دينهم. 10 ـ المستقبل لهذا الدين.
أما بعد:
اللهم يا حي يا قيوم، اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا وهواننا على الناس، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربنا إلى من تكلنا؟ إلى بعيد يتجهمنا، أم إلى عدو ملكته أمرنا، إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالي، ولكنَّ عافيتك هي أوسع لنا، اللهم يا سامع الصوت، ويا سابق الوفت، ويا ناصر المظلومين، ويا ناصر المظلومين، ويا مغيث المستغيثين، اللهم انصر أمة الإسلام، اللهم انصر أمة الإسلام، اللهم انصر أمة الإسلام، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم آمن روعاتهم، اللهم آمن روعاتهم، اللهم اجمع شملهم على الحق، اللهم اجمع شملهم على الحق، لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم، اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب، اللهم عليك باليهود والنصارى وأعداء الدين، اللهم عليك باليهود والنصارى وأعداء الدين، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، وخالف بين كلمتهم، واجعل الدائرة عليهم، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم اجعلهم غنيمة للإسلام والمسلمين، اللهم اجعل كيدهم في نحورهم واجعل تدبيرهم تدميرًا عليهم، اللهم اجعل أسلحتهم على المسلمين بردًا وسلامًا، واجعل أسلحة المجاهدين عليهم نارًا وحطامًا، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك.
أمة الإسلام، أمة القرآن، إنها لأيام مضت ملئت بالفواجع، تتابعت فيها الكوارث والمحن، لقد عجز اللسان عن تصوير الكرب والأسى الذي نزل صاعقة على الأمة، فأي شعور لا يتمزق تمزق اللوعة والأسى وهو يسمع أنين الثكالى واليتامى، ويشاهد صورًا من الأشلاء الممزقة، والأجساد المتناثرة، ينزل الليل فلا سكون، بل هي حمم الموت تطير بالرؤوس، وتخترق القلوب، وتمزق الأجساد، ثم يطلع الصباح فلا يأتي بخير مما ودع به الليل ساكني ديار الإسلام، ساكني ديار الإسلام في أفغانستان.
آه يا مسلمون، آه يا مسلمون، متنا قرونًا والمحاق الأعمى يليه محاق
أي شيء في عالم الغاب نحن آدميون أم نعاج نساقُ
نحن لحم للوحوش والطير منا الجثث الحمر والدم الدفاق
وعلى المحصنات تبكي البواكي يا لعرض الإسلام كيف يراق
قد هوينا لما هوت وأعدوا وأعدوا من الرداة رياق
واقتلعنا الإيمان فاسودت الدنيا علينا واسودت الأعماق
وإذا الجذر مات في بطن الأرض تموت الأغصان والأوراق.
أفغانستان، ذلك البلد المسلم الذي عانى مدة طويلة من ويلات الصراعات، وأصبح حلبة للصراع الدولي في شكل حرب باردة بين القطبين الدوليين، ولم تلبث تلك الحرب الباردة في الخارج أن تتحول إلى حرب ساخنة في الداخل، وذلك عندما خرج الملك داود إلى وسائل الإعلام منتقدًا بعض تعاليم الإسلام، وقد وقع هذا الكلام على جماهير العلماء والمثقفين الأفغان وقوع الصاعقة، وأيقنوا أن أفغانستان وقعت فريسة في مخالب الدب الأحمر بالفعل، ولم يبق إلا أن يفتح فمه لابتلاعها وهضمها، وعندها لم يتردد العلماء في اتخاذ القرارات في أصعب الأوقات، لقد أعلنوا الجهاد، كانت دول الغرب أول من قرر التصدي للمد الشيوعي في أفغانستان؛ لأن مصالحهم كانت تفرض عليهم ذلك، وانتهت الحرب بعد أن خلفت مئات الآلاف من الشهداء والجرحى بانتصار الأفغان، وأعقب ذلك تفكك الاتحاد السوفيتي وبدا للدول الغربية أن الجهاد الأفغاني كان له دور هام لهذه النهاية التعسة لعملاق الطغيان الإلحادي، فالشيوعية كسرت في أفغانستان، وبدأت تنحسر في أنحاء أخرى من العالم، وأصبحت كل المؤشرات تدل على مستقبل واعد للمد الإسلامي يحل محل المد الشيوعي، وهنا صمم الغرب على أن يتحول الصراع في أفغانستان من معركة لإخراج الشيوعية إلى معركة لإخراج الإسلام وزلزلة أركانه والحيلولة دون تمكينه على أرضها، لقد كبر على الغرب أن يقال: إن الإسلام أسقط القوة الإلحادية الكبرى في العالم، فقرروا أن يدبروا فصولًا أخرى بطريقة أخرى في المعركة، لقد قادوا حربًا مع المجاهدين عن طريق دعم القوى المناوية لهم، وبعد عامين أدركوا أن القضاء على قوة الجهاد مستحيلة أبدًا، فاتخذوا وسائل عديدة للقضاء على ثمرة الجهاد طوال تلك السنوات الماضية، ومنها التأثير على بعض قيادات الجهاد التي كانت في الساحة آنذاك، وبالفعل حصلت اللقاءات وتمت الاتفاقات وحصلت فرقة عظيمة سالت فيها دماء، وتقطعت فيها أشلاء، وأهدرت فيها أرواح، وتكاثرت فيها الجراح، وتسبب هذا الصراع في خراب كبير وفوضى شاملة، سقط خلالها ما لا يقل عن ثلاثين ألف قتيل، ونحو مائة ألف جريح بخلاف من شردوا وهجروا.
وفي تلك الأجواء تكونت ثم تجمعت ثم تحركت ثم خرجت حركة طلاب العلم، فقاموا بتوحيد البلاد كلها تحت قيادة مركزية وطنية واحدة، تجمع القبائل والفصائل، وتحوز رضا غالبية الشعب بعد طول تفرق وتشرذم، ونشروا الأمن في ربوع المناطق التي سيطروا عليها، وقضوا على اللصوصية وقطاع الطريق، وجمعوا السلاح المستعمل في الإفساد، وكفوا أيدي زعماء الحرب الأهلية، وأوقفوا إراقة دمائهم فيما بينهم، واستهانتهم بدماء أهليهم، وقضوا على بقايا الشيوعيين، وطهروا لأول مرة في تاريخها المعاصر من تجارة وزراعة الأفيون؛ لتتحول جميع حقول المخدرات إلى حقول للقمح، حسب آخر تقرير للأمم المتحدة.
أيها المسلمون، إن هذا الوضع الجميل لم يرق للأمم الكافرة لحقدهم القديم على الإسلام وأهله، فأقاموا الدنيا ولم يقعدوها، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم وقذهم وقديدهم، فشنوا حملاتهم وضربوا بطائراتهم وأطلقوا راجماتهم، كل ذلك لأعذار واهية وحجج داحضة والتي يدركها صغار صبيان المسلمين فضلا عن عقولهم ومفكريهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله.
إن ما يجري الآن في أرض الأفغان لهي مأساة عظيمة، إي وربي مأساة عظيمة، يعجز اللسان عن وصفها، والقلم عن تصويرها، فكم من عجوز عاجز لم يرحموا، كم من رضيع يتموا إن لم يكونوا مزقوا، كم من صغير من بقايا حقدهم قد عوقوا، فإلى الله المشتكى، إلى الله المشتكى، إنا إليه لراجعون.
أيها المسلمون، أكثر من ألف مسلم أفغاني ما بين شيخ كبير، وطفل صغير، وامرأة عجوز، قتلوا منذ بداية العمليات العسكرية، قرى بأكملها تدمر كقرية قدام شرق جلال آباد دمرت بكاملها على من فيها، وقتل فيها حوالي مائتي شخص من المدنيين، وعشرات المواشي الميتة مبعثرة داخل القرية، وحفر عميقة أحدثتها القنابل، وتتابعت الصواريخ والقنابل الأمريكية على قرية جكر التي لجأ إليها المئات من سكان قندهار، هربًا من القصف الأمريكي وبحثًا عن الماء، فقتل فيها أكثر من تسعين مدنيًا، من بينهم ثمانية عشر من أفراد أسرة واحدة والتي هربت من القذف وإذ بها تلاقي حتفها، وقصفت الطائرات مستشفى في ضواحي مدينة هرات غرب أفغانستان، وقتل فيه أكثر من مائة شخص من المرضى والعاملين في المستشفى.
وذكرت وكالات الأنباء أن غارات أمريكية أصابت عددًا من الشاحنات كانت تنقل نفطًا من مدينة هرات القريبة من الحدود مع إيران واحترق من كان فيها، كما قصفت الطائرات حافلتي ركاب في هندهار تحملان عشرات الأشخاص من الأفغان الفارين من جحيم الغارات الجوية، حتى المساجد لم تسلم من قذفهم وتدميرهم وقتل من فيها من المصلين، كما في مدينة حراج غرب أفغانستان، والتي تعرضت لقذف عريض لمدة ثلاثة أيام، حتى قتل فيها أكثر من مائة شخص، فلا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله.
هذا ما طال هذه القرى وغيرها من القرى، أما كابل وقندهار وجلال آباد فقد تتابعت عليها القذائف كهطل الأمطار، فلكِ الله يا بلاد الأفغان، لك الله يا بلاد الأفغان، أي قنابل تلك التي يستخدمون؟ وأي أسلحة تلك التي يستعلمون؟ إنها أسلحة محرمة دوليًا، فقد أكد الأطباء هناك أنهم عثروا على علامات لذخيرة كيمائية أو بيولوجية، وأن آثارًا واضحة تم رصدها على أشخاص جرحى من بينهم من تعرض لحالة تسمم واختناق، فلك الله يا بلاد الأفغان، لقد شاهد العالم أو سمعوا عن الأطفال الرضع الجرحى الذين زحفوا على جثث أمهاتهم ورضعوا من بقايا دمائهم، لقد شاهد العالم الأطفال الصغار الأبرياء وشظايا الصليب تخترق رؤوسهم وأجسادهم الطاهرة.
لقد سمع العالم بمأساة الأسرة الأفغانية التي يحتشد أفرادها في غرفة واحدة، وبينما أحد أفراد هذه الأسرة يلعب أمام منزل أهله في مدينة قندهار، انفجرت بالقرب منهم قذيفة أمريكية فإذا بالطفل البريء تصيبه إصابة في رأسه من جراء الشظايا المتناثرة فيلفظ أنفاسه الأخيرة، فلكِ الله، لك الله أيتها الأم الأفغانية، لقد فتت الأعداء أكبادكن ومزق أحشاءكن.
لقد نقلت وكالات الأنباء عن مأساة العروسين الذين لم يمضيا من حياتهما سوى يومين وإذا بهما يستخرجان من تحت الأنقاض.
أحبابنا إني أغالب حسرة مشبوبة وعلى الأسى تجلدوا
نظرات أعينكم تعذبني فلا عيش يطيب ولا جفوني ترقد
تجري دماء الأبرياء على الثرى نهرًا وعالم المخدر يشهد
أواه من نار أحس بِحرِّها لما يراق دم ويهدم مسجدُ
إني لأبصر وجه طفل تائهٍ وسؤاله الحيران أين المرشد
ماذا جنى هذا الصغير؟ أما هنا رجلٌ إلى قول الحقيقة يرشد.
أمة الإسلام، أما عن وضع اللاجئين والفارين بأرواحهم فلا تسأل عن المآسي المؤسية والمشاهد المؤلمة، فأي عين يجمل بها أن تبقى في محجرها دون أن تدمع وهي ترى صور المسلمات وأطفالهن يستظلون السماء ويفترشون الأرض الكفراء، وحكى العديد من الذين تمكنوا من الوصول إلى باكستان روايات مرعبة عن رحلة الفرار من أفغانستان، وقال المفوضية العليا لشؤون اللاجئين:"إن اللاجئين الذين يصلون الحدود وجميعهم في حالة إعياء شديدة ذكروا أنهم رأوا أطفالًا يتضورون جوعًا وبعضهم لقي حتفه، في حين هام آخرون على وجوههم دون وجهة معينة."
يقول الذين زاروا تلك المخيمات:"توجهنا إلى مخيم جالوزي والذي يبعد قرابة نصف ساعة عن مخيم شمشتوه وما إن دخلت المخيم حتى رأيت ما يشيب له الولدان، شعرت أن شمشتوه يعتبر جنة مقارنة مع جالوزي، لقد فاجأني المنظر إنه عبارة عن مخيم من مخلفات البلاستيك المستخدمة، يقول: وتحدثنا مع الجهات الحكومية الباكستانية حول أوضاع المهاجرين فأكدوا أن الحكومة لا تنوي بناء الخيام الجيدة أو البيوت الطينية لهم لأنهم سيرحلون إلى أفغانستان."
أما مفوضية الأمم المتحدة لشئون المهاجرين فأكدوا أنهم يسعون لتقديم المساعدات لكن باكستان تمنع ذلك لأنها تطالب بترحيلهم إلى أفغانستان، وبذلك أصبح اللاجئون ضحية للخلافات بين مفوضية اللاجئين والجهات الحكومية الباكستانية.
أما عن الأوضاع الصحية، فأوضاع المستشفيات سيئة جدًا، فلا توجد الأدوية الكافية ولا الأجهزة الطبية، والموجود منها حاليًا معطل وغير صالح للاستعمال. هذا هو الوضع العام في كل أفغانستان كما ذكره الأطباء هناك، ولذا يقول بعضهم:"إن عدد الوفيات في ارتفاع شديد بسبب أمراض يسيرة يمكن علاجها مثل: إسهال الأطفال والملاريا وغيرها من الأمراض، التي يمكن السيطرة عليها لو توفرت الأدوية والأجهزة الطبية إذا كانت هذه أحوالهم قبل القذف فيا ترى ما أحوال المستشفيات بعد قذف الطائرات ورجم الراجمات، ألا إن الخطب أعظم والكرب أشد."
ففي كل بلد على الإسلام دائرة ينهد من هولها رضوا وسهلان
فأين أنتم يا أبناء الجسد الواحد، فأين أنتم يا أبناء الجسد الواحد، تذكروا عندما تجلسون مع أطفالكم أن هناك في أفغانستان أطفالًا لا يجدون رغيف الخبز، تذكروا عندما تطعمون أبناءكم الحلوى أن أبناء الأفغان يأكلون الثرى من الجوع، تذكروا عندما تنامون على الفرش الوثيرة وأنت آمنون مطمئنون إخوانكم هناك فراشهم الأرض الكفراء وغطاؤهم السماء، الخوف يلاحقهم والجوع يطاردهم والبرد القارس ينتظرهم، تذكروا الذين هدمت بيوتهم فأصبحوا بلا مأوى، تذكروا الذين شردوا من ديارهم، تذكروا اليتامى، تذكروا الذين يئنون من جراحهم، تذكروا العجائز التي احدودبت ظهورهن، تذكروا الأرامل اللاتي فقدن أزواجهم، تذكروا المآسي التي تفت الكبود وتحرق القلوب.
أيها العالم ماذا هذا السكوت أولا تبصر هذا الجبروت؟!
أولا تبصر في الأفغان ظلمًا أولا تبصر أطفالًا تموت؟!
أيها الإخوة في الله، لقد شرع الإسلام التكافل المالي بين المسلمين والترابط وسد الحاجات، وفي الحديث أن النبي قال: (( من كان معه فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له ) )صورة رائعة مشرقة عندما يوجد في المجتمع الإسلامي فاقة وحاجة، يُلزم الإسلام أصحاب فضول الأموال أن يخرجوا من فضول أموالهم ولو من غير مال الزكاة ما يسد حاجة إخوانهم، يقول النبي مثنيًا على الأشعريين: (( إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم بالسوية، فهم مني وأنا منهم ) )رواه البخاري ومسلم، فقد سر رسول الله بما كان يفعله الأشعريون إذا أرملوا وبشرهم بأنهم منه وهو منهم، وهذا دليل على أنه لا يريد أن يكون المجتمع طبقتين، طبقة مترفة تكدس الأموال في جيوبها، وطبقة معوزة لا تجد غنى يغنيها، وفي ذلك من الفساد ما فيه، وفي حديث مسلم في القوم الذين جاءوا رسول الله مجتابي النمار متقلدي السيوف عامتهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله لما رأى ما بهم من الفاقة، فخطب الناس وحثهم على الصدقة؟ فتصدق الناس حتى تجمع كومان من الطعام، ففرح رسول الله حتى تهلل وجهه كأنه مذهبة.
وعن علي بن أبي طالب قال: (إن الله تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فبمنع الأغنياء، وحق على الله تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم عليه) .
وإن إخواننا هناك في أفغانستان كانوا يعيشون مسغبة عظيمة قبل الهجمات؛ فقد قضوا عشرين عامًا في الحروب، وثلاث سنوات من الجفاف المتواصل والحصار الشديد عليهم، فماذا يكون الحال إذن بعد هذا الحصار وتلك الضربات؟! فهم بحاجة إلى المال لسد جوعتهم والدفاع عن أنفسهم ورد الصائل عليهم، وحفظ أرواحهم والإبقاء على مهجة المسلم واجب يقول النبي: (( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ) )رواه ابن ماجه بإسناد حسن، ونظر إلى الكعبة فقال عليه الصلاة والسلام: (( لقد شرفك الله وكرمك وعظمك والمؤمن أعظم حرمة منك ) ).
يقول الإمام القرطبي رحمه الله:"اتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة يجب صرف المال إليها"، وقال الإمام مالك رحمه الله:"يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم"يقول الله عز وجل: مَّن ذَا ?لَّذِى يُقْرِضُ ?للَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَ?للَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
فجدير بكل من امتلأ قلبه بالإيمان، وأحاط بمشاعره، واستغرق وجدانه أن يسهل عليه الخروج من كل ما يملك ابتغاء مرضاة الله وحياءً منه، فكيف وقد وعد الله جل جلاله برده مضاعفًا أضعافًا كثيرة ووعده جل جلاله الحق.
أيها المسلمون، وحتى تعلموا مدى التقصير الكبير، والتفريط العظيم الذي نقوم به تجاه قضايا الإسلام والمسلمين استمعوا إلى هذا الخبر، يقول الخبر:"من المقرر أن يخصص ريع الحفل الذي أقيم تحت شعار (أمريكا نحن صامدون) لضحايا الهجمات على الولايات المتحدة"وفي خبر آخر يقول:"جاء حفل واشنطن في أعقاب حفل أقامته كوكبة من النجوم في نيويورك لتكريم رجال الإطفاء والشرطة وعمال الإنقاذ، وشارك فيه عدد كبير من نجوم السينما ومن المتوقع أن تحقق سلسلة هذه الحفلات حصيلة من الإيرادات تتجاوز مبلغ مائة وخمسين مليون دولار".
هكذا ينفق النصارى بعضهم لبعضهم، وهكذا يتسابق أولئك الصليبيون لدعم حملاتهم الصليبية، حتى أصحاب الفن والذين يعدون من أحقر فئات المجتمع يبادرون لخدمة دينهم وأبناء ملتهم، أصحاب الفجور والفسق والخمور يتبرعون بأموالهم لضحايا التفجيرات.
والسؤال الذي يطرح نفسه بنفسه: أين أمة الإسلام عن دعم إخوانهم المسلمين؟! أين مساندتهم للضعفاء والمساكين؟! أين دعمهم اللامحدود لإخوانهم المضطهدين؟! إنني أوجهها رسالة، رسالة إلى أصحاب الأيادي البيضاء، رسالة إلى أصحاب القلوب الحانية، رسالة إلى الذين تعودنا منهم البذل والعطاء والتضحية والفداء، ها قد جاء دوركم وحان وقتكم، يقول النبي: (( جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم ) )رواه أحمد، وأقول لكم ـ كما قال عمر ـ: هل نرى هؤلاء يموتون ونعيش نحن؟! بل ونتنعم ونتلذذ بكل ما لذ وطاب ولا يفوتنا من الكماليات شيء؟!.
فأسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يعطي كل منفق خلفًا، اللهم أعط كل منفق خلفًا، اللهم أعط كل منفق خلفًا، اللهم أعط كل منفق خلفًا، وأعط كل ممسك تلفًا، اللهم أعط كل ممسكٍ تلفًا.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم.
الحمد لله وكفى، وسمع الله لمن دعا، وصلى الله على النبي المصطفى، والهادي المجتبى، وعلى من سار على نهجهم واقتفى.
أما بعد:
فأبشروا يا أهل الإسلام، أبشروا يا أهل الإيمان؛ فإن دينكم هو الدين الحق، الذي كتب الله جل جلاله له البقاء، وقضى وقدر سبحانه أنه ناصر دينه ومعلٍ كلمته مهما طال الزمان أو قصر، ومهما ادلهمت الخطوب واشتدت الكروب، ومهما تكالب الأعداء للفتك به وبأهله، فإن الدائرة على الكافرين؛ يقول الله تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ?للَّهِ بِأَفْو?هِهِمْ وَ?للَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ?لْكَـ?فِرُونَ هُوَ ?لَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِ?لْهُدَى? وَدِينِ ?لْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ?لدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ ?لْمُشْرِكُونَ ، المستقبل لهذا الدين، المستقبل لهذا لدين، والعزة لأهل هذا الدين، والتمكين للمتمسكين بهذا الدين العاضين عليه بالنواجذ، المهتدين بهديه، المستنين بسنته، المقتفين أثره، السائرين على منهاجه، يقول جل جلاله في تجلية هذه الحقيقة الكبرى والنعمة العظمى: وَعَدَ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ?لأرْضِ كَمَا ?سْتَخْلَفَ ?لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ?لَّذِى ?رْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذ?لِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لْفَـ?سِقُونَ وَأَقِيمُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَاتُواْ ?لزَّكَو?ةَ وَأَطِيعُواْ ?لرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ، وقال جل جلاله: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ?لأَشْهَـ?دُ.
وإن دينًا كتب الله له الظهور ولأهله النصر والتمكين في الأرض لا بد وأن يستعلي ويهيمن وأن يصلح أهله أهل القيادة والسيادة فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، وأن يحرروا الناس من عبودية المخلوقات إلى عبودية الله الواحد الأحد، الذي إذا قضى أمرًا فإنما يقول له: كن فيكون.
إن استقرار هذا المعنى في قلوب أهل الإيمان في هذا الزمان يبعد خطر التشاؤم عن القلوب، ويبعث على التفاؤل بتمكن الإسلام في القلوب، وضرورة غلبته وظهوره وهيمنته على سائر الأمم والشعوب، يقول عليه الصلاة والسلام: (( ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار ) )ويقول عليه الصلاة والسلام: (( إن هذا الدين لا يترك بيت مدر ولا وبر إلا دخله بعز عزيز وذل ذليل ) )، لقد بشر انتصار المسلمين على اليهود والروم آخر الزمان، وبفتح روما عاصمة الفاتيكان وَعْدَ ?للَّهِ لاَ يُخْلِفُ ?للَّهُ وَعْدَهُ وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَ ?لنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ.